الخزانة الثانية..
• حكم تقديم النقل على العقل:
العقل: هو الغريزة التي خلقها الله في الإنسان يميز بها بين الأشياء والبدائل.
والنقل: هو الوحي من قرآن أو سنة.
وإذا حصل تعارض بين النقل والعقل فذلك لأحد سببين:
الأول: أن النقل لم يثبت.
والثاني: أن العقل لم يفهم النقل.
السلف من حيث الزمان هم: كل من عاشوا في القرون الثلاثة المفضلة الذين.
قال النبي ﷺ فيهم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» متفق عليه.
وذلك إلى عام ٢٢١ هجرية تقريبًا، التي بعدها جاء بعض الخلف الذين قدموا العقل على النقل عند التعارض، ومن حيث المنهج السلف هم من قدموا النقل على العقل.
والخلف هم من عاش بعد القرون المفضلة، حيث بدأ قرن الخلف الذين بدأ عهدهم بفتنة القول بخلق القرآن في عهد المأمون الذي حمل الناس على القول بخلق القرآن، ومن حيث المنهج الخلف كل من قدم العقل على النقل.
فالسلف من توفر فيهم أمران:
الأول: أن يدرك عصر خير القرون.
والثاني: أن يقدم النقل على العقل عند التعارض.
والخلف: من لم يدرك عصر خير القرون.
والثاني: من قدم العقل على النقل عند التعارض.
ومن جاء بعدهم وقدم النقل على العقل عند التعارض، فهذا على منهج علماء السلف، فابن تيمية وابن القيم من السلف منهجاً، ومن الخلف زمناً، والإمام مالك والشافعي من السلف زمناً ومنهجاً، والجهم ابن صفوان من الخلف منهجاً، لكنه عاش في عصر السلف.
فالسلف يقدمون النقل على العقل عند التعارض، والخلف يقدمون العقل على النقل عند التعارض، وحجتهم أن العقل أصلٌ في ثبوت النقل، فلولا العقل ما ثبت النقل، فالقواطع العقلية مقدمة على الثوابت النقلية عند التعارض.
والصحيح أن العقل أصل في العلم بالنقل؛ لأن النقل ثابت قبل وجود العقل، فالنقل ثابت في اللوح المحفوظ قبل وجود العقل المخلوق: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨].
فالعقل يستفيد من معرفة النقل؛ لأن النقل ثابت قبل وجود العقل، والعقل مطية للنقل؛ لأن النقل هو القائد، ومن يحكم على الأشياء بالحسن أو القبح العقل أم النقل؟، ومتى نقدم العقل على النقل؟ فالشرع يأمر بكل حسن، وينهى عن كل قبيح، والقوانين الوضعية يضعها من له مصلحة في وضعها، أما الشرع فمصلحته لمن اتبعه، فالحسن والقبح مرجعه إلى النقل لا إلى العقل في كل أمر، والعقل يؤيد الشرع.
فالأحكام التكليفية خمسة:
الواجب.
والمستحب.
والمحرم.
والمكروه.
الحكم فيها للنقل، والعقل يؤيد النقل فيما أمر به، أو نهي عنه.
أما المباح فيستوي فيه الفعل والترك، ولا ثواب على فعله، ولا عقاب على تركه، فالقيادة فيه للعقل، والنقل تابع ومؤيد.
فالأربعة الأولى:
الواجب.
والمستحب.
والمحرم.
والمكروه.
القيادة فيها للنقل، والعقل تابع ومؤيد.
أما المباحات كالصناعات والزراعة والتجارة ونحوها، فهنا يقدم العقل، والنقل يؤيده في تحقيق المصالح، ودرأ المفاسد، في ضوء القرآن والسنة.
• طريق معرفة الله ﷻ:
معرفة الله تحصل للعبد بالعقل والنقل، فآيات الله ومخلوقاته تُعرف بالعقل، وأسماء الله وصفاته وأفعاله تُعرف بالنقل، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
ومن قدم العقل على النقل في باب الأخبار وقع في بدع العقائد، ومن قدم العقل على النقل في باب الأحكام وقع في بدع العبادات، وهذا كله مردود.
قال النبي ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» متفق عليه.
ومن قدم النقل على العقل في باب الأخبار والأحكام فقد أصاب الحق وسلم من البدعة، فالإيمان تصديق وتطبيق، تصديق الأخبار، وتطبيق الأحكام، تصديق الأخبار، وتنفيذ الأوامر: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
والدين أمانه لابد من العمل به، وإبلاغه عقيدة وأحكاماً إلى الناس كما قال سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
والوحي الإلهي إما أخبار أو أوامر، والمؤمن حقاً من صدق الأخبار التي جاءت عن الله ورسوله، ونفذ أوامر الله ورسوله ﷺ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
والخبر هو: ما يحتمل الصدق أو الكذب، ويتطلب منا التصديق؛ لأنه جاء من جهة صدق، جاء عن الله ورسوله:﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].
وقال الله ﷿: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ [الزمر: ٣٣].
والأمر: مالا يحتمل الصدق ولا الكذب ويتطلب التطبيق، والصحابة إذا سمعوا خبراً عن الله ورسوله صدقوا به، وإذا سمعوا أمراً نفذوه، وإن سمعوا نهياً اجتنبوه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
والتصديق: هو اليقين الكامل، المنافي للشك.
• فقه اليقين:
واليقين هو: امتلاء القلب بالإيمان، وهذا هو علم اليقين، وكل ما سمعناه عن الله ورسوله من أخبار فهي من علم اليقين.
والوهم والشك والظن ضد اليقين، والمؤمن يضعف يقينه، لكن لا يزول إيمانه؛ لأن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
فالوهم أن يكذب الخبر، والشك أن يترد د بين الصدق والكذب، والظن أن تصدق تصديقاً غير جازم، واليقين أن تصدق الخبر تصديقاً جازماً، وبالصبر واليقين تنال الامامة في الدين: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].
فاليقين من أعظم شروط لا إله إلا الله.
ومراتب اليقين ثلاث على الترتيب:
علم اليقين.
عين اليقين.
حق اليقين.
والأنبياء والصحابة وصلوا في يقينهم إلى حق اليقين، وهو أعلى درجات اليقين، ولهذا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ورضوا عنه:﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة: ٧ - ٨]
ولهذا كان الصحابة ﵃ بعد إيمانهم على أحوال.
فقد كانوا شر القرون بالجاهلية فصاروا بالإيمان والإسلام خير القرون، وكانوا شر أمة، فكانوا بالإيمان خير أمة، وانتقلوا من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الجهل إلى العلم، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الظلم والعدوان والطغيان إلى العدل الإحسان، فرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ورضوا عنه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
أركان الإيمان بالله ﷿:
الإيمان ركنان:
تصديق الأخبار.
وتطبيق الأحكام.
وأركان الإيمان ستة:
أَنْ تؤمن بِاللَّه، وَمَلَائِكَته، وَكتبه وَرُسُله، وَالْيَوْم الآخر، وَالْقدر خَيره وشره.
وهذا هو الركن الأول، تصديق الأخبار التي جاءت عن الله ورسوله، فتؤمن بالله العظيم، الذي أنزل ملائكته الكرام، بكتبه العظيمة، إلى رسله؛ ليأمروا الناس بعبادة الله وحده، واجتناه عبادة ما سواه، وليحذروا الناس مما سيحدث في اليوم الآخر.
فإذا انتهى الناس إلى منازلهم في الجنة والنار، فقد ظهر قدر الله وحكمته بعباده، وظهر عدل الله في الثواب والعقاب، وتم قدر الله الذي كتبه في اللوح المحفوظ، وظهر عدل الله فيمن عذبه من الكفار، وظهر فضله على من آمن به من المؤمنين، وهذا سر ترتيب أركان الإيمان الستة.
فهذا هو الركن الأول: تصديق الأخبار من الله ورسوله.
أما الركن الثاني: وهو تطبيق الأحكام والأوامر.
فالأوامر لا تحتمل الصدق والكذب، وإنما هي طلب فعل أو ترك ممن آمنت به، فالخبر يتطلب التصديق، والأمر يتطلب التطبيق والتنفيذ، فمن صدق الخبر، ولم ينفذ الأمر، فليس بمؤمن: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
باب الخبر له ستة أركان، لابد من الإيمان بها، وتصديقها، وهي أركان الإيمان الستة.
وباب الأمر له ثلاثة أركان:
اعتقاد القلب.
وقول اللسان.
وعمل الجوارح.
فهذا هو توحيد العبادة، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الإرادة.
فتوحيد العبادة: طاعة الخالق فيما أمر به، مع كمال الحب والتعظيم والذل له.
وتوحيد الربوبية: تصديق الأخبار التي جاءت عن الله ورسوله، فيما يتعلق بأسمائه وصفاته وأفعاله.
فأركان الإيمان بالأخبار ستة، وأركان الإيمان بالأوامر ثلاثة:
• الاعتقاد بالقلب.
• القول باللسان.
• العمل بالجوارح.
وهذا هو توحيد العبودية التي هي أركان الإسلام الخمسة:
شهادة أن لا إلا الله وأن محمداً رسول الله.
واقام الصلاة.
وإيتاء الزكاة.
وصوم رمضان.
وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً.
• فقه التوحيد:
علم التوحيد هو أول علم، وأعظم علم، يجب على العبد تعمله، كما قال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
والتوحيد: أن توحد الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وتوحده بالعبادة، فتعبده وحده لا شريك له، ويسمى التوحيد علم العقيدة.
والعقيدة هي: عقد القلب على تصديق خبر الرب، وتنفيذ أمره، والإيمان به إيماناً لا يقبل الشك، مع الثبات عليه إلى الممات.
والتوحيد قسمان:
توحيد الربوبية.
وتوحيد الألوهية.
وتوحيد الألوهية: يسمى توحيد العبادة، وتوحيد الغاية، وتوحيد القصد والطلب، وتوحيد الشرع والقدر، وتوحيد الإرادة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
وسمي توحيد الإرادة لأنه توافقت إرادة العبد مع إرادة الرب الكونية ومع إرادة الله الشرعية، ويسمى توحيد القدر والشرع، لأن العبد لا يُسلم إلا بالإيمان بالقدر والعمل بالشرع.
أما توحيد الربوبية: فيسمى توحيد الوسيلة، وتوحيد المعرفة والإثبات، وتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، فتوحيد الربوبية وسيلة لتوحيد العبادة: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
***
مختارات

