قصة داود وسليمان عليهما السلام (٢)
فأرسلت أناسًا ذوي عقل وحزم وخبرة ومعرفة، فلما جاءوا لسليمان بالهدية قال: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل: ٣٦]، فبيَّن لهم أنه لا غرض له في الدنيا، وإنما غرضه إقامة الدين، ودخول عباد الله في الإسلام.
ثم وصَّى الرسل، واستغنى بذلك عن الكتاب، وقال للرسول:﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧]، وعلم سليمان أنهم سينقادون ويُسلمون، فقال لأهل مجلسه: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٨ - ٣٩]، وسليمان بالديار الشامية، وبينه وبينها مسافة شهرين ذهابًا وشهرين إيابًا، ثم قال الذي عنده علم من الكتاب: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠]، يحتمل أنه كما قال أكثر المفسرين: إنه رجل صالح قد أعطي الاسم الأعظم الذي إذا دُعِيَ الله به أجاب، وأنه دعا الله فأُتي به قبل أن يرتد إليه طرفه، ويحتمل أن الذي عنده علم من الكتاب عنده من الأسباب التي يسخّرها الله لسليمان؛ أسباب يحصل بها تقريب المواصلات، وجلب الأشياء البعيدة.
وعلى كُلٍّ فهذا ملك عظيم بلحظة يحضر له هذا العرش العظيم، ولهذا لما رآه مستقرًّا عنده حمد الله على ذلك، فقال:﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]، ثم خاطب مَنْ حوله: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ [النمل: ٤١]، أي: غيِّروا فيه وزيدوا وأنقصوا، ﴿نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٤١]، وكان قد مُدح له رأيها وعقلها، فأحبَّ أن يقف على الحقيقة، فلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ [النمل: ٤٢]وعُرِض عليها، فلما رأته عرفته، ورأت ما فيه من التنكير، فأنكرته، فقالت مُرَدِّدة للاحتمالين: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤٢]، لم تقل: هو؛ لِما فيه من التغيير، ولم تنفِ أنه هو؛ لما كانت تعرفه، فأتت بلفظ صالح للأمرين، فعرف سليمان رجاحة عقلها.
﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢]، إن كان هذا من كلام سليمان فمعناه: إننا أخبرنا عن عقلها، وعلمنا بذلك قبل هذه الحالة فتحققناها لما سبرناها، وإن كان الكلام كلام ملكة سبأ فإنها تقول: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ [النمل: ٤٢] عن ملك سليمان، وأنه ملك نبوة ورسالة وقوة هائلة من قبل هذه الحالة، ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢]مُذْعِنين لما قاله سليمان بعدما تحققنا أمره، فكأنه قيل: مع عقلها هذا ورأيها السديد فكيف كانت تعبد غير الله؟ وكيف اجتمع العقل وعبادة من لا ينفع ولا يضر، وإنما يضر مَنْ عبده؟
حاصل الجواب قوله: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل: ٤٣]، أي: العقائد التي نشأت عليها، والمذاهب الفاسدة تسيطر على عقل العاقل، وتُذهب لُبّ اللبيب حتى يُقَيِّض له من الأسباب المباركة ما يُبيّن له الحق، ويَمُنَّ عليه باتباعه.
وكان له صرح من قوارير أجرى تحته الأنهار، فكان من ينظر إليه يظنه ماء يجري؛ لأن الزجاج شفاف، فلما قيل لها:ادخلي الصرح، فرأته لُجَّةً وكشفت عن ساقيها، قال: إنه صرح ممرّد (١) من قوارير، قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]فأسلمت لله، واتَّبعها قومها، فيقال: إن سليمان تزوَّجها، فالله أعلم.
ولما كانت الشياطين زمن سليمان قد سخَّرهم الله له، وبلَّغه أنهم باجتماعهم بالإنس يُعلّمونهم السحر، فجمعهم وتوعَّدهم، وأخذ كُتبهم ودفنها، فلما توفي سليمان جاءت الشياطين للناس وقالوا: إن ملك سليمانمشيّد على السحر، واستخرجوا الكتب التي دفنها، وأشاعوا من إغوائهم للناس أنها مأخوذة من سليمان، وأن سليمان ساحر، وروّج ذلك طائفة من اليهود، فبرّأ الله سليمان من هذا الأمر، وبيّن أن السحر من العلوم الضارّة، فقال تعالى:﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة: ١٠٢]، أي: بتعليم السحر والرضاء به، ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وهذا من عظمة القرآن أنه يأمر الخلق بالإيمان بجميع الرسل، ويذكّرهم بأوصافهم الجميلة، وينزّههم عما قاله الناس فيهم مما ينافي رسالتهم.
وكان الله قد ابتلى سليمان، وألقى ﴿عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾،أي: شيطانًا عتابًا له على بعض الهفوات، وإرجاعًا له إلى كمال الخضوع لربه، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: ٣٤] إلى الله بقلبه ولسانه وبدنه بظاهره وباطنه، فقال:﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]، فاستجاب الله له دعاءه، وأعطاه ما طلبه من مغفرة الذنب، وأعطاه جميع ما طلب كما تقدّم.
وقد أثنى الله على داود وسليمان بالعلم والحكم، وخصّ سليمان بزيادة الفهم، فقال: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، أي: دخلت الغنم بستانهم ليلًا فرعت زرعه وأشجاره، فحكم داود بحسب اجتهاده وتقديره أن الغنم تكون لصاحب الحرث؛ لِظَنِّه أن الذي تلف من الحرث يقابل قيمتها، ثم رُفِعَت القضية إلى سليمان، فحكم على صاحب الغنم أن يقوم على حرث صاحب البستان بالسقي والتعمير والملاحظة حتى يعود كما كان قبل نفشها، ويدفع له صاحب الغنم الغنم ينتفع بدَرِّها ولبنها ودهنها وصوفها ومَغْلِها (٢) مقابل ما كان بصدد أن ينتفع
بحرثه في هذه المدة، فكان هذا الحكم من سليمان أقرب إلى الصواب، وأنفع لصاحب الغنم والحرث، فلهذا قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩].
ونظير هذه القضية حكم داود وسليمان بين المرأتين اللتين خرجتا ومع كل واحدة ابنها، فعدا الذئب على ابن الكبرى، فادَّعت الكبرى على الصغرى أن الذئب أكل ابن الصغرى، وأن الذي سَلِم من الذئب ابنها، والمرأة الصغرى أنكرت وقالت: بل الذئب أكل ابن الكبرى.
فتحاكَمَا إلى داود، فلم يَرَ لكل منهما بيّنة إلا قولها، رأى أن يحكم به للكبرى؛ اجتهادًا ورحمةً بها لكِبَرها، وأن الصغرى في مستقبل عمرها سيرزقها الله ولدًا بدله.
ثم رُفِعت القضية إلى سليمان فقال لهما: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فرضيت الكبرى، وقالت الصغرى لما دار الأمر بين تلفه أو بقائه بيد غيرها - وهو أهون الأمرين عليها -: هو ابنها يا نبي الله.
فعلم سليمان بهذا الأمر الطبيعي الذي هو من أقوى البينات أنه ليس ابنًا للكبرى؛ لكونها رضيت بشقه وإتلافه، وأن دعواها على الأخرى إنما حملها عليه الحسد، وأنه ابن الصغرى حين فزعت من شقه إلى التنازل عن دعواها، فقضى به سليمان للصغرى، ولا ريب أن استخراج الصواب في القضايا بالبينات والقرائن وشواهد الأحوال من الفهم الذي يخص الله به من يشاء.
(١) أي: مُمَلَّس.
(٢) أي: لبنها الذي تُرضعه ولدها.
مختارات

