فقه النبوة والرسالة (١)
قال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)} [النحل: ٣٦].
وقال الله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)} [الحديد: ٢٥].
وقال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)} [الجمعة: ٢].
الله تبارك وتعالى خلق الإنس والجن لعبادته، واختار الإنسان ليكون خليفة في الأرض، واختار للإنسان منهجاً لسير عليه وسماه الإسلام، وأرسل رسله إلى خلقه بذلك، وأمرهم أن يقولوا للناس شيئين:
الأول: أن يقولوا إن لهذا الكون رباًّ، ولهذا الكون إلهاً، ولهذا الكون خالقاً، ولهذا الكون آمراً، فجميع الأشياء والأمور بيد الله رب العالمين، فلا بد أن تؤمنوا به لتستفيدوا من خزائنه، وتسألونه حاجاتكم، أما نحن فما علينا إلا البلاغ، ونحن كغيرنا ليس بأيدينا شيء: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)} [الأعراف: ١٨٨].
الثاني: أن يقولوا إن أردتم أن تستفيدوا من خزائن الله، خزائن الهداية والرحمة، وخزائن الأموال والأرزاق، وغيرها مما في خزائن الله، فعليكم أن تجعلوا حياتكم كحياة الأنبياء والرسل: إيمان وتوحيد، وعبادة ودعوة، وأخلاق حسنة.
وبذلك يكون الله معكم، وينصركم ويرزقكم، ويتولاكم ويعزكم كما فعل ذلك مع الأنبياء.
وإن أردتم أن يحبكم الله فاتبعوا رسله كما قال سبحانه: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)} [آل عمران: ٣١].
وقال سبحانه: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)} [الأحزاب: ٧١].
وأمر الله جميع الأنبياء والرسل بإقامة الدين في مجتمعاتهم وجمع الناس عليه كما قال سبحانه: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)} [الشورى: ١٣].
وأمرهم بنقل فكر الناس من اليقين على المخلوق إلى اليقين على الخالق.
ومن اليقين على الأموال والأشياء إلى اليقين على الإيمان والأعمال الصالحة.
ومن الفكر في الدنيا إلى الفكر في الآخرة، ومن طاعة النفس والشيطان إلى طاعة الله ورسوله.
ومن عادات وتقاليد القبيلة إلى أحكام وآداب الشريعة.
وكل نبي أعطاه الله شيئين:
الدين.
والدعوة إلى الله.
ثم أعطى الله محمداً - صلى الله عليه وسلم - ما أعطى الأنبياء جميعاً، لكن جعل رسالته لعموم البشرية، بل للإنس والجن، بل جعله رحمة للعالمين، وجعله خاتماً للرسل، وجعل أمته خير الأمم وآخرها، وأعطاها وظيفة الأنبياء والرسل، وأشرف الوظائف وأعلاها، وهي الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال سبحانه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)} [آل عمران: ١١٠].
وبنو آدم درجات: فمنهم العاقل والمجنون، والرشيد والسفيه، والمؤمن والكافر، وأعلاهم درجات الرسل ثم أتباعهم، ومهمة الأعلى أن يأخذ بيد الأدنى، فالأنبياء والرسل أرسلهم الله ليرفعوا البشرية من التشريعات البشرية
السفلية إلى الإيمان والفضائل والتشريعات والأخلاق السماوية.
فإذا عكس البشر القضية وشد الأدنى الأعلى صار الجميع في المنحدر، وذلك ما يريده الشيطان وأتباعه.
وهذه الأمة أمة أمية، ونبيها أمي، والأمي كما ولدته أمه لم يأخذ ثقافته من مساويه بل أخذها من ربه الأعلى.
وإذا كان الله عزَّ وجلّ َقد حرم محمداً بالأمية من معطيات عقول البشر فقد وصله بالعلوية التي تعلم البشر، وتهدي البشر، وتملك البشر.
وأعداء الإسلام يعرفون هذا الدين، وهذا القرآن كما يعرفون أبناءهم.
يعرفون ما فيه من سلطان وقوة، وما فيه من خير وصلاح، وما فيه من أخلاق وآداب، وما فيه من سنن ونظام.
ويحسبون لهذا الكتاب ألف حساب، ويعلمون أن الأرض لا تسعهم وتسع أهل الدين.
وهم يدرسون هذا الدين دراسة دقيقة ليعرفوا كيف يبني الرجال؟ وكيف تبنى الأخلاق؟ ليقوموا بتخريب هذا البناء، ويبحثوا عن مقتل لهذا الدين كما قال سبحانه: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)} [البقرة: ٢١٧].
وقد اجتهدوا وبحثوا حتى خدعوا كثيراً من المسلمين، وحولوا الدين من حركة دافعة تحطم الباطل والجاهلية، وتجعل الدين كله لله.
حولوه بعد جهود وتضحيات إلى حركة ثقافية باردة، وإلى بحوث نظرية ميتة، وإلى جدال فقهي أو طائفي فارغ، ومعلومات تصدع الرؤوس ولا تزكي القلوب وحولوا العقيدة إلى مفهومات وتصورات مدمرة له، مع إيهام أهله أن عقيدتهم محترمة مصونة مع أن أجنحتها وأخلاقها تكسر في كل لحظة، وفي كل ميدان، وفي كل بلد.
وفي النهاية ملؤوا فراغ العقيدة بتصورات أورثت الشك في دين الله، والإعراض عنه، وتجاوزه إلى غيره، وهبط أكثر المسلمين في القاع، لا في الزهد في الدين ونبذه فحسب، بل بتنفير الناس عنه بالأقوال والأفعال والصفات.
وقام في الأمة من بني جلدتنا ممن يتكلمون بألسنتنا من يأمر بالمنكر، وينهى عن المعروف، ويصد عن سبيل الله بلسانه وقلمه وحاله.
إن دور الأنبياء وأتباعهم إبلاغ دين الله، ولزوم هذا العمل، والصبر على مشاق الطريق.
أما هدى الناس أو ضلالهم فهو بيد الله وحده لا شريك له، وله سنة إلهية لا تتبدل، ولا يغير منها رغبة الرسول أو الداعي في هداية من يحب، كما لا يغير منها ضيقه ببعض من يعاند ويحارب ويؤذي كما قال سبحانه: {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)} [الأنعام: ٣٥].
إن شخصه لا اعتبار له في هذا الأمر، وحسابه ليس على عدد المهتدين، إنما حسابه على ما أدى وما صبر، وما التزم وما استقام كما أُمر، وأَمر الناس بعد ذلك إلى رب الناس فهو العليم الحكيم: {مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)} [الأنعام: ٣٩].
وجميع الخلق في قبضته، وهو أعلم بمن يصلح للهداية أو الضلالة: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)} [الأنعام: ٣٥].
وصاحب الدعوة لا يجوز أن يعلق قلبه وأمله وعمله بالمعرضين عن الدعوة المعاندين لها، الذين لا تنفتح قلوبهم لدلائل الهدى، وموجبات الإيمان.
إنما يجب أن يفرغ قلبه، وأن يوجه أمله وعمله للذين سمعوا واستجابوا، فهؤلاء في حاجة إلى بناء كيانهم لتزكو قلوبهم، ويتفقهوا في دينهم، وتصلح أخلاقهم، وهذا كله يحتاج إلى جهد بعد جهد الدعوة.
أما الواقفون على الشق الآخر فجزاؤهم بعد الدعوة الإهمال والإعراض، وحين ينمو الحق في ذاته، فإن الله يجري سنته كما قال سبحانه: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)} [الأنبياء: ١٨].
وقد خلق الله بني آدم، وأخذ عليهم العهد: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} [الأعراف: ١٧٢].
وزودهم بالعقول، وفطرهم على التوحيد، ولكن الله قدر برحمته ألا يحاسبهم على ما فطرهم عليه من التوحيد، ولا على ما وهبهم من العقول.
بل أرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، فجعل برحمته الحجة عليهم الرسالة كما قال سبحانه: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: ١٦٥].
فعلم الله تبارك وتعالى أن الفطر والعقول لا تكفي وحدها للهدى دون رسول من الله.
وقد بعث الله رسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم - على حين فترة من الرسل والناس إذ ذاك أحد رجلين:
إما كتابي معتصم بكتاب مبدل، أو محرف، أو منسوخ، ودين دارس، بعضه مجهول، وبعضه متروك.
وإما أمي من عربي وعجمي مقبل على عبادة ما استحسنه وظن أنه ينفعه من كوكب، أو وثن، أو قبر، أو تمثال، أو نار، أو غير ذلك مما زينه الشيطان وغرَّبه العباد، وقد آمن من هؤلاء أكثر ممن آمن من أهل الكتاب.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - هو الإمام المطلق في الهدى لأول بني آدم وآخرهم كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «أنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأوَّلُ شَافِعٍ وَأوَّلُ مُشَفَّعٍ» أخرجه مسلم (١).
فقد أخذ الله الميثاق على جميع البشر أن يؤمنوا به، لكن ثواب من آمن به وأطاعه في الشرائع المفصلة أعظم من ثواب الإيمان المجمل الذي أقرت به الأمم السابقة، فله عليه الصلاة والسلام نصيب من إيمان كل مؤمن من الأولين والآخرين، كما أن ضلال وغواية كل إنسان من الجن والإنس لإبليس منه نصيب، وعهد آدم عليه الصلاة والسلام وما بعده إلى ما قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - يشبه زمن طفولة الإنسان، وزمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمن كمال الإنسان.
فجاء محمد - صلى الله عليه وسلم - بالدين الكامل الشامل الباقي إلى يوم القيامة كما قال سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: ٣].
فالمولود يخاط له ثوب صغير، وكلما زاد طوله يخاط له أكبر، فإذا اكتمل طوله يخاط له ثوب يبقى طوله إلى أن يموت.
وهكذا الإسلام الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - صالح كامل، فلا يزاد فيه ولا ينقص منه، باق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يقبل الله ديناً سواه بعد بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قال سبحانه: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)} [آل عمران: ٨٥].
وقد أرسل الله الرسل لهداية الكفار، وإصلاح من فسدت حياته من المسلمين، وقد بعث الله الأنبياء والرسل ليأمروا الناس بعبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)} [النحل: ٣٦].
فمن آمن من الناس بما جاءت به الرسل حصلت له السعادة في الدنيا والآخرة، واستفاد من قدرة الله، فإن الله لما آمنوا به وأطاعوه أحبهم وأيدهم بنصره ورزقهم من الطيبات.
فالاستفادة من المخلوقات يشترك فيها المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي، لكن يمتاز المؤمن بحصول البركة في رزقه.
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٢٧٨).
مختارات

