الخزانة السادسة..
• معرفة الربوبية طريق العبودية:
في الوجود اثنان:
الأول: واجب الوجود لذاته، وهو الله ﷿، الغني عن كل ما سواه.
والثاني: ممكن الوجود، وهو كل ما سوى الله من العوالم في العالم العلوي، والعالم السفلى، وكل ما سوى الله خلقه الله محتاجاً إلى الله، فوجود كل شيء سوى الله يدل على وجود الله ﷿: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
وكل ما سوى الله إما أن يكون مخلوقاً متحيزًا كالأجسام، والسموات والأرض، والجبال، أو صفة للمتحيز من طولِ وعرضِ كصفات الأجسام، أو لا يكون متحيزًا، ولا صفة للمتحيز، كالأرواح العلوية، وهم الملائكة، والأرواح السفلية الخيرة كصالحي الجن، أو الأرواح السفلية الشريرة، الشياطين.
وكل ما سوى الله عبدً لله في خلقه وقوته، وكل ما سوى الله محتاجٌ إلى الله الذي لا يحتاج إلى أحد: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
• والمربى على قسمين:
أحدهما: رب يربى غيره ليربح عليه المربى، وهو المخلوق.
الثاني: رب يربى غيره ليربح عليه المربىَ، وهو الله سبحانه.
فالأول تربية الخلق، لأنهم إنما يربون غيرهم، ليربحوا عليه ثوابًا أو ثناءً أو مالًا.
والثاني وهو الحق سبحانه، الذي يربى خلقه، ويحسن إليهم لمصلحتهم لا ليربح عليهم، لأنه الغنى عن كل ما سواه:﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
والله ﷿ لأنه هو الرب المربى الذي لا يربح على غيره شيئًا،أثنى على نفسه قبل أن يثنى عليه خلقه فقال: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٢].
وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١].
• وتربية الله تختلف عن تربية غيره من البشر من وجوه:
الأول: أن تربية الرب لعباده لا لغرض نفسه، بل لمصلحتهم، وغيره يربى لغرض نفسه، لا لغرض غيره: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
الثاني: أن الله يربى، ولا تنقص خزائنه، وغيره يربى وتنقص خزائنه: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤].
الثالث: أن الله يفرح بإلحاح الفقير بسؤاله ويحبه، وغيره من المحسنين من البشر إذا ألح عليه الفقير أبغضه، وحرمه.
الرابع: أن الله ﷿ يعطى عبده قبل السؤال وبعد السؤال، فهو الذي رباك حين كنت جنينًا في بطن أمك، ورزقك، وأحسن إليك مع أنك ما سألته، أما غيره من المحسنين فلا يعطيك شيئاً إلا إذا طلبته منه غالبًا.
الخامس: أن الله ﷿ أوصل إحسانه إلى عموم خلقه في كل آنٍ ومكان: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
أما غيره من المحسنين فيخص إحسانه بقوم دون قوم، فمن يرجو نفعه، أو دفع شره.
السادس: أن إحسان الله إلى خلقه لا ينقطع أبدًا، أما غيره من المحسنين فينقطع إحسانه إما بسبب الفقر أو الغيبة أو الموت.
فلهذا كله ثبت أن الله ﷿ هو رب العالمين الذي يربيهم بالنعم المادية، والنعم الروحية، والمحسن إلى خلقه أجمعين برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، ولهذا استحق الحمد وحده، والعبادة وحده لا شريك له: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧]
جهات التعظيم:
الله ﷿ هو العظيم الذي لا أعظم منه، الكبير الذي لا أكبر منه، لما له من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى في السموات والأرض.
وجهات التعظيم بين البشر أربع، فالذي يحمد، ويعظم، ويشكر، ويكبر من الخلق في الدنيا يعظم لأربعة أمور:
١ - أما لكونه كاملًا في ذاته وصفاته، منزه عن النقائص والآفات.
٢ - وإما لكونه محسنًا إليك وإلى غيرك.
٣ - وأما لأنك ترجو وصوله إحسانه إليك في المستقبل.
٤ - وإما لأنك خائف من قهره، وسطوته في المستقبل.
فهذه هي الجهات الموجبة للتعظيم بين الخلق، ولا يستحق التعظيم المطلق على وجه الكمال إلا الله وحده لا شريك له:﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
فكأن الله ﷿ يقول لعباده: إن كنتم ممن يعظمون الكمال الذاتي فاحمدوني فإني أنا الله رب العالمين: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].
وإن كنتم ممن يعظمون الإحسان والإنعام فأنا رب العالمين:﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وإن كنتم ممن يعظمون للطمع في المستقبل فأنا الرحمن الرحيم، وإن كنتم تعظمون للخوف فأنا مالك يوم الدين،فسبحان الله على عظمة كلام الله ﷿: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ١ - ٥].
والله سبحانه وجوه تربيته لخلقه كثيرة غير متناهية، فالله رب العالمين، ورب كل مخلوق يربيه ظاهرًا، وباطنًا، إيجادًا، وإمدادًا، وإسعادًا: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨)ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾ [السجدة: ٦ - ٩].
فالإنسان خلقه الله من نطفه نزلت من صلب الأب، إلى رحم الأم، ثم صار علقة، ثم صار مضغة، ثم تولد منها بإذن ربها أعضاءٌ مختلفة من العظام، والأعصاب، والعروق، والأوردة، والشرايين.
ثم اتصل البعض بالبعض، ثم حصل في كل عضو نوع خاص من أنواع القوى فحصلت القوة العاقلة في الدماغ، وحصلت القوة الباصرة في العين، وحصلت القوة السامعة في الأذن، وحصلت القوة الناطقة في اللسان، وحصلت القوة الهاضمة في المعدة وهكذا، وكل ذلك يدل على عظمة تربية الله تعالى للإنسان: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥)ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٦]
هذا بالنسبة للإنسان، أما النبات فالحبة الواحدة منه إذا وقعت في الأرض، وسقيت بالماء، انتفخت، وانشقت من أعلاها وأسفلها، أما الشق الأعلى من النبات فيخرج منه الجزء الصاعد من الشجرة، فيحصل منه الساق، ثم الأغصان، ثم الأوراق، ثم الثمار المختلفة الحجم، واللون، والطعم.
وأما الجزء الأسفل فيخرج منه العروق التي تغوص في الأرض، والله يربيها في كل الأحوال من أجل الإنسان: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤].
فلا إله إلا الله، ما أعظم خلقه لعالم النبات بأنواعه وألوانه، وأحجامه، وطعومه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾ [الأنعام: ٩٩].
أما خلق العالم العلوي فالله ﷿ خلق السموات والأرض، والنجومَ، والأفلاك، والشمس، والقمر لحصول مصالح الخلق، فخلق الليل والنهار، الليل للراحة والسكون،والنهار للمعاش والحركة: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤].
فأسماء الله وصفاته وأفعاله وأقداره في منتهى الحكمة، والرحمة، والعدل والإحسان، ومنتهى الجلال والجمال، وكل أحد ينظر إلى أفعال الله بحسب الإيمان أو الكفر.
فالمؤمن يستقبل كل ما يأتي عن الله بحسب ما في قلبه من الإيمان بالله ﷿، فيرى جميع ما يأتيه من الله من ثمرات الإيمان بالله، من علم نافع، ورزق واسع، وعمل صالح، لأنه أمن بالله ربًا يربيه أحسن تربية يعطيه ما ينفعه، ويصرف عنه ما يضره، ويأمره بما يسعده، وينهاه عن ما يشقيه ويؤذيه، ويقبل كل ما جاء عن طريقه، ويراه حقاً جاء من حق، فهم ذلك أو لم يفهمه:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
أما الكافر فالوحي واحد، ولكن القابل مختلف، والقابل هو القلب، والله هو الفاعل ﷻ: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
فالقرآن واحد، والقلب مختلف وهو القابل، فالكافر يستنكر كل شيء من الأقدار، والمخلوقات، والدين، والقرآن.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾ [البقرة: ٢٦ - ٢٧].
وقال الله ﷿ عن الكافر: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦)﴾ [الفجر: ١٥ - ١٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾ [العاديات: ٦ - ٧].
والله ﷿ هو الرحمن الرحيم بعباده، هو ذو الرحمة الواسعة العامة الشاملة لجميع خلقه، الرحيم بعبادة، القاضي لحاجتهم، اللطيف بتربيتهم، والرحمن هو المنعم بما لا يتصور صدور جنسه من الناس، والرحيم هو المنعم بما يتصور صدور جنسه من الناس من أنواع الإحسان،فالرحمن خاصُ بالله لا يطلق على غيره: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾ [الأنبياء: ١١٢].
وقال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥].
والرحيم يطلق على الله وعلى غيره، فالرحمن أعظم، لأنه واسع الرحمة، كثير الرحمة، عظيم الرحمة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
والرحمن الكبير العظيم يطلب منه العظيم، ولا يطلب منه الشيء الحقير اليسير، لأنه عظيم لا يعطى إلا العظيم كما قال النبي ﷺ «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهَا أَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ يُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ».
أخرجه البخاري.
فمن عرف الرحمن بذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وعرف عظمة خزائنه، وعظمة وعده ووعيده، طلب منه الأمور العظيمة، فالعظيم نطلب منه الأمور العظيمة، وأعظم شيء هو طلب الهداية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧].
فهو ﷻ رحمن فاطلب منه الأمور العظيمة، وهو أيضًا رحيم فاطلب منه الأمور اليسيرة، مثل شراك نعلك، ومثل قدرك، فهو سبحانه الرحمن الرحيم الذي يرحم عباده في الدنيا والآخرة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
ولحاجة العباد إلى رحمة الرحمن الرحيم أمر الله بذكرها في الصلاة المفروضة ثمانية وستين مرة، فنقول ونكرر بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم في كل ركعة من الصلوات الخمس، التي عدد ركعاتها سبع عشرة ركعة في كل ركعة تقرأ الفاتحة، فسبحان الرحمن الرحيم الذي تسلم إليه نطفه نتنة فيسلمها إليك صورة حسنه: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤].
وسبحان الرحمن الرحيم الذي تسلم إليه طاعة ناقصة فيسلم إليك جنة خالصة: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
فما أعظم رحمة الله بخلقه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
الله ﷻ بيده الملك والملكوت، بيده ملكوت كل شيء، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويعطى من يشاء، ويمنع من يشاء وهو الحكيم الخبير: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].
هو سبحانه العليم الذي يحمى الإنسان مما يضره، ويؤذيه، ويمنع وليه من عدوه، ويمنعه من المرض، ويمنعه من الشر،ويحفظه مما يؤذيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
هو العليم الحكيم الذي يمنع من يستحق المنع، ويحفظ من يستحق الحفظ من المؤمنين، ويعرض عن من لا يستحق المنع، فينكشف ويصل إليه عدوه، فإذا لم يستقم المؤمن على دين الله ﷿ يُفتن بالكفار، فينالون منه، لأن الله لم يمنعه، ولم يستحق المنع لانحرافه، فقهره وأذله عدوه.
فمن سلم من المرض أو المصيبة، فالله ﷿ هو الذي منعها عنه، ومن أصابه ذلك فالله أذن بذلك ليربيه أو يؤدبه:﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
هو ﷻ الرحمن الرحيم الذي يمنع من يحب من التقصير، كلما قصر ابتلاه ربه بمصيبة، ليتوب إلى ربه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
هو العزيز الرحيم الذي يمنع البلاء حفظًا وعناية من أطاعه، ويمنع عنه العطاء ابتلاءً وحماية، ومن فتح الله له فهم باب المنع والعطاء رأى المنع عين العطاء: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾ [الإسراء: ٣٠].
ومن كشف الله له الحقيقة سارع إلى ربه في جميع أحواله، وقال قلبه لو علمت أن غدًا أجلى ما قدرت أن أزيد في عملي، لأنه عرف ربه، وعلم أنه رحمن رحيم لطيف خبير: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
والدنيا لصغرها وحقارتها لم يشأ الله أن يجعلها علامة رضوانه، ولا علامة سخطه، لهذا يعطى الله الدنيا لمن يحب، ومن لا يحب، ولكنه لا يعطى الدين إلا من يحب: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٢ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
فإذا أعطى الله الإنسان صحة وعافية، وسعة في المال، فلا يظن أن الله يحبه، وإذا كانت صحته معلولة وهو فقير، فلا يظن أن الله لا يحبه: فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧]
فليس العطاء إكرامًا، ولا المنع حرمانًا، بل العطاء ابتلاءًا، والمنع دواءً: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (٢٦)﴾ [الرعد: ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾ [الشورى: ١٢].
فسبحان الحكيم الرحيم الذي يمنع عن عباده ما يضرهم، أحيانًا بالأسباب كالدواء، وأكل الطيبات، وأحيانًا بضد الأسباب كما جعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم، وأحيانًا بدون الأسباب: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
هو سبحانه المعطى، وهو الذي يمنع عن عباده ما يضرهم، وهو الحافظ لا مانع لما أعطى، ولا معطى لما منع، فلا تلتفت إلى غيره، ولا تتعلق إلا به: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
والمخلوق إذا أعطى فهو معطٍ صورى، وإذا منع فهو مانع صورى، لأن العطاء والمنع كله بيد الله وحده أما الله فعطاؤه ومنعه كله على الحقيقة: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤].
واعلم أن الذي يعطى ويمنع على الحقيقة هو الله وحده لا شريك له، وهو الحكيم القادر، قد يعطى ويمنع مباشرة، وقد يعطى ويمنع عن طريق خلقه، وهو المحمود على عطائه ومنعه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣)﴾ [فاطر: ٣].
هو سبحانه المعطى الذي يعطيك ما ينفعك، وهو الذي يمنع عنك كل ما يؤذيك، ويمنعك من كل ما يطغيك، ويمنعك تأديبًا لك: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر: ٢].
اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، يا أرحم الراحمين.
***
مختارات

