الخزانة الرابعة..
الإسلام هو الدين الحق، هو دين الله الذي أكرم الله به البشرية منذ عهد آدم ﷺ إلى بعثة نبينا محمد ﷺ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].
فله الحمد والشكر على عنايته بخلقه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦].
وقد أكرم الله هذه الأمة واصطفاها من بين الأمم، فأنزل عليها أحسن كتاب، وأرسل إليها أفضل رسول،وأرسله بأحسن شريعة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢].
والقرآن العظيم أحسن الكتب التي أنزلها الله ﷿: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣].
• والقرآن العظيم يهدي للتي هي أقوم في كل شيء ومن ذلك:
أولًا: توحيد الله في ربوبيته، وتوحيد الله في أسمائه وصفاته وأفعاله، وتوحيد الله في عبادته وحده لا شريك له: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)﴾ [الإسراء: ٩ - ١٠].
ثانيًا: الطلاق، فقد جعل الله الطلاق بيد الرجل؛ لأن النساء مزارع وحقول، والرجل زارع والمرأة مزرعة تبذر فيها النطف كما يبذر الحب في الأرض، وأقوم الطرق أن الرجل الذي معه آلة الزراعة لا يرغم على الزراعة في حقل لا يرغب فيه، فكانت الحكمة أن جعل الله بيده الطلاق:﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١].
ثالثًا: ومن هدي القرآن للتي هي أقوم تعدد الزوجات؛ لأن المرأة الواحدة تحيض وتمرض ويصيبها النفاس، ولو حبس الرجل عليها لتعطلت منافع قضاء الوطر، وتكثير الأمة، واعفاف النفس، ولبقي كثير من النساء بلا زوج.
رابعًا: ومن ذلك تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث؛ لأن الذكورة كمال والتزام بالنفقات، والأنوثة نقصِ ومتاع:﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].
خامسًا: ملك اليمين الذي سببه الكفر ومحاربة الله ورسوله، فالله خلق الخلق ليعبدوه فإذا تمرد الكفار وأعرضوا عن ربهم وطغوا، وحاربوا الرسل وأتباعهم، واستعملوا نعم الله في محاربة أوليائه؛ عاقبهم الله عقوبة تناسب جريمتهم بسلبهم التصرف في أنفسهم، ووضعهم من مقام الإنسانية إلى مقام أسفل منه كمقام الحيوانات التي تباع وتشترى، فأباح بيعهم وشراءهم ونحو ذلك من التصرفات المالية، فلما لم يعبدوا الله اختياراً عاقبهم الله بأن يكونوا عبيدًا للمخلوق اضطرارًا.
سادسًا: القصاص فإن الإنسان إذا تذكر أنه إذا اعتدى بقتل أو جرح لغيره عوقب بالقصاص امتنع من العدوان، فقتل القاتل يحيا به ما لا يعلمه إلا الله من البشر: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩].
سابعًا: قطع يد السارق، فإن الله خلق اليد للبناء والعمل فيما يرضي الله ﷿ والكسب الحلال، والجهاد في سبيل الله، فإذا خانت ومدت أصابعها إلى مال الغير لتأخذه بغير حق صارت يدًا نجسةً خبيثةً قذرة، يجب قطعها كالعضو الفاسد يبتر، لئلا يجر الداء إلى سائر البدن: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨].
ثامنًا: رجم الزاني المحصن رجلًا كان أو امرأة وجلد البكر مائة؛ لأن من فعل ذلك فهو نجس قذر لا يصلح للمصاحبة الإنسانية، فعاقبه الله بشر عقوبة وقتله؛ لأن جريمته أفظع جريمة، وجريمة الزنا تفسد الأعراض، وجريمة القتل تفني الأنفس، ولزوال هذا الفساد العظيم شرع الله القصاص والحدود رحمة بالأمة: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١].
فالحمد لله رب العالمين على نعمة الإسلام: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
الإسلام هو الدين الحق الذي ارتضاه الله ﷿ للبشرية، والذي لا تصلح حياة البشرية إلا به فقط، وهو أعظم نعمة أنعم الله بها على عبادة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
فإذا قبل الناس الإسلام أسعدهم الله في الدنيا و الآخرة:﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].
وتحققت طمأنينتهم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
وتمت هدايتهم: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣].
وإذا ترك الناس الإسلام وأعرضوا عنه شقوا وتعبوا في الدنيا والآخرة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦].
وتحقق عذابهم في الدنيا والآخرة: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣].
ودين الله واحد هو الإسلام: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].
والشرائع مختلفة فلكل نبي شريعة: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
• والمصالح الكبرى التي تدور عليها الشرائع السماوية ثلاث:
المصلحة الأولى: درء المفاسد، وتسمى بالضروريات.
المصلحة الثانية: جلب المصالح، وتسمى بالحاجيات.
المصلحة الثالثة: الجري على مكارم الأخلاق، وتسمى بالتحسينات.
فالضروريات هي درء المفاسد عن خمسة أشياء هي:
الدين.
والنفس.
والعقل.
والعرض.
والمال.
وجلب المصالح يكون بإباحة المصالح المشتركة بين الناس على الوجه المشروع؛ ليستجلب كل شخص حاجته ومصلحته من الأخر، كالبيوع والإيجارات والقروض ونحوها من سائر المعاملات.
والجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات يزيد الحياة حسناً وطمأنينة ومحبة وآمنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠].
وإذا أخذ المسلمون بعض أحكام الإسلام، وخالفوا البعض الأخر، فقد فتحوا على أنفسهم أبواب المشاكل والمصائب، وأبواب العذاب، وأبواب الاختلاف، وأبواب الاضطراب،وأبواب الخزي: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة: ٨٥].
وقد بين الله في القرآن الكريم أن الناس إذا خالفوا القرآن أصابتهم ثلاث مشاكل، وبين برحمته ﷿ حلها في كتابه:﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وهذه المشاكل هي:
ضعف المسلمين عن مقاومة الكفار.
تسليط الكفار على المؤمنين بالقتل والأذى.
اختلاف قلوب المؤمنين فيما بينهم.
الأولى: ضعف المسلمين عن مقامة الكفار في كل زمان ومكان.
وقد هدى القرآن العظيم إلى حل هذه المشكلة بأقوم الطرق وأعدلها، فبين أن علاجها يكون بصدق التوجه إلى الله والاستعانة به، ودوام التوكل عليه؛ لأن الله قوي عزيز قاهر لما سواه، فمن كان من حزبه لا يمكن أن يغلبه الكفار:﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
فحين ضرب الكفار الحصار العسكري على المسلمين في غزوة الأحزاب، كما قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠)هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٩ - ١١]
فكان علاج ذلك الحصار العظيم والشدة والكرب هو الإيمان الكامل، والتسليم لله، والتوكل عليه ﷻ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ١ - ٣].
وقال سبحانه: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].
وكانت النتيجة: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥ - ٢٧].
وهذا الذي نصرهم الله به على عدوهم ما كانوا يظنونه ولا يحسبون أنهم ينصرون به وهو الملائكة والريح: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩].
الثانية: تسليط الكفار على المؤمنين بالقتل والأذى، مع أن المؤمنين على الحق والكفار على الباطل كما هو الوقع الآن، فحين وقع ما وقع بالمسلمين في غزوة أحد من رفع النصرة، وشج وجرح رسول الله ﷺ، وكسرت رباعيته، وقتل عمه وابن عمته ومثل الكفار بهما، وقتل سبعون من الصحابة، قال الصحابة كيف ينال منا المشركون ونحن على الحق وهم على الباطل.
فأنزل الله فتوى لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة بقوله ﷿:﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢].
فالبلايا والمصائب سببها المعاصي والسيئات، ومن عرف أصل الداء عرف الدواء: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥].
وقال سبحانه: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣].
الثالثة: اختلاف القلوب الذي يسبب الفشل، وذهاب القوة والدولة، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٧].
فإذا دب الخلاف بين المسلمين وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وسفكت الدماء، فرفع الله عنهم النصرة، وتمكن عدوهم من رقابهم.
وسبب داء الخلاف الذي عمت به البلوى الآن، إنما هو ضعف العقل: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر: ١٤].
وإذا ضعف العقل جاءت المصائب، فرؤى الخير شرًا، والشر خيراً.
وداء ضعف العقل يضعف عن إدراك الحق، وتمييز الحق من الباطل، والنافع من الضار، ولا دواء له إلا بإنارته بنور الوحي الذي يحيي به من كان ميتاً، ويضيء له الطريق المستقيم، فيرى الحق حقًا ويتبعه، ويرى الباطل باطلاً ويجتنبه، ويرى النافع نافعًا فيفعله، والضار ضاراً فيحذره:﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢].
فشتان بين هذا وهذا: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢].
الله ﷿ له الأسماء الحسنى، والصفات العلا، والأفعال الجميلة، والمثل الأعلى، أظهر دينه، وشرع شرعه على ألسنة أوليائه من الأنبياء والمرسلين: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦].
وللشيطان مذهب وشرع شرعه على ألسنة أوليائه من شياطين الانس والجن: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢].
فالناس اثنان:
إما عابد للرحمن بتحكيم شرعه، وعبادته وحده بما شرع.
وإما عابد للشيطان بإتباع ما شرعه الشيطان من النظم والقوانين المخالفة لشرع الله على ألسنة أوليائه من شياطين الأنس والجن كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١].
فعبادتهم للشيطان ليست أنهم سجدوا للشيطان، ولا ركعوا له، ولا صاموا له، ولا حجوا له، وإنما عبادتهم له إتباع ما شرعه لهم من النظم والقوانين التي زينها لهم فأطاعوه: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠].
فهؤلاء أخسر الخلق في الدنيا والآخرة: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩)يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء: ١١٩ - ١٢١].
والله ﷿ لا يقبل أن يعبد إلا بما شرع، ولا يرضى أن يطاع عدوه وهو الشيطان، ويعصى أمره لأن الخلق خلقه، والملك ملكه، والأمر أمره: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١].
وقال ﷿: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يونس: ٥٩ - ٦٠].
ومن زعم أن تشريع الشيطان أحسن من شرع الرحمن فهو كافرًا بلا شك، وكفره من أشنع الكفر والطغيان والكذب على الله، والتمرد على أوامر خالق السماء وجبار السماوات والأرض، وعدم تقدير الله حق قدره حيث رأى أن تشريعه لا ينفع، وتشريع سفلة الخلق أحسن منه: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
فاللهم اهد ذرية آدم الى الصراط المستقيم: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧].
الإسلام هو دين الله الذي جاءت به جميع الرسل، رسولاً بعد رسول، وقرناً بعد قرن، وأمة بعد أمه، وكل من دان بغير الإسلام فهو كافرًا مخلد في النار، سواء كان من اليهود أو النصارى أو المجوس أو غيرهم من الكفار والمشركين إذا مات على ذلك: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩].
فاليهود كفار، لأنهم قتلوا الأنبياء، وقالوا عزير ابن الله، وكذبوا بعيسي ﷺ، ومن أسلم منهم فله الأخر مرتين، لإيمانه بموسى ﷺ، وإيمانه بمحمد ﷺ.
والنصارى كفار، لأنهم قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، وقالوا:المسيح ابن الله، وكذبوا محمداً ﷺ، ومن أسلم منهم فله الأجر مرتين، لإيمانه بعيسي ﷺ، وإيمانه بمحمد ﷺ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤)﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤].
وقال الله ﷺ: «أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَآمَنَ بِي، فَلَهُ أَجْرَانِ» متفق عليه.
ثم ضاعف الله ﷿ الأجر، وتكرم بالمغفرة والرحمة، لكل من دخل في الإسلام من هذه الأمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٨ - ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩]
وأهل الكتاب هم الذين آمنوا بموسى ﷺ، وآمنوا بعيسي ﷺ، واتبعوا التوراة والنجيل التي أنزلت عليهما، وعبدوا الله وحده لا شريك له.
والتوراة والإنجيل كتب إلهيه لكنها حرفت وبدلت وغيرت ثم نسخ الله العمل بهما بالقرآن، كما قال الله ﷿: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
ونحن نؤمن أن الله ﷿ انزل التوراة على موسى ﷺ، وأنزل الإنجيل على عيسي ﷺ، وكل ما فيهما من أخبارٍ فهو صدق، وما فيهما من أحكامٍ فهو حق وعدل، لكن طرأ عليهما التحريف والتغير والتبديل ثم نسخا بالقرآن الذي تكفل الله بحفظه.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
واليهود والنصارى بعد بعثة محمد ﷺ، كلهم مغضوب عليهم؛ لأنهم عرفوا الحق وتركوه، وباءوا بغضب على غضب.
وكل من لم يكفر اليهود والنصارى، وكل من عبد غير الله، فهو كافر، فيجب علينا أن نكفر كل من كفره الله ﷿ في القرآن.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ [البينة: ٦].
ومن كفره الله فهو كافر، ومن لم بكفره فليس بكافر، ومن لم يكفر من كفر الله كهؤلاء استلزم ذلك أن يقبل الله دينه، وهذا يستلزم تكذيب قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
قد أمر الله ﷿ جميع الخلائق بعبادته وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه، وكفر الله في القرآن اليهود والنصارى وكل من عبد غير الله، وبرأ إبراهيم ﷺ من اليهودية والنصرانية؛ فدل على أنهما ديانتا كفر أحدثهما الكفار بعد موسى وعيسى -عَلَيْهم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥].
فيجب علينا دعوة جميع الكفار إلى الإسلام من كانوا وحيث كانوا: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢].
فدين الله واحد: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]
فلا شك في كفر اليهود والنصارى، وإن قالوا أمنا بالله، فيقال لهم كذبتم أنتم كافرون بالله العظيم وبرسله، ويجب أن نتبرأ منكم، ولا تجوز مداهنتهم ولا مصانعتهم، أو أن نقول أنتم إخواننا في الدين، أنتم على دين سماوي، ونحن على دين سماوي، فهذا عين الكفر ومن قال هذا فيجب عليه التوبة والرجوع إلى الدين، والإسلام منهم برئ ما داموا يقولون ذلك: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١].
***
مختارات

