قصة خاتم النبيين وإمام المرسلين ﷺ..
اعلم أن سيرة نبينا محمد ﷺ أعظم عونٍ على معرفة تفسير كتاب الله، والقرآن إنما كان ينزل تبعًا لمناسبات سيرته، وما يقوله للخلق، وجواب ما يقال له، وما يحصل به تحقيق الحقّ الذي جاء به، وإبطال المذاهب التي جاء لإبطالها، وهذا من حكمة إنزاله مفرّقًا، كما ذكر الله هذا المعنى بقوله:﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٢، ٣٣]،وقال: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾ [هود: ١٢٠].
فلنُشِرْ من سيرته ﷺ على الأحوال المناسبة لنزول آيات معينات، أو لجنس النوع من علوم القرآن؛ ليكون عونًا في هذا المقام.
فأول مقاماته في إنزال القرآن عليه: أنه كان قبل البعثة قد بُغِّضَت إليه عبادة الأوثان، وبُغِّضَ إليه كل قول وفعل قبيح، وفُطِرَ ﷺ فطرة مستعدة لقبول الحق علمًا وعملًا، والله تعالى هو الذي طهّر قلبه وزكّاه وكمله، فكان من رغبته العظيمة فيما يقرب إلى الله أنه كان يذهب إلى غار حراء الأيام ذوات العدد، ويأخذ معه طعامًا يُطعم منه المساكين، ويتعبد ويتحنّث فيه، فقلبه في غاية التعلُّق بربه، ويفعل من العبادات ما وصل إليه علمه في ذلك الوقت الجاهلي الخالي من العلم، ومع ذلك فهو في غاية الإحسان إلى الخلق.
فلما تَمَّ عمره أربعين سنةً، وتمت قوَّتُه العقليّةُ، وصَلُحَ لتلقي أعظم رسالة أرسل الله بها أحدًا من خَلْقه؛ تبدّى له جبريلُ ﵇، فرأى منظرًا هالهُ وأزعجه؛ إذ لم يتقدم له شيءٌ من ذلك، وإنما قدَّم الله له الرؤيا التي كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح.
فأول ما أنزل الله عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، فجاءه بها جبريل، وقال له: اقرأ، فأخبره أنه ليس بقارئ أي: لا يعرف أن يقرأ - كما قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧].
ونظيرها الآية الأخرى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، فغَطَّه جبريل مرتين أو ثلاثًا ليهيئه لتلقّي القرآن العظيم، ويتجرَّد قلبه وهمَّته، وظاهره وباطنه لذلك.
فنزلت هذه السورة التي فيها نبوَّته، وأمره بالقراءة باسم ربه، وفيها أصناف نعمه على الإنسان بتعليمه البيان العلمي والبيان اللفظي والبيان الرسمي، فجاء بها إلى خديجة تُرْعَدُ فرائصه من الفَرَق (١).
وأخبرها بما رآه وما جرى عليه،فقالت خديجة ﵂: أبشر، فوالله لا يُخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتَقْري الضيف، وتحمل الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتُعين على نوائب الحق.
أي: ومَن كانت هذه صفته فإنها تستدعي نِعَمًا من الله أكبر منها وأعظم، وكان هذا من توفيق الله لها ولنبيه، ومن تهوين القلق الذي أصابه.
وبهذه السورة ابتدأت نبوته، ثم فتر عنه الوحي مدة؛ ليشتاق إليه؛ وليكون أعظم لموقعه عنده، وكان قد رأى الملك على صورته فانزعج، فجاء إلىخديجة، أيضًا تُرْعَد فرائصه، فقال: «دثّروني دثّروني»؛ فأنزل الله عليه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥] (١)، فكان في هذا: الأمر له بدعوة الخلق وإنذارهم، فشمّر ﷺ عن عزمه، وصمّم على الدعوة إلى ربه، مع علمه أنه سيقاوم بهذا الأمر البعيد والقريب، وسيلقى كل معارضة من قومه ومن غيرهم وشدة، ولكن الله، أيّده وقوّى عزمه، وأيّده بروح منه، وبالدّين الذي جاء به، وجاءته سورة الضحى في فترة الوحي لَمَّا قال المكذّبون: إن رب محمد قلاه.
قال:﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١ - ٣] إلى آخرها (٢).
وهذا اعتناء عظيم من الله برسوله، ونفي لكل نقص، وبشارة بأن كل حالة له أحسن مما قبلها وخير منها، وأن الله سيعطيه من النصر والأتباع والعز العظيم وانتشار الدين ما يرضيه.
فكان أعظم مقامات دعوته: دعوته إلى التوحيد الخالص، والنهي عن ضده؛ دعا الناس لهذا، وقرّره الله في كتابه، وصرفه بطرق كثيرة واضحة تبيّن وجوب التوحيد وحُسْنه، وتُعيّنه طريقًا إلى الله وإلى دار كرامته، وقرار إبطال الشرك والمذاهب الضارّة بطرق كثيرة احتوى عليها القرآن، وهي أغلب السور المكية، فاستجاب له في هذا الواحد بعد الواحد على شدة عظيمة من قومه، وقاومه قومه وغيرهم، وبغوا له الغوائل، وحرصوا على إطفاء دعوته بجهدهم وقولهم وفعلهم، وهو يجادلهم ويتحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وهم يعلمون أنه الصادق الأمين، ولكنهم يكابرون ويجحدون آيات الله، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]
.
ولهذا لما كان استماعهم للقرآن على وجه الكفر والجحد والتكذيب، وتوطين نفوسهم على معاداته، أخبر الله تعالى أنه جعل على قلوبهم أَكِنَّةً أن يفقهوه، وفي آذانهم وَقْرًا؛ وأنهم لا يهتدون بسبب ما أَسَّسوا من هذا الأصل الخبيث، المانع لصاحبه من كل خير وهدى، وهذا مما يعلم به حكمة الباري في إضلال الضَّالِّين، وأنهم لما اختاروا لأنفسهم الضلال ورغبوا فيه، وَلَّاهم الله ما تولوا لأنفسهم، وتركهم في طغيانهم يعمهون؛ وأنهم لما ردوا نعمة الله عليهم حين جاءتهم قلب الله أفئدتهم، وَأَصَمَّ أسماعهم، وَأَعْمَى أبصارهم وأفئدتهم.
وهذا الوصف الذي أشرنا إليه قد ذكره الله في كتابه عنهم، وهو يُعِينُك على فَهْم آيات كثيرة يخبر الله فيها بضلالهم، وانسداد طرق الهداية عليهم، وعدم قبول محالِّهم وقلوبهم للهدى، والذنب ذنبهم، وهم السبب في ذلك، قال تعالى:﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٣٠].
وبضده تُعْرَف الحكمة في هدايته للمؤمنين، وأنهم لما كانوا منصفين ليس غرضهم إلا الحق، ولا لهم قصد إلا طلب رضا ربهم؛ هداهم الله بالقرآن، وازدادت به علومهم ومعارفهم وإيمانهم وهدايتهم المتنوعة، قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦].
وهذا الوصف الجليل للمؤمنين هو الأساس لهدايتهم، وزيادة إيمانهم وانقيادهم، وبه ينفتح لك الباب في فهم الآيات في أوصاف المؤمنين، وسرعة انقيادهم للحق أصوله وفروعه.
ومن مقامات النبي ﷺ مع المكذِّبين له: أنه يدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادلهم بالتي هي أحسن؛ ويدعوهم أفرادًا ومجتمعين، ويُذَكِّرهم بالقرآن، ويتلوه في الصلاة وخارجها، وكانوا إذا سمعوه صَمُّوا آذانهم، وقديسُبّونه ويسبّون مَنْ أنزله، فأنزل الله على رسوله آيات كثيرة في هذا المعنى يُبيّن حالهم مع سماع القرآن، وشدة نفورهم:﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥٠، ٥١]، وأن شياطينهم ورؤساءهم في الشرِّ فكَّروا وقدَّروا، ونظروا فيما يقولون عن القرآن ويصفونه به؛ ليُنفِّروا عنه الناس، حتى قرَّ قرار رئيسهم الوليد بن المغيرة الذي سمَّاه الله وحيدًا، فقال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٤، ٢٥]، ولكن أبى الله إلا أن يعلو هذا الكلام كلَّ كلام، ويزهق هذا الحقُّ كلَّ باطل.
وكانوا من إفكهم يقولون في القرآن الأقوال المتناقضة،يقولون: إنه سحر، إنه كهانة، إنه شعر، إنه كذب، إنه أساطير؛ فجعلوا القرآن عِضين (٢)، كل هذا أثر البُغض الذي أحرق قلوبهم، حتى قالوا فيه مقالة المجانين، وكلما قالوا قولًا من هذه الأقوال أنزل الله آيات يُبطل بها ما قالوا، ويُبيّن زورهم وافتراءهم وتناقضهم.
وكان من الأدلة والبراهين على رسالة محمد ﷺ، وأن القرآن من عند الله، مقابلة المكذِّبين له، فإن مَنْ نظر إليها علم أنها سلاح عليهم، وأكبر دليل على أنهم مقاومون للحق، ساعون في إبطاله، وأنهم على الباطل الذي ليس له حظ من العقل، كما ليس له حظ من الدِّين، وكانوا أيضًا يقولون في النبي ﷺ الأقوال التي ليس فيها دلالة على ما كانوا يعتقدون، وليس فيها نقص بالنبي ﷺ؛ يقولون: لو أن محمدًا صادق لأنزل الله ملائكة يشهدون له بذلك، ولأغناه الله عن المشي في الأسواق، وطلب الرزق كما يطلبه غيره، ولجعل له كذا وكذا مما توحي إليهم عقولهم الفاسدة، ويذكرها الله في القرآن في مواضع متعددة؛ تارةً يُصوّرها للعباد فقط؛ لأن من تصوَّرها عرف بطلانها، وأنها ليست من الشُّبَه القادحة، فضلًا عن الحجج المعتبرة، وتارة يصوّرها، ويذكر ما يبطلها من الأمور الواضحة، وهذا كثير في القرآن.
ومن مقاماتهم مع النبي ﷺ: أنهم يسعون أشد السعي أن يَكُفَّ عن عيب آلهتهم، والطعن في دينهم، ويحبون أن يتركهم ويتركوه؛ لعلمهم أنه إذا ذكر آلهتهم، ووصفها بالصفات التي هي عليها من النقص، وأنها ليس فيها شيء من الصفات يوجب أن تستحق شيئًا من العبادة، يعرفون أن الناس يعرفون ذلك، ويعترفون به، فلا أَحَبَّ إليهم من التزوير، وإبقاء الأمور على عِلاتها من غير بحث عن الحقائق؛ لأنهم يعرفون حق المعرفة أن الحقائق إذا بانت ظهر للخلق بطلان ما هم عليه، وهذا الذي منه يفرون،وهذا المقام أيضًا ذكره الله في آيات متعددة مثل قوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]، ونحوها من الآيات.
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، فهذا إذا ترتب على السب المذكور سَبُّهم لله فإنه يُتْرَك؛ لما يترتب عليه من الشر.
ومن مقاماتهم المتنوعة مع النبي ﷺ: أنهم كانوا يقترحون الآيات بحسب أهوائهم، ويقولون: إن كنت صادقًا فأتنا بعذاب الله، أو بما تَعِدُنا، أو أَزِل عنا جبال مكة، واجعل لنا فيها أنهارًا وعيونًا، أو حتى يحصل لك كذا وكذا مما ذكره الله عنهم، فيجيبهم الله عن هذه الأقوال بأن رسوله ﷺ قد أيده الله بالآيات، والله أعلم بما يُنَزِّل من آياته، وأعلم بما هو أنفع لهم، وأنه قد حصل المقصود من بيان صدقه، وقامت الأدلة والبراهين على ذلك، فقول الجاهل الأحمق: لو كان كذا وكذا، جهلٌ منه وكِبْر، ومشاغبة مَحْضَة.
وتارة يخبرهم أنه لا يمنعه من الإتيان بها إلا الإبقاء عليهم، وأنها لو جاءت لا يؤمنون، فعند ذلك يعاجلهم الله بالعقاب.
وتارة يُبَيِّنْ لهم أن الرسول إنما هو نذير مبين، ليس له من الأمر شيء، ولا من الآيات شيء، وأن هذا من عند الله، فطَلَبُهم من الرسول مَحْضُ الظلم والعدوان، وهذه المعاني في القرآن كثيرة بأساليب متعددة.
وأحيانًا يقدحون في الرسول قدحًا يعترضون فيه على الله، وأنه لولا نُزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، ومحمد ليس كذلك، وإنك يا محمد لست بأولى بفضل الله منا؛ فلأي شيء تَفَضَّلُ علينا بالوحي، ونحوه من الأقوال الناشئة عن الحسد.
فيجيبهم الله بذِكْر فضله، وأن فضله يؤتيه من يشاء، وأنه أعلم حيث يجعل رسالته، والمحل اللائق بها، ويشرح لهم من صفات رسوله التي يشاهدونها رأي عين ما يعلمون هم وغيرهم أنه أعظم رجل في العالم، وأنه ما وُجد ولن يوجد أحد يقاربه في الكمال، مؤيّدًا ذلك بالأمور المحسوسة والبراهين المسلّمة، وقد أبدى الله هذه المعاني، وأعادها معهم في مواضع كثيرة.
ومن مقاماته ﷺ مع المؤمنين: الرأفة العظيمة، والرحمة لهم، والمحبة التامة، والقيام معهم في كل أمورهم، وأنه بهم أرحم وأرأف من آبائهم وأمهاتهم، وأحنى عليهم من كل أحد،كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
فلم يزل يدعو إلى التوحيد وعقائد الدين وأصوله، ويقرّر ذلك بالبراهين والآيات المتنوعة، ويحذر من الشرك والشرور كلها منذ بُعث إلى أن استكمل بعد بعثته نحو عشر سنين وهو يدعو إلى الله على بصيرة.
ثم أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛ ليُرِيه من آياته، وعَرَج به إلى فوق السماوات السبع، وفرض الله عليه الصلوات الخمس بأوقاتها وهيئاتها، وجاءه جبريل على أثرها فعلَّمه أوقاتها وكيفيّاتها، وصلى بهيومين؛ اليوم الأول صلَّى الصلوات الخمس في أول وقتها، واليوم الثاني في آخر الوقت، وقال: الصلاة ما بين هذين الوقتين، ففُرِضت الصلوات الخمس قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين، ولم يُفْرَض الأذان في ذلك الوقت، ولا بقية أركان الإسلام.
وانتشر الإسلام في المدينة وما حولها، ومن جملة الأسباب أن الأوس والخزرج كان اليهود في المدينة جيرانا لهم، وقد أخبروهم أنهم ينتظرون نبيًّا قد أطَلَّ زمانه، وذكروا من أوصافه ما دلَّهم عليه، فبادر الأوس والخزرج لما اجتمعوا بالنبي ﷺفي مكة، وتيقَّنوا أنه رسول الله، وأما اليهود فاستولى عليهم الشقاء والحسد، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] (١).
وكان المسلمون في مكة في أذى شديد من قريش، فأذِن لهم النبي ﷺ في الهجرة أولًا إلى الحبشة، ثم لما أسلم كثير من أهل المدينة صارت الهجرة إلى المدينة.
وحين خاف أهل مكة من هذه الحال اجتمع ملؤهم ورؤساؤهم في دار الندوة يريدون القضاء التام على النبي ﷺ؛ فاتَّفق رأيهم أن ينتخبوا من قبائل قريش من كل قبيلة رجلًا شجاعًا، فيجتمعون ويضربونه بسيوفهم ضربة واحدة.
قالوا: لأجل أن يتفرَّق دمه في القبائل، فتعجز بنو هاشم عن مقاومة سائر قريش فيرضون بالدية، فهم يمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين.
فجاء الوحي إلى النبي ﷺ وعزم على الهجرة، وأخبر أبا بكر بذلك، وطلب منه الصحبة، فأجابه إلى ذلك، وخرج في تلك الليلة التي اجتمعواعلى الإيقاع به، وأمر عليًّا أن ينام على فراشه، وخرج هو وأبو بكر إلى الغار، فلم يزالوا يرصدونه حتى برق الفجر، فخرج إليهم عليّ، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري.
ثم ذهبوا يطلبونه في كل وجهة، وجعلوا الجعالات (١)الكثيرة لمن يأتي به، وكان الجبل الذي فيه الغار قد امتلأ من الخلق يطلبون رسول الله ﷺ، فقال أبو بكر: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى قدَمَيْه لأبصرنا.
فقال: «يا أبا بكر، ما ظَنُّك باثنين الله ثالثهما؟» وأنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠].
فهاجَرَ إلى المدينة، واستقرَّ بها، وأُذِن له في القتال بعدما كان قبل الهجرة ممنوعًا لحكمة مشاهدة، فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]، وجعل يُرْسِل السرايا.
ولما كانت السنة الثانية فرض الله على العباد الزكاة والصيام، فآيات الصيام والزكاة إنما نزلت في هذا العام، وكان وَقْت فرضها، وأما قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧] فإن المراد زكاة القلب وطهارته بالتوحيد وتَرْك الشرك.
وفي السنة الثانية أيضًا كانت وقعة بدر، وسببها أن عِيرًا لقريش تحمل تجارة عظيمة من الشام، خرج النبي ﷺ بمن خَفَّ من أصحابه لطلبها،فخرجت قريش لحمايتها، وتوافَوْا في بدر على غير ميعاد، فالعير نجت، وكان النفير؛ التقوا مع الرسول وأصحابه، وكانوا ألفًا كاملي العدد والخيل، والمسلمون ثلاثمائة وبضعة عشر على سبعين بعيرًا يعتقبونها، فهزم الله المشركين هزيمة عظيمة، قُتلت سَرَواتُهم (٣) وصناديدهم، وأُسِرَ من أُسِرَ منهم، وأصاب المشركين مصيبةٌ ما أصيبوا بمثلها، وهذه الغزوة أنزل الله فيها وفي تفاصيلها سورة الأنفال، وبعدما رجع إلى المدينة منها مُظَفَّرًا منصورًا ذلَّ من بقي ممن لم يُسْلِمْ من الأوس والخزرج، ودخل بعضهم في الإسلام نفاقًا، ولذلك كانت جميع الآيات التي نزلت في المنافقين إنما كانت بعد غزوة بدر.
ثم في السنة الثالثة كانت غزوة أحد، غزا المشركون وجيَّشوا الجيوش على المسلمين حتى وصلوا إلى أطراف المدينة، وخرج إليهم رسول الله ﷺ بأصحابه وعبَّأهم ورتَّبهم، والتقوا في أُحُد عند الجبل المعروف شمالي المدينة، وكانت الدائرة في أول الأمر على المشركين، ثم لما ترك الرماة مركزهم الذي رتَّبهم فيه رسول الله ﷺ وقال لهم: «لا تبرحوا عنه؛ ظهرنا أو غُلبنا» وجاءت الخيل مع تلك الثغرة، وكان ما كان، حصل على المسلمين في أُحُد مَقْتَلَة أكرمهم الله بالشهادة في سبيله، وذكر الله تفصيل هذه الغزوة في سورة آل عمران، وبسط متعلَّقاتها، فالوقوف على هذه الغزوة من كتب السير يُعين على فَهْم الآيات الكثيرة التي نزلت فيها كبقية الغزوات.
ثم في السنة الرابعة تواعد المسلمون والمشركون فيها - في بدر - فجاء المسلمون لذلك الموعد، وتخلَّف المشركون معتذرين أن السَّنة مُجدبة، فكتبها الله غزوة للمسلمين، ﴿فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤].
(١) أي: ترجف من الخوف، والفرائص: عصب الرقبة وعروقها، والمفرد: فريصة.
(٢) أي: مَفَرَّقًا، فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه
(٣) أي: أشرافهم.
مختارات

