خزائن الإيمان بالله (الخزانة الأولى)
• أركان الإيمان:
أركان الإيمان ستة
وهي المذكورة في حديث جبريل ﷺ حينما سأل النبي ﷺعن الإيمان فقال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ».
أخرجه مسلم.
ورابطة الإيمان أعظم الروابط على الإطلاق، ولشدة قوتها ربطت بين الخالق والمخلوق، وربطت بين السماء والأرض، وربطت بين الأمة ورسولها العظيم، وربطت بين بني آدم في الأرض، وربطت بين بني آدم والملائكة، وربطت بين بني آدم والجن، وربطت بين الدنيا والآخرة، ومن أجلها خلق الله السماوات والأرض وما فيهن، وخلق الجنة والنار، والثواب والعقاب.
ومن أجلها كان الله ولي المؤمنين، ومن أجلها أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، وشرع الجهاد في سبيل الله:﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧].
• أركان الإيمان بالله ﷿:
أعظم أركان الإيمان هو الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله.
والإيمان بالله ﷿ يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بوجود الله تعالى، فقد فطر الله كل مخلوق على الإيمان بخالقه، كما قال سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
ودل العقل على أن لهذا الكون خالقًا، فإن هذه المخلوقات العظيمة سابقها ولاحقها، لابد لها من خالقٍ أوجدها، وهي لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها، ولا أن توجد صدفة،فتعين أن يكون لها موجد وهو الله رب العالمين كما قال سبحانه: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٦].
ودل الحس على وجود الله سبحانه، فإننا نرى تقليب الليل والنهار، وتقليب الحر والبرد، ورزق كل إنسان وحيوان،وتدبير أمور الخلائق مما يدل دلالةً قاطعة على وجوده تعالى:﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾ [النور: ٤٤].
والله سبحانه أيد رسله وأنبياءه بآياتٍ ومعجزات رآها الناس أو سمعوا بها، وهي أمورٌ خارجةٌ عن قدرة البشر، ينصر الله بها رسله، ويؤيدهم بها، وهذا برهانٌ قاطعٌ على وجود مرسلهم، وهو الله ﷿، كما جعل الله النار بردًا وسلامًا على إبراهيم ﷺ، وفلق البحر لموسى ﷺ، وأحيى الموتى لعيسى ﷺ، وشق القمر لمحمدٍ ﷺ، فلا ريب ولا شك في وجود ربنا ﷿: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠].
وكم أجاب الله من الداعين، وأعطى السائلين، وأغاث المكروبين، مما يدل بلا ريب على وجوده وعلمه وقدرته: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال: ٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤].
ودل الشرع على وجود الله ﷾، فالأحكام العظيمة العادلة المتضمنة لمصالح الخلق، والتي أنزلها الله ﷿ في كتبه على أنبيائه ورسله دليلٌ على أنها من ربٍ حكيمٍ قادرٍ عليمٍ بمصالح عباده: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١].
الثاني: الإيمان بان الله هو الرب وحده لا شريك له.
والرب هو الذي يستحق أن يعبد، هو الملك الذي بيده الملك، وله الخلق والأمر كله، فلا خالق إلا الله، ولا مالك إلا الله، والأمر كله لله وحده، الخلق خلقه، والملك ملكه،والأمر أمره: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠١ - ١٠٣].
هو الرب العزيز الرحيم، الغني الكريم الحميد، العليم القدير، يرحم إذا استرحم، ويغفر إذا استُغفر، ويعطي إذا سُئل، ويجيب إذا دعي، ويفعل ما يشاء، حيٌ قيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
هو الملك الذي له وحده ملك السماوات والأرض، وله ملك ما في السماوات والأرض، وله ملك ما بين السموات والأرض، وله ملك خزائن السماوات والأرض، وله ملك غيب السماوات والأرض، وله ملك جنود السماوات والأرض، وله ملك مقاليد السموات والأرض، وله ملك مقاليد السموات والأرض، وله ملك ميراث السماوات والأرض: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
هو الملك الذي له وحده ملك عالم الغيب والشهادة، وله ملك العالم العلوي والسفلي، وله ملك الدنيا والآخرة: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
فنعلم ونتيقن أن الله ﷿ هو وحده الرب العظيم الذي خلق المخلوقات، وأوجد الموجودات، وصور الكائنات، وخلق الأرض والسماوات: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
خلق ﷻ الشمس والقمر، وخلق الليل والنهار، وخلق الماء والنبات، وخلق الإنسان والحيوان، وخلق التراب والجبال والبحار، سبحانه هو الملك: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [الفرقان: ٢].
خلق الله ﷻ كل شيءٍ بقدرته، ليس له وزيرٌ ولا مشيرٌ ولا معين، سبحانه هو الرب الواحد القهار، استوى على العرش برحمته، وأمسك السماء بقدرته، ودحى الأرض بمشيئته، وخلق الخلائق بإرادته، وقهر العباد بقوته: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩].
فسبحان ربنا الخالق لكل شيء: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
وكذا نعلم ونتيقن أن الله سبحانه ربٌ قديرٌ على كل شيء، محيطٌ بكل شيء، مالكٌ لكل شيء، عليمٌ بكل شيء، قاهرٌ فوق كل شيء، خضعت الأعناق لعظمته، وخشعت الأصوات لهيبته، وذل الأقوياء لقوته: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
يعلم سبحانه ما في السماوات وما في الأرض: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ [الرعد: ٩].
هو سبحانه العليم الذي يعلم مثاقيل الجبال، ويعلم مكاييل البحار، ويعلم عدد قطر الأمطار، ويعلم عدد ورق الأشجار، ويعلم عدد ذرات الرمال، ويعلم ما أظلم عليه الليل، وما أشرق عليه النهار: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
ونعلم ونتيقن أن الله ﷻ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ [الرحمن: ٢٩].
يخلق ويرزق، ويدبر الأمر، ويرسل الرياح، وينزل الغيث، ويحيي الأرض بعد موتها، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويحيي ويميت، ويعطي ويمنع، ويرفع ويضع: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧].
ونعلم ونتيقن أن خزائن كل شيءٍ عند الله وحده لا شريك، وأن خزائن السماوات والأرض كلها لله وحده، وكل شيءٍ في الوجود فخزائنه عند الله وحده لا شريك له، خزائن المياه، خزائن النبات، خزائن الهواء، خزائن المعادن، خزائن الصحة، خزائن المرض، خزائن الأمن، خزائن الخوف، خزائن النعيم، خزائن العذاب، خزائن الرحمة، خزائن الهداية، خزائن القوة، خزائن العزة، كل هذه الخزائن وغيرها مما لا يحصيه إلا الله، كلها عند الله، وبيد الله وحده لا شريك له: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
فلابد للقلب أن يعلم هذه الأمور العظيمة، وإذا علمنا ذلك، وتيقنا على قدرة الله، وعظمة الله، وقوة الله، وكبرياء الله، وعلم الله، ومُلك الله، وخزائن الله، ورحمة الله، ووحدانية الله، أقبلت القلوب إليه، وانشرحت الصدور لعبادته، وانقادت الجوارح لطاعته، ولهجت الألسن بذكره تعظيمًا وتكبيرًا، وتسبيحًا وتحميدًا، وتوبة واستغفارًا، فلا تسأل إلا إياه، ولا تستعين إلا به، ولا تتوكل إلا عليه، ولا تخاف إلا منه، ولا تعبد إلا إياه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
الثالث: الإيمان بألوهيته ﷾.
فنعلم ونتيقن أن الله هو الإله الحق لا شريك له، وأنه وحده المستحق للعبادة، فهو رب العالمين، وإله العالمين، ونعبده بما شرع مع كمال الذل له، وكمال الحب له، وكمال التعظيم له، فكما خضعنا لربوبيته خلقًا وتدبيرًا، فيجب أن نخضع لألوهيته أمرًا وشرعًا: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢].
ونعلم ونتيقن بقلوبنا أن الله واحدٌ في ربوبيته لا شريك، وكذلك هو واحدٌ في ألوهيته لا شريك له، وكذلك هو واحدٌ في أسمائه وصفاته وأفعاله لا شريك له، ونعبده وحده لا شريك له، ونجتنب عبادة ما سواه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
فالله ﷿ هو الإله الحق، وكل معبودٍ من دون الله فألوهيته باطلة وعبادته باطلة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦٢].
فالله وحده هو الذي يستحق أن يعبد وحده، وأن يطاع فلا يعصى، وأن يشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
الرابع: الإيمان بأسماء الله وصفاته، ومعناه فهمها، وحفظها، والاعتراف لله بها، والتعبد لله بها، والعمل بمقتضاها:﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠].
فمعرفة أوصاف العظمة والكبرياء والمجد والجلال والجبروت لله ﷻ تملأ قلوب العباد هيبةً لله، وتعظيمًا له.
ومعرفة أوصاف العزة والقوة والقدرة تملأ القلوب ذلةً وانكسارًا وخضوعًا لله ﷿.
ومعرفة أوصاف الرحمة والبر والجود والإحسان والكرم تملأ القلوب حبًا لله، ورغبةً وطمعًا في فضل الله وإحسانه وجوده، ومعرفة أوصاف العلم والإحاطة توجب للعبد مراقبة ربه في جميع حركاته وسكناته، وفي أقواله وأفعاله.
ومعرفة مجموع هذه الصفات توجب للعبد تعظيم الله، ومحبة الله، والشوق إليه، والأنس به، والتوكل عليه،والتقرب إليه بعبادته وحده لا شريك له: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
فنثبت لله ﷿ ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله، من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله ﷺ.
ونؤمن بالله وأسمائه وصفاته، وبما دلت عليه من المعاني والآثار.
فنؤمن بأن الله رحيم ومعناه ذو رحمة، ومن آثار هذا الاسم العظيم أنه يرحم من يشاء، وهكذا القول في بقية الأسماء والصفات، ونثبت كل ذلك على ما يليق بجلاله سبحانه من غير تحريفٍ ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، على حد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
ونعلم ونتيقن أن الله وحده له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وندعوه بها: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وقال النبي ﷺ: «إِنْ لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما مائَة غير وَاحِدَة من أحصاها دخل الْجنَّة» أخرجه البخاري.
• أصول الإيمان بأسماء الله وصفاته:
أصول الإيمان بأسماء الله وصفاته ثلاثة:
الأول: تنزيه الخالق سبحانه عن مشابهة المخلوقين في الذات والأسماء والصفات والأفعال على حد قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
الثاني: الإيمان بما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ من الأسماء والصفات: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
الثالث: قطع الطمع عن إدراك كيفية أسماء الله وصفاته وأفعاله، فكما لا نعلم كيفية ذاته ﷻ، كذلك لا نعلم كيفية أسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
• أقسام أسماء الله الحسنى من حيث الإفراد والاقتران:
أسماء الله الحسنى تنقسم إلى قسمين:
الأول: ما يسمى الله بها مفردًا أو مقترنًا بغيره، وهو غالب الأسماء مثل السميع والبصير والقوي ونحوها: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
الثاني: ما لا يطلق على الرب مفردًا، بل مقترنًا بمقابله؛ لأن الكمال في اقتران الاسمين معًا، كالمقدم والمؤخر، والقابض والباسط ونحوهما.
فهذه الأسماء تجري مجرى الاسم الواحد فلا تذكر إلا مقترنة.
• أقسام أسماء الله الحسنى من حيث معانيها:
أسماء الله الحسنى من حيث معانيها ستة أقسام:
الأول: الأسماء الدالة على ذات الله ووحدانيته مثل:
الله، الإله، الواحد، الأحد، الحق، الحي، القيوم، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، وأمثالها من الأسماء الحسنى.
الثاني: الأسماء الدالة على الملك والقدرة، فأسماء الله ﷿الدالة على الملك والقدرة مثل: الملك، العزيز، الجبار، المهيمن، القهار، القادر، القوي، المقدم والمؤخر، وأمثالها.
الثالث: الأسماء الدالة على الخلق والإيجاد والإمداد مثل:
الخالق، البارئ، المصور، الرزاق، الوهاب، الكريم، البر، المقيت، وأمثالها.
الرابع: الأسماء الدالة على العلم والإحاطة مثل:
البصير، السميع، العليم، الخبير، الرقيب، الشهيد، الحفيظ، المحيط، وأمثالها.
الخامس: الأسماء الدالة على الرفق والرحمة والمغفرة مثل:
اسم الرب الرحمن، الرحيم، الرؤوف، الحليم، الحميد، الشكور، الودود، الولي، النصير، القريب، المجيب، العفو، الغفور، التواب، وأمثالها.
السادس: الأسماء الدالة على الهداية والبيان مثل:
الهادي، المبين، الوكيل، الكفيل، وأمثالها.
فلله ﷻ الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى في السماوات والأرض.
وجميع أسماء الله الحسنى واحدةٌ في الدلالة على الذات،متعددة المعاني والصفات: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
• أنواع الربوبية:
ربوبية الله ﷿ ثلاثة أنواع:
الأولى: ربوبيةٌ عامة.
الثانية: وربوبيةٌ خاصة.
الثالثة: وربوبيةٌ لخاصة الخاصة.
فالربوبية العامة هي الشاملة لكل الخلق، كما قال سبحانه:﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢].
والربوبية الخاصة هي للمؤمنين فقط، كما قال سبحانه:﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾ [آل عمران: ١٦ - ١٧].
وأخص الخاصة، هي للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام كما قال سبحانه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
فالربوبية العامة تقتضي تربيةً عامة لجميع الخلائق.
والربوبية الخاصة تقتضي تربية خاصة لا تماثلها تربية أحدٍ من العالمين.
ويقابل ذلك العبودية، وهي ثلاثة أنواع:
الأولى: عبوديةٌ عامة.
الثانية: عبودية خاصة.
الثالثة: عبودية أخص الخاصة.
فالعبودية العامة يدخل فيها كل الخلق، فجميع الخلائق عبيدٌ لله، وهو الملك وحده لا شريك له: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣].
والعبودية الخاصة يدخل فيها كل مؤمن، كما قال سبحانه:﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٤].
وعبودية خاصة الخاصة للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام كما قال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١].
فالتربية من الرب، والعبودية من العبد، ولكل نوعٍ من الخلق تربية من الرب، وعبودية من الخلق: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١].
فالعبودية الخاصة تقتضي معرفةً خاصة، وعبوديةً خاصة، لا يماثلها أحدٌ من العالمين، والربوبية عناية الرب بالخلق إيجادًا وإمدادًا وإسعادًا وهداية.
فالربوبية عناية الرب بالخلق، وتختلف بحسب النوع، وبحسب الوظيفة التي كُلِّف بها العبد، فالشمس لها عبودية، والقمر له عبودية، والسماوات لها عبودية، والأرض لها عبودية، وكل شيء له عبودية: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٣ - ٤٤].
وجميع الخلائق الله ﷿ خلقها دالةٌ على وحدانيته، ومسبحةٌ بحمده، ومستجيبةٌ لمشيئته، فجميع الخلائق تعبد الله ﷿ تسخيرًا وتخييرًا، أما التسخير فهو لعموم الخلائق،وأما التخيير فهو للعقلاء من الجن والإنس: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ [الكهف: ٢٩ - ٣٠].
***
مختارات

