الخزانة الثانية..
وظيفة الأنبياء والرسل:
وظيفة الرسول أداء الرسالة، لا إحداث الخير، ولا إحداث السوء فهذا من أمر الله الذي بيده ملكوت كل شيء:﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وأمر الناس مع الرسول أن من أطاعه فقد أطاع الله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء: ٨٠].
ومن تولى معرضا مكذبًا فأمره إلى الله من ناحية حسابه وجزائه ولم يرسل الله الرسول ليجبره على الهدى، أو يكرهه على الدين، وليس موكلاً بحفظه من العصيان والضلال، فهذا ليس داخلاً في وظيفة الرسول، ولا داخلًا في قدرة الرسول، إنما ذلك بيد الله وحده: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾ [يونس: ٩٩ - ١٠٠].
فكل ما يحصل في الكون لا يكون إلا بإذن الله وإرادته، وقدره ومشيئته، وكل ما يحصل للناس من الحسنات والسيئات، والنعم والمصائب فلا يقع إلا بإذن الله وإرادته، لأنه لا يقع في ملكه إلا ما يريد.
لكن الحسنات والنعم من فضل الله ﷿، وما أصاب العبد فبما كسيت يداه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠].
وما يصيب الناس من حسنةٍ ونعمة فهي من عند الله؛ لأنه بسبب منهجه وهدايته، وفضله، وإحسانه، وما يصيبهم من سيئة ومصيبة فهي من عند أنفسهم؛ لأنها حصلت لهم بسبب تنكبهم عن منهج الله، والإعراض عنه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩].
فالإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلمطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع.
والرسول صلى الله عليه وسلموظيفته أنه رسولٌ يبلغ ما جاء به من عند الله إلى خلقه، وطاعته فيما يأمر به طاعةٌ لله:﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧].
وليس هناك طريقٌ لطاعة الله غير طاعة رسوله ﷺ: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء: ٨٠].
والرسول صلى الله عليه وسلمليس مكلفًا أن يحدث الهدي للمعرضين من المتولين، ولا أن يحفظهم من الإعراض بعد التولي بعد البلاغ والبيان: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾ [الشورى: ٤٨].
والأنبياء والرسل هم مصابيح الدجى، وينابيع الهدي في هذه الأرض، فهدي الله للبشر جاء بواسطتهم، وما أرسل الله الرسل إلا ليطاعوا، وما أنزل الله الكتب إلا ليحكم بها بين الناس بالعدل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾ [المائدة: ٤٨].
فالذين أنكروا إرسال الرسل ما عرفوا الله، ولا عرفوا حكمته ورحمته، وعدله وإحسانه، وكرمه وفضله؛ فمن أنكر بعثة الأنبياء، وإرسالهم إلى الناس، فما أسفهه هؤلاء وأجهلهم بربهم: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)﴾ [الأنعام: ٩١].
وكل هذا جهلٌ بقدر الله ﷾، فالله العظيم الكريم، الرحمن الرحيم، العليم الحكيم، لا يدع هذا الإنسان وحده، هو الذي خلقه، ويعلم سره وجهره، وطاقاته وقواه، وحاجاته إلى منهج يعتمد عليه، ويسير عليه، ومبادئ يرجع إليها في أفكاره وأقواله وأفعاله.
فلله الحمد والمنة على أن أرسل إلينا رسولًا يبين لنا ما يحب ربنا وما يرضيه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].
والله ﷿ خلق الإنسان في أحسن تقويم وزوده بالآلات العلم والمعرفة وهى:
السمع.
والبصر.
والعقل.
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
والله سبحانه يعلم أن العقل الذي أعطاه للإنسان لا يستقل بمعرفة ما ينفعه وما يضره، ويتعرض لضغوط كثيرة من رغباته وشهواته، وليس العقل موكلاً بصياغة نظام ومنهج حياة، هذا مجال الدين والشريعة التي تأتى من الله بواسطة رسله، فيؤمن به ويتبع ما جاءت به، فيسعد في دنياه وآخرته: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩)﴾ [الحديد: ٩].
فالعقل مستقبل للوحي فقط: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
ومن ثمَ فمن رحمة الله لا يكل الإنسان إلى هذا العقل وحده، ولا يكله كذلك إلى ما أودع في فطرته من معرفة ربه، وشوقه إليه، ولجوئه إليه في الشدائد: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
فهذه الفطرة قد تفسد بسبب المؤثرات، وبسبب الأهواء والتزيين الذي يقوم به شياطين الإنس والجن بكل ما يملكون من أجهزة التوجيه والتأثير، كما قال الله ﷿ في الحديث القدسي: «وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ» أخرجه مسلم.
إنما يكل الله الناس إلى وحيه ورسله، وهداه وكتبه، ليرد فطرتهم إلى استقامتها وصفائها، وليرد عقولهم إلى صحتها وسلامتها ليجلو عنهم غاشية الظلام والتضليل الذي أصابهم: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
وهذا هو الذي يليق بكرم الله وفضله ورحمته، وعدله وإحسانه وحكمته وعلمه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة: ٢٤٣].
فما كان الله ليخلق البشرية، ويجمعهم في الأرض، ثم يتركهم سدى، ثم يحاسبهم يوم القيامة ولم يبعث فيهم رسولًا يبين لهم ما يتقون، وينزل عليهم كتاباً به يهتدون:﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥].
ومنَّ الله على البشرية كافة ببعثة الأنبياء والرسل إليهم، وجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام جاءوا بالتوحيد المطلق الخالص، الذي لا ظل فيه للشرك في صورة من صوره، وأمروهم بعبادة الله وحده، وأخبروا أممهم أنهم بشر لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعًا ولا ضرًا، ولا يعلمون الغيب إلا ما طلعهم الله عليه، ولا يملكون بسط الرزق أو قبضه لأحد، وأنذروا قومهم الآخرة وما فيها من حسابٍ وجزاء، وثوابٍ وعقاب.
فهذه الأصول الذي دعا إليها كل رسولٍ من رسل الله إلى عباده: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥].
والإيمان بالرسل ليس فقط اعتقادًا بالقلب؛ بل هو مع ذلك عملٌ إيجابي في تنفيذ جميع ما جاءوه به: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وعملٌ كذلك إيجابي في نصرة هؤلاء الرسل، وشد أذرهم فيما ندبهم الله له، وفيما أوقفوا حياتهم كلها لأدائه، وهو إبلاغ رسالة الله إلى عباده: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ودينه وشرعه مقتضاه أن ينهض المؤمن لينصر ما آمن به، وليقيمه في الأرض، وليحققه في حياة الناس كافة كما فعل النبي ﷺ، وذلك يحتاج إلى دعوه، وبذل للأنفس والأموال والأوقات، وترك كل شيء من أجل دين الله ﷿ لينتشر الحق في العالم، ويحتاج إلى نصره وجهاد لتحقيق وجوده، ولحمايته من الأعداء بعد تحقيقه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
وقال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٨].
إن الإيمان بالرسل، والإقرار بالرسالة، والعمل بموجبها، هو الذي يجعل هناك قاعدةٌ لما يريده الله من البشر، كي يتلقى البشر كل ما يتعلق بالعبودية لله من مصدر واحد، هذا المصدر الأمين الذي اصطفاه الله واجتباه هم فقط الأنبياء والرسل الذين يبلغون رسالات الله إلى عباده:﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ [الأحزاب: ٣٩].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
• دين الله واحد:
دين الله للبشرية كافة واحد: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾ [آل عمران: ١٩].
والحق هو الذي أنزله الله الحق في كتابه، وكل ما سواه باطل:﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].
هذا المصدر الأمين للتشريع الذي اصطفاه الله، جاء به الأنبياء والرسل فقط، ولذلك كل طاغوت مفترٍ، وكل منافقٍ وملحد، يقول للناس قولًا، ويشرع للناس شرعًا، ثم يزعم أن الله شرعه وأمر به، بينما هو يفتريه من عند نفسه.
وفي كل جاهلية في الأرض يقوم بين الناس من يشرع الشرائع والنظم، ثم يقول للناس هذا من عند الله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة: ٧٩].
وما يقضى على هذه الفوضى ويزيل هذا الضلال، وهذا الاحتيال على الناس باسم الله، إلا أن يكون مصدرٌ واحدٌ مبلغٌ عن الله، هم رسله الذين اختارهم وأرسلهم، وهم أمناؤه على وحيه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥].
وما أعظم جريمة هؤلاء الناس الذين يفترون على الله الكذب ويضلون الناس بباطلهم: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾ [الأنعام: ١٤٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾ [آل عمران: ١٩].
والشرائع السماوية يكمل بعضها بعضًا، ومقصودها توحيد الله ﷿، والإيمان به، والتسليم له في كل شيء، وعبادته وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)﴾ [آل عمران: ١٧٩].
والشرائع السماوية السابقة كلها أكملها الله بالإسلام الذي بعث الله به محمدًا ﷺ، ورسول الله صلى الله عليه وسلمجاء ليكمل اللبنة الناقصة في البناء الإيماني، ليكمل البناء، ويكون صالحًا مفتوحًا لكل فردٍ من البشرية إلى يوم القيامة.
وإنها لنعمة كبرى من الكريم على خلقه لو كانوا يفقهون:﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣].
وقال النبي ﷺ: «إن مَثَلي ومَثَلَ الأنبياءِ مِنْ قبلي كَمَثَلِ رَجُل بني بيتاَّ، فأحْسَنَهُ وأجْمَلَهُ؛ إلا موضِعَ لَبِنَةٍ من زاويةٍ، فجَعَلَ الناسُ يَطوفون بهِ، ويَعْجَبونَ لهُ، ويقولونَ: هَلَّا وُضِعتْ هذه اللبِنَةُ، قالَ: فأنا اللَّبِنَةُ، وأنا خاتَمُ النبِيِّينَ».
متفقٌ عليه.
فما أعظم فضل الرب على الناس، وما أعظم رحمته لهم، وما أعظم عنايته بهم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
فما أعظم نعم الله على خلقه:
يرسل إليهم رسولًا بعد رسول، وينزل عليهم أمرًا بعد أمر، ويهديهم بكتاب بعد كتاب، حتى أكمل الله الدين، وبعث به رسول الله خاتم النبيين، ورضيه منهجًا للحياة إلى يوم الدين: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].
فيا لها من نعمة ما أعظمها، وتكرمه ما أجلها، وحليةً ما أحسنها: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤].
وليس للقلوب سرورٌ ولا لذة تامة إلا بمحبة الله، والتقرب إليه بما يحبه، ولا تمكن محبته إلا بالإعراض عن كل محبوبٍ سواه، ومن أحب الله أنس به، ومن أحب غيره عذب به، وشقي به: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء:/ ٢١٣].
فمن يشعر ويحس بقيمة هذه النعمة الكبرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ [غافر: ٦١].
إن البداية من الله، وإن البقاء في الدنيا بأمر الله، وإن النهاية بأمر الله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٦].
وقال الله ﷿ ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢].
فلا حل ولا نجاة ولا فلاح للبشرية في الدنيا والآخرة إلا بالتسليم لله وطاعته وعبادته وحده لا شريك له، وإتباع الرسول فيما جاء به: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
أعظم الوظائف الدعوة إلى الله.
الله ﷿ أكرم رسله وأنبياءه بأعظم الوظائف وهى الدعوة إلى الله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
وقد ألقي الله ﷾ على الأنبياء والرسل تبعةً ثقيلةً عظيمةً، وألقاها من بعدهم على المؤمنين برسالاته، تجاه البشرية كلها: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣].
وهذه الأمانة تبعة ثقيلة عظيمة، بمقدار ما هي جسيمةٌ وكبيرة، إن مصائر البشرية كلها في الدنيا والآخرة منوطةٌ بالرسل والأنبياء، وبإتباعهم من بعدهم، فعلى أساس تبليغهم ما أمرهم الله به للبشر، تقوم سعادة هؤلاء البشر أو شقوتهم، ويترتب عليها ثوابهم أو عقابهم في الدنيا والآخرة.
ولهذا أكد الله على رسله إبلاغ جميع ما أرسلوا به للناس،لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧].
إن أمر الرسالة وإبلاغ أوامر الله لعباده أمرٌ عظيمٌ وكبير، ومن ثم كان الرسل يحسون بجسامة ما كلفوا به، وكان الله يبصرهم بحقيقة العبء الذي ينوطه بهم، ويعلمهم كيف يتهيئون له، ويستعدون للقيام به، كما قال الله لرسوله محمد ﷺ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ١ - ٥].
فالأنبياء ليس لهم عمل إلا عبادة الله وحده لا شريك له، وامتثال أوامره، ودعوة الناس إلى دينه، وتعليمهم أحكامه:﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ١ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
والنبي صلى الله عليه وسلمخير من عبد ربه، فكان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، وهو خير من دعا إلى ربه، فقد بلغ البلاغ المبين، ودعا إلى ربه حتى دخل الناس في دين الله أفواجًا، وهو خير من علم أحكام الشرع، فقد ترك الأمة على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
حقًا إن الأمر عظيمٌ وكبير، أمر رقاب الناس، أمر حياتهم ومماتهم، وأمر سعادتهم وشقوتهم، وأمر ثوابهم وعقابهم، فالبشرية في أنحاء الأرض قاطبة إما أن تُبلغ رسالة الله ﷿، ليؤمنوا بالله وحده، ويعبدوه وحده لا شريك له، فتقبلها وتتبعها فتسعد في الدنيا والآخرة.
وإما أن تُبلغ إليها فترفضها وتنبذها فتشقى في الدنيا والآخرة: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩].
وإما أن لا تُبلغ إليها فتكون لها حجةً على ربها يوم القيامة؛ لأنها لم تُبلغ ولم تعلم وتكون تبعة شقائها في الدنيا،وضلالها وعذابها في الآخرة معلقةٌ بعنق من كُلف التبليغ فلم يبلغ فيبوء بإثم ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠].
تابوا من بعد ما ظلموا، وأصلحوا ما فسدوا، وبينوا ما كتموا.
والله ﷿ يقول لكل مسلم: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
فأما رسل الله عليهم الصلاة والسلام فقد بلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة، وجاهدوا في الله حق جهاده، بلغوا الرسالة دعوة باللسان، وقدوةً حسنةً للعباد، وجهادًا مضنيًا بالليل والنهار، ودعوةً ودعاء يملأ الأوقات والألسنة والقلوب، وجهادًا في سبيل الله متواصلًا لإزالة الأزمات والعوائق، سواءً كانت هذه العقبات شبهاتٌ تحاك، وضلالاتٌ تزين، أو كانت قوًى طاغية تصد الناس عن الدعوة، وتفتن الناس عن دينهم: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨)﴾ [التوبة: ٨٨].
ثم يمضي هؤلاء الرسل والأنبياء مبلغين لدين ربهم، خالصين من هذا الالتزام الثقيل، من أول الرسل نوح ﷺإلى خاتم النبيين محمد ﷺ وبقي هذا الواجب الثقيل على من بعدهم من المؤمنين برسالتهم.
والنبي صلى الله عليه وسلمبلغ البلاغ المبين، وترك الأمة على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فقد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، ودخل الناس في دين الله أفواجًا:﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [النصر: ١ - ٣].
فصلوات الله وسلامه عليه ما دام الليل والنهار.
وشرّف الله هذه الأمة بوظيفة الأنبياء والرسل، وهي الدعوة إلى الله، وعبادة الله وحده لا شريك له، فهذا الواجب الثقيل العظيم انتقل من بعد الرسول ﷺ إلى أمته من المؤمنين برسالته رجالًا ونساء.
فهناك أجيال وأجيال جاءت وستجيئ من بعده ﷺ، ودعوة هؤلاء للإسلام واجبة، وتبليغهم الدين منوطٌ بعده بإتباعه ﷺ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
ولا انفكاك لهم من هذه التبعة الثقيلة، تبعة إقامة حجة الله على الناس، وإبلاغهم هذا الدين، ليسعدوا في الدنيا والآخرة، وتبعه استنقاذ البشرية من عذاب الآخرة وشقاء الدنيا إلا بالتبليغ، والأداء على ذات النهج الذي بلغ به رسول الله ﷺ وأداه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
والجهد الذي قام به صلى الله عليه وسلمهو أعظم جهدٌ لتبليغ الدين إلى يوم القيامة، جهدٌ وتضحية، وحكمةٌ ورحمة، وبذلٌ وعطاء وحلمٌ وصبر، وإحسانٌ ودعوةٌ ودعاء، وتعليمٍ وهدى.
فالرسالة هي الرسالة التي بلغها محمد ﷺ والناس هم الناس، والوظيفة هي الوظيفة، وهناك في كل زمان وكل مكان ضلالات وأهواء، وشبهاتٍ وشهوات، وقوًى طاغية في البر والبحر والجو، تحول دون الناس ودون الدعوة، وتفتنهم عن دينهم بالتضليل، وبالقوة والقهر، وبالسخرية والاستهزاء وبالقتل والتشريد: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩)﴾ [البروج: ٨ - ٩].
وأمام أن هذا ليس هناك إلا حلٌ واحد ومركبٌ واحد ينقذ البشرية والإنسانية مما هي فيه من الجاهلية والضلال، والفتن والظلام؛ ألا وهو أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، لابد من توحيد الله ﷿، واستقامةٍ على الدين، وإبلاغ هذا الدين الحق، بلاغٍ للبشرية بالبيان، وبلاغ بالعمل، حتى يكون المترجمون ترجمة حية بالدين والأخلاق: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وبلاغٌ بإزالة العقبات التي تعترض طريق الدعوة والدعاة، وتفتن الناس بالباطل وبالقوة، وإلا فلا بلاغ ولا أداء، والله ﷿ ينصر الرسل وأولياءه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم: ٤٧].
ومن العقوبة والخسران أنه أمر واجب على المؤمنين، الذي لا حيلة في النكوس عن حمله وإلا فهي التبعة الثقيلة المؤلمة الموجعة: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩].
إنها مسؤوليةٌ عظيمة، وعهدٌ وميثاقٌ عظيم، فهذا الدين أمانةٌ في أيدينا لابد من إبلاغه للبشرية، وإلا فهو غضب الرب، ونقض العهد، تبعة ضلال البشرية كلها، وحرمانها من حقها، وشقوتها في الدنيا والآخرة، وتبعة عدم القيام بحجة الله في الآخرة، وحملت التبعة في هذا كله، وحرمانها من الجنة، وعدم النجاة من النار.
ألا ما أخطر الأمر، وما أعظم نقض العهد، وما أعظم عدم أداء حق البشرية: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١)﴾ [الرعد: ١٩ - ٢١].
من الذي يستهين بهذه التبعة العظيمة التي تقصم الظهر، وتهز المفاصل، وترعد لها الفرائس؟!.
إلا ما أعظم نقض العهد، وخيانة الأمانة: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرعد: ٢٥]
إن المسلم إما إن يستقيم كما أمر الله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
ويتبع ويؤدى هكذا وإلا فلا نجاة له في دنياه ولا أخراه.
***
مختارات

