قصة خاتم النبيين وإمام المرسلين ﷺ.. (٢)
ثم في سنة خمس كانت غزوة الخندق، اتَّفق أهل الحجاز وأهل نجد، وظَاهَرَهُم بنو قُرَيْظة من اليهود على غزو النبي ﷺ، وجمعوا ما يقدرون عليه من الجنود، فاجتمع نحو عشرة آلاف مقاتل وقصدوا المدينة، ولما سمع بهم النبي ﷺخندق على المدينة، وخرج المسلمون نحو الخندق، وجاء المشركون كما وصفهم الله بقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]، ومكثوا محاصرين المدينة عدة أيام، وحال الخندق بينهم وبين اصطدام الجيوش، وحصلت مناوشات يسيرة بين أفراد من الخيل، وسبَّب الله عدة أسباب لانخذال المشركين، ثم انشمروا إلى ديارهم، فلما رجعوا خائبين لم ينالوا ما كانوا جازمين على حصوله تفرَّغ النبي ﷺ لبني قريظة الذين ظَاهَرُوا المشركين بقولهم وتشجيعهم على قَصْد المدينة، ومظاهرتهم الفعلية، ونَقْضهم ما كان بينهم وبين النبي ﷺ فحاصرهم، فنزلوا على حُكْم سعد بن معاذ ﵁، فحكم أن تُقْتَل مقاتلتهم، وتُسْبَى ذراريهم، وفي هذه الغزوة أنزل الله صدر سورة الأحزاب من قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩] إلى قوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧].
ثم في سنة ست من الهجرة اعتمر ﷺ وأصحابه عمرة الحديبية، وكان البيت لا يُصَدُّ عنه أحد، فعزم المشركون على صدِّ النبي ﷺ عنه، ولما بلغ الحديبية، ورأى المشركين قد أَخَذَتْهم الحمية الجاهلية جازمين على القتال دخل معهم في صلح لحقن الدماء في بيت الله الحرام، ولِمَا في ذلك من المصالح، وصار الصلح على أن يرجع النبي ﷺ عامه هذا ولا يدخل البيت، ويكون القضاء من العام المقبل، وتضع الحرب أوزارها بينهم عشر سنين، فكره جمهور المسلمين هذا الصلح حين تَوَهَّمُوا أن فيه غضاضة على المسلمين، ولم يَطَّلِعوا على ما فيه من المصالح الكثيرة.
فرجع ﷺ عامه ذلك، وقضى هذه العمرة في عام سبع من الهجرة، فأنزل الله في هذه القضية سورة الفتح بأكملها:﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]، فكان هذا الفتح؛ لما فيه من الصلح الذي تمكَّن فيه المسلمون من الدعوة إلى الإسلام، ودخول الناس في دين الله، حين شاهدوا ما فيه من الخير والصلاح والنور، وقد تقدَّم أن قصة بني قريظة دخلت في ضمن قصة الخندق، أما قبيلة بني النضير من اليهود فإنها قبل ذلك حين همُّوا بالفتك بالنبي ﷺ، وكانوا على جانب المدينة غزاهم ﷺ، واحتموا بحصونهم، ووعدهم المنافقون حلفاؤهم بنصرتهم، فألقى الله الرعب في قلوبهم، وأنزلهم رسول الله ﷺ على أن يَجْلُوا عن ديارهم، ولهم ما حَمَلَتْ إبلهم، ويدعوا الأرض والعقار، وما لم تحمله الإبل للمسلمين، فأنزل الله في هذه القضية أول سورة الحشر:﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢] إلى آخر القصة.
وفي سنة ثمانٍ من الهجرة، وقد نقضت قريش العهد الذي بينهم وبين النبي ﷺ غزا مكة في جند كثيف من المسلمين يقارب عشرة آلاف، فدخلها فاتحًا لها، ثم تَمَّمَها بغزوة حُنَيْن (١) على هوازن وثقيف، فتمَّ بذلك نصر الله لرسوله وللمسلمين، وأنزل الله في ذلك أول سورة التوبة.
وفي سنة تسع من الهجرة غزا تبوك، وأوعب (٢) المسلمون معه، ولم يتخلَّف إلا أهل الأعذار وأناس من المنافقين،وثلاثة من صلحاء المؤمنين: كعب بن مالك وصاحباه، وكان الوقت شديدًا، والحر شديدًا، والعدو كثيرًا،والعُسْرة مشتدة، فوصل إلى تبوك، ومكث عشرين يومًا، ولم يحصل قتال، فرجع إلى المدينة، فأنزل الله في هذه الغزوة آيات كثيرة من سورة التوبة، يذكر تعالى تفاصيلها وشدتها، ويثني على المؤمنين، ويَذُمُّ المنافقين وتخلفهم، ويذكر توبته على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتَّبعوه في ساعة العُسْرة، ويدخل معهم الثلاثة الذين خُلِّفوا بعد توبتهم وإنابتهم.
وفي مطاوي هذه الغزوات يذكر الله آيات الجهاد وفرضه، وفضله وثواب أهله، وما للناكلين عنه من الذُّلِّ العاجل والعقاب الآجل، كما أنه في أثناء هذه المدة يُنْزِل الله الأحكام الشرعية شيئًا فشيئًا بحسب ما تقتضيه حكمته.
وفي سنة تسع من الهجرة أو سنة عشر فرض الله الحج على المسلمين، وكان أبو بكر حَجَّ بالناس سنة تسع، ونبذ إلى المشركين عهودهم، وأتمَّ عهود الذين لم ينقضوا.
ثم حج النبي ﷺ بالمسلمين سنة عشر، واستوعب المسلمين معه، وأعلمهم بمناسك الحج والعمرة بقوله وفعله، وأنزل الله الآيات التي في الحج وأحكامه، وأنزل الله يوم عرفة:﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
* * *
(١) حُنَيْن: اسم ماء بين مكة والطائف.
(٢) أي: خرج.
مختارات

