قصة شعيب عليه السلام..
شعيب نبّأه الله.
وأرسله إلى أهل مدين، وكانوا مع شركهم يَبْخَسُون المكايل والموازين، ويَغُشُّون في المعاملات، ويَنْقُصُون الناسَ أشياءهم، فدعاهم إلى توحيد الله، ونهاهم عن الشرك به، وأمرهم بالعدل في المعاملات، وزجرهم عن البَخْس في المعاملات، وذَكَّرَهم الخير الذي أدَرَّهُ الله عليهم، والأرزاق المتنوعة، وأنهم ليسوا بحاجة إلى ظُلم الناس في أموالهم، وخوّفهم العذاب المحيط في الدنيا قبل الآخرة، فأجابوه ساخرين، ورَدُّوا عليه متهكمين،فقالوا: ﴿يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، أي: فنحن جازمون على عبادة ما كان آباؤنا يعبدون، وجازمون على أننا نفعل في أموالنا ما نريد من أي معاملة تكون، فلا ندخل تحت أوامر الله وأوامر رسله،فقال لهم: ﴿يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [هود: ٨٨]، أي: أغناني الله، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]، أي: ما نهيتكم عن المعاملات الخبيثة وظُلم الناس فيها إلّا وأنا أول تارك لها، مع أن الله أعطاني ووسع عليّ، وأنا محتاج إلى المعاملة، ولكني متقيّد بطاعة ربي، ﴿إِنْ أُرِيدُ﴾ في فعلي وأمري لكم ﴿إِلَّا الْإِصْلَاحَ﴾، أي: أن تصلح أحوالكم الدينية والدنيوية ما استطعت: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]، ثم خَوَّفَهم أخذات الأمم التي حولهم في الزمان والمكان، فقال: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩]، ثم عرض عليهم التوبة، ورغبهم فيها، فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠] فلم يفد فيهم، فقالوا: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١]، وهذا لعنادهم وبغضهم البليغ للحق، ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ * قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [هود: ٩١ - ٩٢].
ثم لما رأى عُتُوَّهُم قال: ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ * وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ [هود: ٩٣ - ٩٤] ﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨]، فأرسل الله عليهم حَرًّا أخذ بأنفاسهم حتى كادوا يختنقون من شدته، ثم في أثناء ذلك أرسل سحابة باردة فأظَلَّتْهم، فتنادَوْا إلى ظِلِّها غير الظليل، فلما اجتمعوا فيها التهبت عليهم نارًا، فأحرقتهم، وأصبحوا خامدين مُعَذَّبين مذمومين ملعونين في جميع الأوقات.
* * *
مختارات

