الخزانة الثانية..
• فقه الإيمان بالله ﷿:
إذا آمن الإنسان بربه أخذ مفتاح الإيمان الذي يدخله الجنة، وبمفتاح الإيمان يحصل العبد على مفتاح القرب من الله، ومفتاح التقرب إليه، فيكون هو البادي، وإذا ذكر العبد ربه ذكره، وإذا أوفى بعهده وفّى الله بعهده له، وإذا نصر الله نصره الله، فإذا آمن الإنسان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله سلّم الله إليه مفتاح التقرب إلى ربه، والتودد إليه، بأنواع العبادات والطاعات، كما قال سبحانه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ [البقرة: ٤٠].
وقال النبي ﷺ: «يَقُولُ اللهُ ﷿: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، فإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي ملأ، ذَكَرْتُهُ فِي ملأ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً».
متفقٌ عليه.
والإيمان بالله هو الإيمان بوجوده، وبأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، فالإيمان بوجوده أن نعلم أن وراء المخلوقات خالقًا، ووراء الصور مصورًا، ووراء الأرزاق رازقًا، وهكذا: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
والإيمان بأسماء الله الحسنى أن نعلم أن الله له جميع الأسماء الحسنى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
والإيمان بصفاته أن نعلم أن الله متصفٌ بصفات الكمال والجلال والجمال، منزهٌ عن المثيل والشبيه، والعيب والنقص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
والإيمان بأفعاله أن نعلم أن كل ما سوى الله مخلوق مُحدَث، وكل محدَثٍ لابد له من محدِث، وهو الله ﷿: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
والإيمان بأحكامه أن نعلم أمورً أربعة:
الأول: أن أحكام الله ﷿ غير معللة بعلة، فالله غنيٌ عن العباد وأعمالهم، والخلق كلهم فقراء إليه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
الثاني: أن نعلم نفع الأحكام عائدٌ على العبد، لا على الرب، فالله منزهٌ عن جلب المنافع، ودفع المضار؛ لأنه غنيٌ عن العالمين، بل كل مخلوق محتاجٌ إلى ربه في كل شيء: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦].
الثالث: أن يعلم العبد أن لله ﷿ الإلزام بالأحكام في الدنيا كيف شاء؛ لأن الخلق كلهم عبيده، يأمرهم بما شاء،ويكلفهم بما أراد: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
وهو يأمرهم بالأحكام لمصلحتهم: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠]
الرابع: أن يعلم العبد أنه لا يجب لأحدٍ على الحق سبحانه بسبب أعماله شيء، وأنه في الآخرة يغفر لن يشاء بفضله، ويعذب من يشاء بعدله؛ لأن الخلق كلهم ملكه، ومماليكه،وعبيده: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
وقال النبي ﷺ: «قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَلَا أَنْتَ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ».
متفقٌ عليه.
فالله ﷿ هو الذي خلق الإنسان، وهو الذي أمده بالأقوات، وهو الذي هداه إلى الصراط المستقيم، وهو الذي اختار له العمل الذي يناسبه، وضاعف له الأجر، وأعانه على الطاعة:﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦)﴾ [الجاثية: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
ويحصل الإيمان بالله بمعرفة ذاته، والإقرار بوجوده، ومعرفة أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعال الحميدة، فهو سبحانه الخالق وحده، وكل ما سواه مخلوق، وهو الغني، وكل ما سواه فقيرٌ إليه، وهو القوي، وكل ما سواه ضعيف، وهو الملك، وكل ما سواه عبيدٌ له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣].
وهو الرحيم الذي خلق الرحمة في كل رحيم، وهو العليم الذي خلق العلم في كل عليم: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [السجدة: ٦ - ٧].
وهو القوي الذي خلق القوة في كل قوي، وهو القادر الذي خلق القدرة في كل قادر.
فزبدة الإيمان حصول اليقين في القلب بأن الله بيده كل شيء، وغيره ليس بيده شيء، ولذلك تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
وزبدة اليقين حسن الظن بالله، وتصديق أخباره، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
والله سبحانه الإله الحق، المعبود بحق، في السماوات والأرض كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤)﴾ [الزخرف: ٨٤].
وهو الإله الحق الذي يعلم السر في السماوات والأرض كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾ [الفرقان: ٦].
وهو سبحانه الملك الحق الرحمن الرحيم الذي استوى على العرش فوق جميع خلقه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥].
وهو العليم الخبير الذي يعلم سر العباد وجهرهم في السماوات والأرض كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾ [الأنعام: ٣].
فهو سبحانه الذي استوى على العرش برحمته فوق جميع خلقه، فوق السماوات والأرض، والكرسي والعرش: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٨].
ومن زعم أن الله تعالى في كل مكانٍ بذاته، فهذا قد ضل ضلالًا بعيدًا، وهو أجهل الخلق بالله؛ لأن جميع الأمكنة الموجودة والأزمنة أقل وأصغر وأذل من أن يحل في شيء منها رب السماوات والأرض، الذي له الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
فالله ﷿ هو العظيم المحيط بكل محيط، ولا يحيط به محيط، ولو أحاط به أحد من خلقه كالسماوات والأرض لكان مقدورًا عليه، لكن الله ﷿ أحاط بكل شيءٍ علمًا، فهو أعظم من كل شيء، وأكبر من كل شيء، وأعلى من كل شيء: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
فلا إله إلا الله، ما أجهل الخلق بربهم وما أجهلهم بآياته ومخلوقاته: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
فهو الرب الكبير العظيم المحيط بكل شيء، ولا يحيط به شيء، بل هو المحيط بكل شيء، ولا يكون فوقه شيء؛ لأنه العلي الأعلى فوق كل شيء، وله المثل الأعلى في السماوات والأرض، والسماوات والأرض في يده أصغر من الخردلة في يد أحدنا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
سبحانه لا نحصي ثناء عليه، ولا نحيط به علمًا، وهو العليم الخبير: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٣ - ٤٤].
فهو العليم بكل شيء الذي لا يخفى عليه شيء من أحوال الخلق: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠].
وهو العليم الذي لا يخفى عليه شيء، يعلم ما كان، ما يكون، وما سيكون قبل أن يكون: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)﴾ [سبأ: ٣].
فسبحان العليم الذي وسع علمه كل شيء: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
الله ﷿ هو الرب الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
وقد خلق الله هذا الكون العظيم، وأنزل كتابه الكريم، ليعرف بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وعظمة ملكه وسلطانه، ليعملوا بدينه وشرعه، لينال الناس ثوابه أو عقابه.
وعظمة الله وعظمة أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله الكبرى لا بداية لها ولا نهاية، ولا أول لها ولا أخر: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
فالله سبحانه هو الحي القيوم، الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، يفعل ما يشاء، ويخلق ما يشاء، ويرزق من يشاء، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء:﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧].
وعظمة أسمائه وصفاته لا بداية لها، ولا نهاية، وأعرف الناس بالله هم الأنبياء والرسل، والملائكة، فالملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لكمال معرفتهم بالله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠].
والأنبياء عليهم الصلاة والسلام الله ﷿ هو الذي رباهم، واختارهم، وعلمهم، وهداهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥)﴾ [آل عمران: ٣٣ - ٣٥].
ولكن لا يعرف كمال عظمة الله إلا الله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠].
لهذا أعرف الخلق بربه هو سيد الأنبياء والرسل محمد ﷺ، الذي كان خلقه القرآن، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣].
محمد ﷺ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع هذا أمره ربه أن يستغفره مع أنه قد غُفر له؛ لأنه ﷺ كلما عرف جانباً من عظمة الله استحيا من المعرفة السابقة، وكلما ارتقت معرفته بالله رأى أنه أذنب في حق الله، حيث عرف أن معرفة الله أقل مما ينبغي، ولهذا قال له ربه:﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
لهذا ما من أحدٍ من البشر إلا وهو يؤمن بوجود الله إلا شواذ الخلق: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠].
وهذا فطرة من الله ﷿ فطر عليها جميع عباده: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
لكن الإيمان المطلوب الذي ينجي هو أن تؤمن بالله العظيم وأن تعرف أسماءه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله الكبرى ثم تعمل بموجب ذلك: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
فإذا آمنت بالله العظيم، وعرفت أسماءه وصفاته وأفعاله، كبرته وعظمته، وأطعته وأحببته، واستحييت أن تعصيه كالأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
هؤلاء هم الأنبياء الذين عرفوا ربهم، فعبدوه كما يجب، ودعوا إليه كما أُمروا، فإذا لم تؤمن بالله العظيم فلن تطيعه، وسوف تهون عليك معصيته، فكل من عصى الله إنما هو جاهلٌ بالله كالكافر: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾ [الحاقة: ٣٣ - ٣٧].
لهذا الذي أنكر الربوبية هم أجهل الخلق بالله، وهم شواذ الخلق كفرعون الذي قال: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨].
وقال الله تعالى: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤].
لهذا من رحمة الله أن فطر عباده على الإيمان به، ثم أرسل، الرسل ليسقوا هذه الفطرة ببيان عظمة الله، وخلف هذا الكون العظيم، لينظروا في ملكوت السماوات والأرض، ليؤمنوا بالله العظيم الذي خلق هذا الكون: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
فمن آمن أن لهذا الكون العظيم خالقًا ورازقًا ومدبرًا فهذه ضرورةٌ فطرية: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾ [لقمان: ٢٥].
أما الإيمان بالله العظيم، ومعرفة أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله العظمى، فهذا إيمانٌ كسبي نحصله بجهدٍ بشري، بالنظر في الآيات الكونية، والنظر في الآيات الشرعية، وهو مطلوب شرعًا، ليقوى الإيمان ويزيد، ثم تقوى العبادات والطاعات: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وهذا الإيمان هو الذي يحمل صاحبه على طاعة الله وعبادته، وتقواه وخشيته، فالمؤمن يعظم ربه ويكبره، لما يرى من عظمة جلاله وكبريائه، وعظمة ملكه وسلطانه، وعظمة نعمه وإحسانه، فيكبره، ويحمده ويشكره لما يعلمه من عظمة الله، وعظمة ملكه، وعظمة نعمه وإحسانه،فيقول الحمد لله رب العالمين: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
وأي إيمانٍ لا يحمل صاحبه على طاعة الله لا قيمة له كإيمان إبليس، وإيمان الكفار، وإيمان فرعون، وهذا الإيمان لا يقدم ولا يؤخر: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦].
فإبليس عنده إيمان بالله حيث قال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦)﴾ [الحجر: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢)﴾ [ص: ٨٢].
لكن هذه المعرفة بالرب، وهذه الأقوال، لم تغنه شيئًا، فقد عصى الله، وكفر واستكبر حين أمره الله بالسجود لآدم:﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
فكل من كفر الله، وكل من لم يستجب لأوامر الله، وكل من اقترف الكبائر وأصر على ذلك فهذا إيمان إبليسي؛ لأن الإيمان بالله يتبعه طاعةٌ لله، ولو آمن بالله العظيم لخشع قلبه لذكر الله: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
وأعظم نعمةٍ أنعم الله بها على عباده هي الهداية إلى الإيمان: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
وقلب المؤمن هو أشرف البقاع؛ لأنه مملوء بالتوحيد والإيمان والتقوى، بل قلب المؤمن أحسن من المرآة الصافية في الصفاء؛ لأن المرآة إن وقع عليها حجاب لم ير فيها شيء، أما قلب المؤمن فهو مشرقٌ بنور التوحيد والإيمان والتقوى، لا تحجبه عن ربه السماوات السبع، والكرسي والعرش، ولا تحجبه عن ربه ظلمات الأرض، ولا كهوف الجبال، ولا أعماق البحار: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨].
فنور التوحيد والإيمان يجعل المؤمن يعبد ربه ويناجيه، ويناديه ويعبده كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه، وهذه الحُجب العظيمة قلب المؤمن مع جميع هذه الحجب العظيمة في العالم العلوي، والعالم السفلي يطالع جلال الربوبية وجمال الألوهية، ويعبد الله بموجب هذه الرؤية؛ ولهذا كان القلب محل نظر الله، لما فيه من التوحيد والإيمان والتقوى كما قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَا إِلَى أَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ».
أخرجه مسلم.
وإذا كان القلب عرشًا لمعرفة الله، وجب أن يكون أشرف البقاع «قال النبي ﷺ أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ».
متفق عليه.
لهذا هذا القلب إذا امتلأ بالتوحيد والإيمان والتقوى؛ فإن الله لا يرضى لهذا القلب الذي آمن بالله إلا أن يكون في جنة سقفها عرش الرحمن الذي استوى عليه الرحمن ﷻ،كما قال النبي ﷺ: «فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ - أُرَاهُ - فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ» أخرجه البخاري.
ولهذا كان القبر روضة من رياض الجنة؛ لأنه حل فيه هذا القلب المؤمن الذي امتلأ بالتوحيد والإيمان والتقوى، والأخلاق الحسنة، ومن جعل قلبه بستانًا لمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وجلاله وكبريائه جعل الله جنته بستانًا له يوم القيامة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
فسبحان الرب الكريم الذي أدخل عبده المؤمن في الدنيا جنة المعرفة، ويوم القيامة يدخله جنة الزخرفة، وجنة الآخرة: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤)﴾ [ق: ٣٤].
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قولٍ أو عمل.
***
مختارات

