الخزانة الثالثة..
• الإسلام هو: الدين الكامل الذي أكرم الله به البشرية، وهو أكبر نعمة أنعم الله بها على عباده، وبالإسلام تتحقق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
فالله ﷿ خلق هذا الكون العظيم؛ ليدل على كمال أسمائه وصفاته وأفعاله، وليدل على كمال عظمة الله وقدرته، ليدل على كمال علمه وإحاطته.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].
وكل مخلوق من مخلوقات الله العظيمة، بل كل ذرة في الكون شاهدة بوحدانية الله، ومسبحة بحمده، ومستجيبة لمشيئته، ومسرعة إلى إرادته، وناطقة بعظمته.
قال الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤].
وجعل سبحانه لكل مخلوق في هذا الكون سنة كونية يسير عليها وبها يتحقق مراد الله منه، فلكل شيء سنة لا تتبدل ولا تتقدم ولا تتأخر إلا بأمر الله وحده.
قال الله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: ٢٣].
فالشمس لها سنة تشرق من المشرق، وتغرب من المغرب، والقمر له سنة يبدو هلالًا، ثم يكتمل، ثم يعود كما بدأ، والليل له سنة، والنهار له سنة، والجماد له سنة، والنبات له سنة، والحيوان له سنة، والرياح لها سنة، والمياه لها سنة والكواكب لها سنة، والبحار لها سنة، والجبال لها سنة، وهكذا في جميع المخلوقات التي خلقها الله ﷿:﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٧ - ٤٠].
والإنسان مخلوق عظيم من مخلوقات الله ﷿ خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وهو محتاج إلى سنة يسير عليها في جميع أحواله، ليسعد في الدنيا والآخرة، وهذه السنة هي الدين الذي أكرمه الله به، ورضيه له، ولا يقبل منه غيره:﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].
وسعادته وشقاوته مرتبطة بمدى تمسكه به أو إعراضه عنه، وهو أحوج شيء إليه وهو مختار في قبوله أو رده وقد بينه الله له، ودعاه للدخول فيه، ورغبه في العمل به، وحذره من مخالفته.
قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٢٩ - ٣٠].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩].
ولما خلق الله الإنسان سخر له ما في السماوات وما في الأرض، وأسبغ عليه نعمه الظاهرة والباطنة، وأنزل عليه الكتب، وأرسل إليه الرسل، وزوده بآلات العلم والمعرفة كالسمع والبصر والعقل، وشرفه بعبادة الله وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه:﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
وقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨].
وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان: ٢٠].
• الله ﷿ أنعم على عباده بنعم لا تعد ولا تحصى:﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
وأعظم هذه النعم ثلاث:
نعمة الإيجاد.
ونعمة الإمداد.
ونعمة الإسلام.
وأعظم هذه النعم وأجلها نعمة الإسلام الذي أرسل الله به محمدًا ﷺ إلى الناس كافة.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢].
والإسلام دين الحق والعدل والإحسان والرحمة، وهو الدين الكامل الشامل الباقي إلى يوم القيامة، والذي فيه سعادة البشرية إلى يوم القيامة، وهذا الدين هو الإسلام الذي لا يقبل الله غيره إلى يوم القيامة بعد بعثة محمد ﷺ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
فالإسلام هو الدين الحق الذي ينظم علاقة الإنسان مع ربه بعبادته وتوحيده وشكره وطاعته، والتوجه إليه في جميع أموره، والخوف منه، والتوكل عليه، والذل له، والمحبة له، والتقرب إليه، والاستعانة به، وطلب مرضاته، وسبل الوصول إلى جنته، وكيفية النجاة من غضبه وعقابه:﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
والإسلام ينظم علاقة الإنسان مع سيد الخلق رسول الله ﷺ، وذلك بطاعته ومحبته، وإتباع سنته، وتصديق ما جاء به، والاقتداء به في أقواله وأعماله وأخلاقه وألا يعبد الله إلا بما شرع.
قال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
والإسلام ينظم علاقة الإنسان مع غيره على أحسن الوجوه كالأم والأب والزوجة والزوج والأولاد، والأقارب والجيران، والعالم والجاهل والمسلم والكافر والحاكم والمحكوم وغيرهم.
قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦].
وينظم الإسلام معاملات الإنسان المالية بكسب الحلال، وتجنب الغش والخيانة والسرقة ونحو ذلك، والسماحة في البيع والشراء والإنفاق في وجوه البر والخير، وكيفية توزيع الصدقات وتقسيم المواريث ونحوها، وتحري الصدق،وتجنب الربا والكذب والنفاق والحسد: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وينظم الإسلام حياة الإنسان الزوجية وتربية الأولاد على أكمل الوجوه، وصيانة الأسرة من الفساد، وينظم حياة الرجل والمرأة في حال السراء والضراء وحال الغنى والفقر،وحال الصحة والمرض والأمن والخوف والحضر والسفر:﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وينظم الإسلام سائر العلاقات على جسور متينة من الحب في الله، والبغض في الله، والعطاء لله، والمنع لله، ويدعوا إلى مكارم الأخلاق، وجميل الصفات كالكرم والجود، والحلم والعفو، والحياء والعفة، والصدق والبر، والعدل والإحسان،والرحمة والشفقة وغيرها من الصفات والأخلاق الكريمة:﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
وينهى الإسلام عن كل شر وفساد، وعن كل ظلم وطغيان، وينهى عن الشرك بالله، والقتل بغير حق، وينهى عن الزنا والكذب والكبر والنفاق والسرقة والغيبة والنميمة، وأكل أموال الناس بالباطل، وينهى عن الربا والخمر والسحر والرياء والرشوة ونحو ذلك من الأخلاق الذميمة.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الحجرات: ١١ - ١٢].
ويكشف الإسلام بعد ذلك كله حياة الإنسان في الآخرة، وأنها مبنية على حياته في الدنيا، فمن جاء بالإيمان والأعمال الصالحة دخل الجنة، وسعد برؤية ربه ﷾ وتمتع بما في الجنة مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، مع الخلود في النعيم المقيم.
ومن جاء بالكفر والمعاصي دخل النار، والنار فيها عذاب أليم، وعذاب مقيم، وعذاب شديد، وعذاب عظيم، وعذاب كبير، يخلد فيها الكافر، ويعذب فيها العاصي بقدر ذنوبه، أو يغفر الله له، ثم يخرج منها.
قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
فلا إله الا الله ما أعظم نعم الله على خلقه.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
فمن آمن بالله وأطاعه واتقاه فليبشر بخير من ربه في الدنيا و الآخرة: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
وسيبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار بلا ريب، ثم يعود غريبًا كما بدء، ثم تكون خلافة راشدة على منهاج النبوة كما قال الرسول ﷺ: «إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا» أخرجه مسلم.
وقال النبي ﷺ: «إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا»أخرجه مسلم.
وقال النبي ﷺ: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّه بِهِ الْكُفْرَ» أخرجه أحمد والحاكم.
الله ﷿ هو الملك الحق الذي يفعل في ملكه ما يشاء بقدرته، له ﷻ ملك العالم العلوي والعالم السفلي، وله ملك الدنيا والآخرة، وله ملك عالم الغيب وعالم الشهادة، وله ملك السماوات والأرض، وله ملك ما في السماوات والأرض، وله خزائن السماوات والأرض، وله جنود السماوات والأرض، وله مقاليد السماوات والأرض، وله غيب السماوات والأرض، وله ميراث السماوات والأرض، له الملك كله وله الخلق كله وله الأمر كله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
هو ﷻ الملك الحق الذي يفعل في ملكه العظيم ما يشاء بقدرته، جعل سبحانه نور الشمس للعالم كله، وجعل الهوا للعالم كله، وجعل السحب تنزل بالغيث على العالم كله، وجعل نبات الأرض قوتًا للعالم كله، وجعل الإسلام دينًا للعالم كله، وجعل القرآن كتابًا للعالم كله، وجعل محمدًا ﷺ رسولًا للعالم كله، وجعل الكعبة قبلة للعالم كله، وجعل هذه الأمة خير أمة وداعية للعالم كله.
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣].
والإسلام هدىً ورحمة للعالمين، أمتن الله به على خلقه أجمعين، وأرسل به سيد المرسلين وخاتم النبيين، وشرف أمته بالدعوة إليه إلى يوم الدين.
فالله رب الناس ليس لهم ربُ سواه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١].
والله ملك الناس ليس لهم ملكُ سواه كما قال سبحانه:﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢].
والله إله الناس ليس لهم إله سواه، كما قال سبحانه: ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾
[الناس: ٣].
قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢)إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس: ١ - ٣].
وأنزل الله القرآن الكريم هدى للناس: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وأرسل الله رسوله ﷺ كافة للناس كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨].
وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وجعل الله الكعبة قبلة لجميع الناس، فهي أول بيت وضع للناس، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧].
وجعل الله ﷿ هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وقال النبي ﷺ: «إِنَّكُمْ وَفَّيْتُمْ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ ﷿» أخرجه احمد والترمذي.
والدعوة إلى الله، وإبلاغ دين الله في مشارق الأرض ومغاربها، واجب على كل المسلمين لكل الناس، حتى تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨].
وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥].
وقال سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢].
والله ﷿ دعا الناس إلى عبادته وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه، ودعا إلى معرفته بأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرفنا بدعوة الناس إلى ذلك.
فأول نداء في القرآن موجه إلى الناس هو الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
والله ﷿ رب العالمين خلق الجن والإنس ليعبدوه وحده لا شريك له كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
وقد أرسل الله ﷿ رسوله محمدًا ﷺ نذيرًا للعالمين، ورحمة لهم إلى يوم الدين: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١].
وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
لهذا واجبنا الدعوة إلى الله ﷿، ومن فضل الله ﷿ على عباده أنه أعطانا وظيفة الأنبياء والرسل وهي الدعوة إلى الله ﷿، وعبادة الله وحده لا شريك له واجتناب عبادة من سواه.
ومن فضل الله علينا أن فتح علينا من أبواب العلم في كل وقت ما يسهل علينا الحياة.
فمن فضل الله على عباده أنه يفتح لهم في كل زمان ومكان من أبواب العلم في كل وقت ما يسهل عليهم حياتهم، ويقرب التواصل فيما بينهم من أجهزة الاتصال الحديثة كالهاتف والفاكس والجوال والفيس بوك واليوتيوب، وغيرها من القنوات الموجودة على الإنترنت، وهذه أواني فارغة من وضع فيها خيرًا فله أجره، ومن وضع فيها شرًا فعليه وزره.
لهذا يجب على من ملكها أن يشكر الله عليها، وأن يستعملها فيما ينفع المسلم وغيره، وفيما يرضي ربه من نشر العلم الشرعي، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وغير ذلك من المصالح: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
ولا يجوز استعمال هذه الوسائل فيما حرم الله من قول أو فعل أو تجسس على الناس، أو إشاعة الفساد، ونشر الصور والأغاني، ومضايقة النساء وابتزازهن ونحو ذلك من ضروب الفساد والإفساد: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧].
***
مختارات

