الخزانة الرابعة..
فقه الإيمان بالكتب:
الإيمان بالكتب التي انزلها اللهُ على رسله ركنٌ من أركان الإيمان الستة.
وما جاء في الكتب السابقة ينقسم إلى قسمين:
الأول: ما قصه الله علينا في القرآن، أو قَصَهُ علينا رسول الله ﷺ في السنة، فهذا مقبولٌ صحيح.
الثاني: ما نقله إلينا أهل الكتاب، وهذا لا يخلو من ثلاثِ حالات:
الأول: أن يشهد شرعنا بصدقه فنصدقه، ونقبله، وشرعُ من قبلنا شرعٌ لنا إذًا لم يرد شرعنا بخلافة.
الثاني: أن يشهد شرعنا بكذبه، فيجب علينا أن نكذبه ونرده.
الثالث: ما ليس من هذا ولا هذا، فيجبُ علينا أن نتوقف فيه؛ لأنه يحصل في خبرِ أهل الكتاب الكذب والتغيير، والزيادة والنقصان.
فإذًا حدثنا أهلُ الكتاب فلا نصدقهم، ولا نكذبهم، ونقولُ آمنا بالله وكتبه ورسله فإن كان ما قالوه حقاً لم نكذبهم، وإن كان ما قالوه باطلًا لم نصدقهم.
والإيمانُ بالكتب لابد فيه من أربعة أمور:
الأول: أن يعلم العبد أن هذه الكتب وحيٌ من الله إلى رسله.
الثاني: أن يعلمَ أن هذا الوحي الذي نزلت به الملائكة المطهرون لم يكن لأحدٍ من الشياطين أن يلقى ضلالاتهم فيه: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٨٠].
الثالث: أن هذا القرآن العظيم محفوظ لم يغير ولم يحرف منه شيء: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
الرابع: أن يعلم العبد أن القرآن مشتملٌ على المحكم والمتشابه وأن محكمه يكشف عن متشابهة: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
ومتشابهة يردُ إلى محكمه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧].
والإيمان بالكتب التي أنزلها الله ﷿ هو الركن الثالث من أركان الإيمان: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦].
ومن صفات المتقين الإيمانُ بالغيب والإيمان بالكتب:﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٢ - ٥].
والكتابُ يطلق على كل كتابٍ، أو صحفِ، أو ألواح فالكتاب كالتوراة، والزبور، والإنجيل والقرآن، والصحف كصحف إبراهيم وموسى، والألواح كألواح موسى، ومصدر تلك الكتب أنها منزلة من عند الله، على نبيٍ من أنبياء الله، من آدم إلى محمدٍ ﷺ، وكلُ نبيٍ كتابه بلغه قومه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)﴾ [الرعد: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤].
ونحنُ مأمورون أن نؤمن بالكتب التي أنزلها الله على أنبيائه ورسله، لأنها حقٌ من عنده: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٦ - ١٣٨].
اللهُ سبحانه رءوفٌ بالعباد، أكرم خلقه بنعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الإسعاد فأرسل الرسل، وأنزل الكتب:﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
وقال الله ﷿: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤].
وقال الله ﷿: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف: ١]
وحاجهُ الناسِ إلى الكتب السماوية، والشرائع الإلهية، أعظم حاجه، والله سبحانه كريم وهب الإنسان سمعاً يسمع به، وبصرًا يبصر به، وعقلًا يعقل به، وفكرًا يفكر به،ووهبه فطرة تقوده إلى التوحيد والإيمان: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
وكانت تكفيه هذه الفطرة إلى الهداية والتوحيد والإيمان، لكن الله كريم أكرمه بإرسال الرسل، وإنزال الكتب:﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران/ ١٦٤].
وبذلك تقومُ الحجةُ على الخلق: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء: ١٦٥].
وقال الله ﷿: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥].
فالنبي والرسول يبلغ قومه رسالة ربه، لكنه يموت كغيره من الناس، وإذًا مات الرسول أو النبي، فإن الناس سوف يختلفون من بعده لاختلاف الأحوال، والأفهام، والمستحدثات، ودخول الهوى، فكيف يجمعُ الله شتات الناس؟.
لهذا انزل الله الكتب على الرسل رحمهً بعبادهِ، تبقى معهم يرجعون إليها في كل أمر من أمور الحياة، في العقيدة، والأخبارِ، والأحكامِ، والعبادات والمعاملات: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
فتبقى هذه الكتب معهم في كل مكانٍ وزمان، يصدقون أخبارها، ويطبقون أحكامها كما أنزلها الله ﷿، وحتى يحفظ الله بهذه الكتب عقائد الدين وشرائعه من الضلالات، والأهواء، والبدع بعد الرسول الذي مات.
واليهود والنصارى أكرمهم الله بالتوراة والإنجيل، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].
وقال سبحانه: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)﴾ [المائدة: ٤٦].
وقد وكلهم الله بحفظها؛ ولكنهم ضيعوها ولم يحفظوها، فقد حرفوها وبدلوها، وغيروها بأحكام من عند أنفسهم: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣].
وقال الله ﷿: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ [المائدة: ٦٨].
وقال الله ﷿: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾ [المائدة: ١٤].
لهذا تولى الله لهذه الأمة حفظ كتابه، لأنه الكتاب الخاتم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
وحفظه سبحانه من التحريف، والتبديل، والتغيير فقال:﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢].
وإذا فُقدَ الكتاب في الأمة بعد الرسول، أو حرف، أو بدل، زال الحق الذي أنزله الله ليحكم بين الناس، واضطربت الأهواء، وانتشرت البدع، وتفرقت الأمة وأكل بعضها بعض: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾ [الأنعام: ١٥٩].
وقال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)﴾ [الروم: ٣٠ - ٣١]
ومن حكمه بقاء الكتاب بعد موت الرسول أو النبي، لكي يحتكم الناسُ إليه، ويحكمونه في جميعُ أمورهم حينما يختلفون، وإذا لم يكن بينهم الكتاب احتكم الناس إلى عقولهم أهوائهم، والعقول والأهواء مختلفة: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ [المائدة: ٤٩].
ومن الحكمةِ من بقاء الكتاب بعد موت الرسول ضمان سريان الأحكامِ في كل الأرض، فإن الرسول يعيشُ في أي كل مكان وزمان ثم يموت، وجهوده محصورٌ في منطقته، وبقاءُ الكتابِ بعد الرسول في الأمة، ليقوم أتباعه بما قام به، ويطوفوا في المدنِ والقرى؛ لينشروا الأحكام والآداب والسنن التي جاء بها الرسول ليبلغها للناس، فتنتشر أحكامه في جميع بقاع الأرض: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
المؤمن يؤمن بجميع الكتب التي أنزلها الله على رسله لهداية عباده، ما نعلمُ منها، وما لم نعلم، من عهد آدم ﷺ إلى القرآن الذي أنزله الله على محمدٍ ﷺ، ويصدق بكلِ ما جاء فيها من أخبارٍ وأحكام: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وكتبُ الله هي كلامه الذي تكلم به، وكلامه هو صفةٌ من صفاته، وصفاته غيرُ مخلوقة، فكتبُ الله منزلةٌ غيرُ مخلوقه:﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ [يوسف: ٢].
وهذه الكتب منها ما كان مسموعًا من وراء حجاب دون واسطة كما كلم الله موسي: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤].
وكما كلمَ الله رسوله محمداً ﷺ ليلة المعراج: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم: ١٠].
ومنها ما سمعهُ الرسول ﷺ من الملك جبريل: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥].
فهذه ثلاثةُ أنواع من الوحي: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ (٥١)﴾ [الشورى: ٥١].
وقال الله ﷿: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ [النحل: ٢].
والرابع: ما كتبه الله بيده كما كتب الله لموسى للتوراة في الألواح: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥)﴾ [الأعراف: ١٤٥].
وكذا من الإيمان بالكتب الإيمان بكل ما ورد فيها من الأخبار والأحكام والشرائع: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨].
وكلُ أمةٍ مأمورهٌ أن تحتكمَ إلى ما جاء في كتابها من الأحكام، ومن لم يحكم بما أنزل الله فحكمه يدور بين ثلاثة أمور:
١ - ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].
٢ - ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥].
٣ - ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧].
وهذا خطابٌ لكل أمة في كلٍ وزمانٍ، وكلُ من لم يحكم بما أنزل الله فحكمه يدور بين الكفر، والظلم، والفسق.
فأولًا: من قال أن الزمان تغير، وشرعُ الله لا يصلح لهذا الزمان، ولابد أن نواكب تطور عصرنا، والقرآن لا يُناسب هذا الزمان، فهذا كافرٍ بالله وبكتابه وشرعه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
ثانيًا: من قال أنا مؤمن بالله، ولكن الظروفَ السياسية والعالمية والاجتماعية، لا تسمح بتطبيق شرع الله، والعمل بما جاء في كتابه، ومتى توفرت الشروط، وتهيأت الظروف، سأطبقُ شرعُ الله، فهذا الحاكم ظالم لنفسه، وظالمٌ لغيره، ولكنه ليس بكافر: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥].
ثالثاً: من آمن بالله وكتابه، ولكن يطبق كتاب الله في بعض الأمور، ويخالفُ في أمورٍ أخرى، فهذا فاسق لا كافر:﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧].
ومن صلى، لكنه متهاونٌ في الزكاة، فهذا فاسقٌ عاص وما قبلهُ ظالمٌ لنفسه وظالمٌ لغيره لا كافر، والأول كافرٌ بالله، وبكتابه، ومن الإيمان بالكتب الإيمان بأن بعضَ الكتاب ينسخُ بعضه نسخًا جزئيًا، أو كليًا.
النسخ الجزئي: كما نسخت شريعة عيسى بعضَ الأحكام في شريعة موسى في التوراة كما قال عيسى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠)﴾ [آل عمران: ٥٠].
وكذا نسخُ القبلة في القرآن: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ [البقرة: ١٠٦].
أما النسخُ الكلي: فكما نسخت شريعة محمدٍ ﷺ ما قبلها من الشرائع: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].
الله ﷻ هو الملكُ الحق، وكمالُ ملكه يدل على كمال التصرف فيمن خلقَ، وكمال التصرف في مخلوقاته يدل على كمال الإرادة: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠].
وهذا الكونُ العظيم بما فيه من مخلوقاتٍ عجيبة، وآيات عظيمة مظهرٌ لأسماء الله الحسنى، وصفاته العلى، وأفعالهِ الكبرى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
واللهُ حكيمٌ عليم لا يمكن أن يدع خلقه دون أن يعرفهم بنفسه، وبخلقه، ويعرفهم بأنفسهم، وماذا يريد الله منهم؟ وماذا يريدون منه؟ وماذا أعد لهم من نعيم لو أطاعوه؟.
وماذا أعد لهم من عذابَ عظيم لو عصوه؟.
وقال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
فمن رحمة الرحمن الرحيم أن خلق السكن قبل أن ينزل فيه الساكن الذي سوف يسكنه، ثم أرسل إليه رسولاً بكتابٍ من عنده، فيه منهج حياة الإنسان في هذه الدنيا: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢].
فالنبي والرسول دعوته منوطة بحياته؛ أما الكتاب الإلهي الذي معه فدعوته مستمرة، لهذا يمكن لك أن تؤلف قلوبًا، ويمكن أن تؤلف كتبًا، وتأليف الكتب أطولُ أمدًا، وتأليف القلوبِ أعمقُ أثرًا.
ومن كمال رحمة الله بعبادة أن جمع لخلقه بين إنزال الكتب، وإرسال الرسل الذين يطبقون تلك الكتب ويعلمونها: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].
فالإنسان الذي يقيد نفسه بإتباع الرسول المرسل، والكتاب المنزل، ويقيد جوارحه وقلبه بذلك، يطلقُ الله جوارحه يوم القيام بأعظم نعيم في الجنة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].
والإنسانُ الذي لم يقيد نفسهُ وجوارحهُ بمنهج الله،فهو ضال يسير بلا منهجٍ ولا نظام والأنعامُ خيرٌ منه:﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
واللهُ سبحانه انزلَ كتابه القرآن، ورسوله محمداً ﷺ رسولًا للعالمين فكيف أثبت اللهُ أن كتابهُ ورسولهُ حق؟.
قال الله ﷿: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾ [الرعد: ٤٣].
الأنبياء من قبلهِ ﷺ كانت إثباتُ نبوه ورسالة الرسول حسية؛ إذا رأها الناس آمنوا، فإبراهيمُ ألقى في النار، ولم يحترق، هذا فوق طاقةُ البشر: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩].
وموسى ﷺ: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧)﴾ [الأعراف: ١٠٧].
وعيسى يحيى الموتى بإذن الله، هذا كلهُ فوق طاقة البشر، ومعجزةٌ حسية في وقتٍ خاص، فأيد الله الأنبياء السابقين بآياتٍ حسية تشهدُ لهم أنهم رسُل الله.
أما النبي ﷺ فلأنه آخر الأنبياء والرسل، ودعوته خاتمة الدعوات؛ ولأنه مبعوثٌ للناسِ كافة، وأمته آخر الأمم، لهذا لابد أن تكونَ معجزاته مستمرة، ولتكونَ مستمرة فلابد أن تكونَ معجزةٌ علمية لا يستطيعُ أحدٌ أن يأتي بمثلها أبداً، ألا وهى القرآن، فاللهُ تحدى الإنسَ والجن أن يأتوا بمثلهِ أو صورهِ من مثله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨].
وقال الله ﷿: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ [البقرة: ٢٣].
فما من نبي إلا أوتى ما مثله آمن عليه البشر، ولكن الذي أوتيه النبي ﷺ هذا الوحي، هذا القرآنُ العظيم، الذي فيه أخبار الأوليين والآخرين، وفيه بيانُ الحلالُ والحرام، وبيانُ الأخبارُ والأحكام، وبيانُ الوعدِ والوعيد.
قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وقد بين اللهُ وكشف لعباده أموراً لا زالت تحدث كل يوم،ليؤمن الناس بربهم إذا رأوها ذكرها الله في القرآن كما قال سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ [فصلت: ٥٣].
فالحمدُ لله رب العالمين على نعمهِ التي لا تعدُ، ولا تحصى، حيث أرسل إلينا أفضل رسله، وأنزل علينا أفضل كتبه.
***
مختارات

