الخزانة الثالثة..
فضائل القرآن العظيم:
القرآنُ العظيم فيه تبيانُ كلُ شيء، وفيه كلُ خيرٍ وفلاحٍ وبركةٍ في الدنيا والآخرة، وقد أثنى الله على نفسه ممتنًا على رسوله في إنزال هذا الكتابِ العظيم فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧].
وامتن على هذه الأمة مثنيًا على نفسه بنزول هذا القرآن العظيم: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
فكانوا شرَ الناس، وبالقرآن العظيم، والإيمان بالله العظيم، كانوا خير الناس، وكانوا شرَ أمة، ثم كانوا بعد الإسلام خيرَ أمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
وقد أخبر اللهُ ﷿ عن القرآن الكريم بأنه ذكرٌ للعالمين بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].
فالقرآن الكريم ذكر للعالم أجمع، فهو المنهج الكامل الوحيد الذي يسعدون بهِ وبإتباعهِ في الدنيا والآخرة: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
وأخبر سبحانه أنه تذكرةٌ للمتقين بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾ [الحاقة: ٤٨].
يذكرهم بربهم ﷻ، فهو ذكرُ لأهل الإيمان والتقوى يذكر العباد بما فيه صالحهم في معاشهم ومعادهم، ويذكرهم بالرب تعالى، وأسمائه، وصفاتهِ، وأفعاله، وحقوقه على عباده، ويذكرهم بالخير ليفعلوه، ويذكرهم بالشرِ ليجتنبوه، ويذكرهم بمصالحهم في معاشهم، ومعادهم، ويذكرهم بالمبدأ، والمعاد، ويذكرهم بنفوسهم، وآفاتها، وما تكمُنُ بها:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وأنه ذكرٌ مبارك في قوله سبحانه: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾ [الأنبياء: ٥٠].
فهو يذكر الخلق بنفوسهم، وآفاتها، وما تسعد به، وما تزكوا به: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
ويذكرهم بمن يقتدون به من الأنبياء، والرسل، ويذكرهم بعدوهم، وما يريدُ منهم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
فهو يذكرهم بعدوهم الشيطان، وما يريد منهم، ومن أي طريق يأتي إليهم، وبماذا يحترزون من كيده: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
ويذكرهم القرآن بفاقتهم، وحاجتهم إلى ربهم، وأنهم مضطرون إليه في كل حال لا يستغنون عنه لحظة أبدً:﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
ويذكرهم القرآن بنعم الله عليهم؛ ليشكروه، ويدعوهم بها إلى نعمٍ أخرى أكبر منها في الجنة ويذكرهم برحمة، وعفوه، ليقبلوا عليه، ويتوبوا إليه: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
ويذكرهم سبحانه بأسه، وشده بطشه وانتقامه ممن عصى أمره، وكذب رسله؛ ليخافوهُ، ويهابوهُ، ويطيعوه سبحانه:﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
ويذكرهم القرآن بثواب الله، وعقابه، وما أعد لأوليائه، وما أعد لأعدائه؛ ليقبلوا على ما ينفعهم من الإيمان والتقوى، ويحذروا ما يضرهم من الشرك والمعاصي، ويتنافسوا في الخيرات: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
ويذكرهم القرآن بما يحل لهم، وما يحرم عليهم، وما يحبه الرب، وما يبغضه، ويذكرهم بصفات أوليائه؛ ليفعلوها،ويتحلوا بها: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥].
ويذكرهم بصفات أعدائه، ليجتنبوها، ويحذروا منها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦].
ويذكرهم بعاقبة هؤلاء وهؤلاء: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
ولهذا أمر الله عباده أن يذكروه، وأن يذكروا ما في كتابه من المواعظ والشرائع والأحكام وان يأخذوها كما قال سبحانه:﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾ [الأعراف: ١٧١].
فالمؤمنُ حقًا من صدق الأخبار، وامتثل الأوامر، واجتنب النواهي: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وكون القرآن ذكري للعالمين كلهِم غير جهة كونه ذكرى للمتقين، فإن القرآن ذكرٌ للعموم للصلاحية، والقوة، وذكرٌ لأهل الاستقامة بالخير والنفع: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩].
الكونُ العظيم كتابُ الله المنظور المفتوح، والقرآنُ العظيم كتابُ الله المقروء المسطور.
وقد أمرنا الله ﷿ بالنظر، والتدبر، والتفكر، في هذا وهذا فقال في الكون المنظور: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال في الكتاب المسطور: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤].
والكتابُ المنظور، والكتابُ المسطور، كلاهما دليل على الخلاقُ العليم، وكلاهما مؤثر في قلب الإنسان، ليزيد إيمانه، ويحركُ الجوارح بالطاعاتِ، وامتثال أوامر الله.
وكلاهما دليلٌ على الخلاق العليم، كما أن كليهما كائنٌ ليعمل، فالكونُ كله بما فيه من مخلوقات مازال يتحرك، ويؤدى دوره الذي قدره له بارئه بطاعةٍ تامة لربه.
فكلُ ما في الكون من المخلوقات العظيمة شاهد بوحدانية الله ومسبح بحمد وخاضع لأمره: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل/ ٤٩ - ٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨].
والقرآنُ كذلك أدى دوره للبشرية التي آمنت به، وحكمته، واستجابت لأوامره، فاستقامت فيه حياتهم في أحسن حياة في هذه الأرض، وأديرت به معركةٌ ضخمة في مجال النفس الإنسانية، وفي رقعة من الأرض كذلك، فكانت النتائج طيبةً مباركة.
فيا سعادة من تمسك به في الدنيا والآخرة، وخذلان من خالفه وشقاؤه في الدنيا والآخرة: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
ذلك هو جيلُ الصحابة الذين تلقوا الدينَ والإيمانَ والقرآن مباشرةً قلبيًا وعمليًا من الرسول ﷺ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
فتلك أمةٌ كانت قبل الإسلام شرُ أمة، فكانت بالإسلامِ خير أمة، وكانت قبل الإسلام شر القرون، وبعد الإسلام خير القرون، وانتقلت من الشركِ إلى التوحيد، ومن الجهل إلى العلم، ومن الظلمِ والطغيان إلى العدل والإحسان، ومن الفرقةِ والخلاف إلى الوحدة والاجتماع فكانوا خيرُ أمة تلقت هذا الوحي العظيم من الرسول ﷺ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
والقرآن هو القرآن، والإنسانُ ما يزال هو الإنسان، والقرآن هو خطاب الله لكل إنسان إلى يوم القيامة، يصدقُ أخباره، ويمتثل أوامر، ويجتنبُ نواهيه فالكونُ كله يتحرك بأمر الله الكوني القدري، والإنسانُ كذلك يجب أن يتحرك بأمر الله الديني الشرعي؛ ليوافقَ الكائنات في العبادة والطاعة: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨].
فالكون له أوامر، والإنسانُ له أوامر، وكلٌ إليه راجعون، فهل نستفيد من القرآن كما استفاد الصحابة؟ وهل نعمل به كما عملوا، لنسعد في الدنيا، والآخرة؟.
قال الله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨].
يا ويح البشرية إن الدواء والشفاء الذي يشفيها من عِللِها وأمراضها وأسقامها موجودٌ بين أيديها، ولكنها لا تستفيد منه إلا قليلاً: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
فتلك مصيبة والمصيبة التي أعظم منها أنها تطلب شفاءها وسعادتها فيما يزيدُ من آلامها، ويوسع جراحها، ويشقيها في الدنيا والآخرة مما يخالفُ كتاب ربها، وهدي نبيها ﷺ من قوانين الأمم الكافرة الأخرى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
فسقطت من عين الله، ثم سقطت من أعين الكفار: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢].
مذمومًا لا حَامِدَ لك، مخذولًا لا ناصر لك؛ فماذا أعد اللهُ لهؤلاء في الدنيا والآخرة؟.
قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾ [الرعد: ٣٤].
لقد أعز الله ﷿ بهذا القرآن العظيم أمةٌ محمد ﷺ: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
ونقلهم من ظلماتِ الجاهلية، إلى نور الإسلامِ، والإيمان.
وخلصهم بالقرآن العظيم من آفاتٍ أربع:
حكمُ الجاهلية.
وحميةِ الجاهلية.
وظن الجاهلية.
وتبرج الجاهلية.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
فما الذي دهى كثير من المسلمين حتى رفعوا أحكام القرآن من واقع الحياة؟ وما الذي صرفهم عن مصدر عزهم وسعادتهم؟.
لقد كان هذا القرآن العظيم هو مصدر المعرفة، والتربية، والتوجيه، والتكوين، والعزة، لجيل من البشرِ فريد، وهو جيل الصحابةِ الكرام، الذين هم أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلُها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، فأنهم على الهدى المستقيم.
وأنشأ الله بمشيئته وقدرته، وبهذا الكتاب العظيم، تلك المعجزة المجسمة في عالم البشر، وهم أصحاب النبي ﷺمن المهاجرين والأنصار الذين تآلفوا وتحابوا على الإيمان:﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣].
فأصحاب النبي ﷺ معجزةٌ واقعةٌ مشهودة، وذلك المجتمع الفريد كانت تحكمه الشريعة التي جاء بها هذا الكتاب العزيز، فنقلهم الله من رعاة الغنم إلى رعاة الأمم، ومن الظلم والطغيان إلى العدل والإحسان، ومن الكفر والشرك إلى التوحيدِ والإيمان.
وكان هذا المجتمع العظيم معجزةٌ أخري في تاريخ البشرية لما يتحلى به من مكارم الأخلاق، وحسن الآداب التي ﵃بها، ورضوا عنه، وكانوا في إيمانهم، وأخلاقهم، وأعمالهم،قدوةً ورحمةٌ للبشرية ﵃ أجمعين: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
والمجتمعات البشرية التي تفوقُ المسلمين في الإمكانات المادية، لا تطاولهم في الإيمانِ، والأخلاق الكريمة العالية، وحياةُ الأمة لا تحكم اليومَ كتاب ربها، ليعود إليها عزها ومجدها، وليعزها الله، ويرفع ما بها من ذل: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
إن الأمة الإسلامية إذًا هجرت كتاب ربها، وسكت العلماء عن بيان الحق وأحكام الدين، وقعد الدعاة عن نشر الدين بين الأمم، واشتغل الناس بالأموال والأشياء، وزهدوا في الإيمان والأعمال، وفُقِدَ الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر، ونقضت الأمة عهد ربها وميثاقه، إذًا حصل هذا في الأمة فقد أحلت بنفسها غضب الله وسخطه، واستوجبت عقوبته: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥].
لقد عاشت الأمة الإسلامية أحسن عصورها في عهد النبي ﷺ وأصحابه، وعهد الخلفاء الراشدين، ولكن سرعان ما تصدع جدارُ الإيمانِ والتوحيدِ والأخلاق من بعدهم، فانقطعوا عن مصدر عزهم، وخضعت رقابهم وديارهم لعدوهم.
لقد جاء الشيطانُ فاحتل قلوبهم، ثم جاء العدو فاحتل ديارهم، ولا تزال القلوبُ معتلة، مادامت من الشيطانِ محتله.
لهذا أصبحت الأمة من بعد الصحابة بحاجه ماسه للعودة إلى مصدر عزها، حيث نالتها الضربات، والأوجاع من كل ناحية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧)﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٧].
وكم كاد الكائدون لهذا الدين العظيم، وهذا القرآن العظيم، بوسائل خفية عنيفة مستمرةُ، طويلةُ الأمد، وطرقٌ خبيثة ماكرةٌ لئيمة، وحشدت تلك الطاقات، والأفكار، والأموال، والحديد، والنار؛ لمحاربة هذا الدينِ وأهله، ولهذا الكتاب العظيم وأوامره: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف: ٨ - ٩].
اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم علمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما نُسينا، وارزقنا حسن تلاوته، وحسن امتثال أوامره، وحسن العمل به،وحسن الدعوة إليه: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران: ١٦].
***
مختارات

