فوائد مستنبطة من قصة يوسف عليه السلام (٣)
ومنها: أن من الحزم إذا أراد العبد فعلًا من الأفعال أن ينظر إليه من جميع نواحيه، ويُقدِّر كل احتمال ممكن، وأن الاحتراز بسوء الظن لا يضر إذا لم يحقق، بل يحترز من كل احتمال يُخْشَى ضرره.
ومنها: أنَّ سوء الظن مع وجود القرائن الدالَّة عليه غير ممنوع ولا محرَّم؛ فإنَّ يعقوب قال لأولاده بعدما امتنع من إرسال يوسف معهم حتى عالجوه أشدَّ المعالجة، ثم قال لهم بعدما أتوه، وزعموا أن الذئب أكله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾، وقال لهم في الأخ الآخر: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾، ثم لما احتبسه يوسف عنده، وجاء إخوته لأبيهم قال لهم: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾، فهم في الأخيرة وإن لم يكونوا مفرِّطين؛ فقد جرى منهم ما أوجب لأبيهم أن قال ما قال من غير إثم عليه ولا حرج.
ومنها: أن العمل بالشريعة فيه إصلاح الأرض والبلاد واستقامة الأمور، والعمل بالمعاصي من سرقة وغيرها فيه فساد، ذلك لقولهم: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ [يوسف: ٧٣]، وكم في القرآن من التصريح أن العمل بالمعاصي ومخالفة الرسل فساد للأرض، ومتابعة الرسل هو الصلاح المطلق؛ صلاح الدين والدنيا.
ومنها: الدلالة على الأصل الكبير الذي أعاده الله وأبداه في كتابه؛ أن لكل نفس ما كسبت من الخير والثواب، وعليها ما اكتسبت من الشر والعقاب، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى؛ لقوله: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف: ٧٩].
ومنها: أن استعمال الأسباب الدافعة للعين وغيرها من المكاره، أو الرافعة لها بعد نزولها، غير ممنوع، بل جائز، وإن كان لا يقع شيءٌ إلا بقضاء وقدرٍ؛ فإنَّ الأسباب أيضًا من القضاء والقدر؛ بشرط أن يفعلها العبد وهو معتمد على مُسَبِّبها؛ لأمر يعقوب، حيث قال لبنيه: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾، وأخبر تعالى أنهم امتثلوا أمر أبيهم، وأن هذا الأمر لم يُغْنِ شيئًا إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها؛ وهو شفقة الوالد على أولاده، والشريعة جاءت بإثبات الأسباب النافعة الدينية والدنيوية، والحث عليها، مع الاستعانة بالله، كما ثبت عنه ﷺ أنه قال: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله».
ومنها: جواز استعمال الحيل والمكايد التي يتوصل بها إلى حق من الحقوق الواجبة والمستحبة أو الجائزة، وأنَّ العلم بالطرق الخفية الموصلة إلى مقاصدها مما يُحمد عليه العبد، كما استعمل يوسف ذلك مع أخيه، حيث وضع السقاية في رحل أخيه، ثم أذّن مؤذن بعد رحيلهم ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] إلى قوله: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ استَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦]، فعمل مع أخيه هذا العمل ليتوصل به إلى بقائه عنده من غير شعور منهم، فلما تقرَّر عندهم أنه هو الذي أخذ الصواع استفتاهم عن حكم السارق في دينهم، فقالوا:﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [يوسف: ٧٥]، أي: جزاء السارق أن يتملَّكه المسروق منه، فحكموا على أنفسهم هذا الحكم الذي هو المقصود ليوسف، ولو أجرى عليه حكم ملك مصر لكان له حكم آخر، فيسَّر الله هذا العمل وهذا الحكم ليبقى أخوه عنده، فالحِيَل التي على هذا النوع لا حرج فيها، وإنما المحرَّم هو الحِيَل والمكايد التي يتوصَّل بها إلى إحلال المحرَّمات أو إسقاط الواجبات.
ومنها: أنه ينبغي لمن أراد أن يوهم غيره بأمرٍ لا يحبُّ أن يطلع عليه أن يستعمل المعاريض القولية والفعلية المانعة له من الكذب، كما فعل يوسف، حيث ألقى الصُّواع في رَحل أخيه، ثم استخرجها منه مُوهمًا أنَّه سارقٌ، وليس فيه إلا القرينة الموهمة لإخوته، وقال بعد ذلك: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ﴾، ولم يقل: «مَنْ سرق متاعنا»، وكذلك لم يقل: «إنا وجدنا متاعنا عنده»؛ بل أتى بكلام عام يصلُح له ولغيره، وليس في ذلك محذور، وإنَّما فيه إيهام أنَّه سارق؛ ليحصُل المقصود الحاضر، وأنه يبقى عند أخيه، وقد زال عن الأخ هذا الإيهام بعدما تبيَّنت الحال.
ومنها: قوله تعالى: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف: (٧٩)]، يدل على أنه لا تَزِر وازرة وزر أخرى، ويؤخذ منه مسألة دقيقة، وهو أن الإحسان إنما يكون إحسانًا إذا لم يتضمَّن فِعْلَ مُحرَّم، أو تَرْك واجب، فإنهم طلبوا من يوسف أن يُحْسِن إليهم بترك هذا الأخ أن يذهب إلى أبيه، ويأخذ أحدهم بدله فامتنع،وقال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾، فالإحسان إذا تضمن تَرْك العدل كان ظلمًا، ولهذا كان تخصيص بعض الأولاد على بعض، وبعض الزوجات على بعض، وإن كان إحسانًا إلى المخصّص والمفضّل لا يجوز؛ لأنه تَرْك للعدل، وكذلك ما أشبه ذلك، والله أعلم.
ومنها: أن المشاورة نافعة في كل شيء حتى في تخفيف الشر، لهذا تشاور إخوة يوسف ما يعملون به من قَتْلٍ أو طَرْح في الأرض، وقرَّ رأيهم على رأي مَنْ أشار عليهم بإلقائه في الجب ليلتقطه بعض السيارة، ففيه شاهد للقاعدة المشهورة «ارتكاب أخفِّ المفسدتين أولى من أغلظهما»، ولما قرَّ القرار على أخذ مَنْ وُجد الصواع في رحله، وعالجوا يوسف على أخذ بدله لأجل ما يعلمون من مشقة أبيهم فامتنع، خلصوا نجيًّا يتشاورون، فقرَّ رأيهم على رأي كبيرهم أن يبقى هو في مصر يلاحظ مسألة أخيه، وهم يذهبون ويخبرون أهلهم، ويخبرون أباهم بالقضية وتفصيلها، ولا شك أن بقاءه في مصر أهون على يعقوب وأرجى لتحصيل المطلوب، وفيه نوع مواساة منه بأخويه يوسف وبنيامين، ولهذا قال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣].
ومنها: أنَّه لا يجوز للإنسان أن يشهد إلا بما عَلِمَهُ وتحقَّقَهُ؛ إما بمشاهدة أو خبرِ مَنْ يثق به، وتطمئنُّ إليه النفس؛لقولهم: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾.
ومنها: أن وجود المسروق بيد السارق بينة وقرينة على أنه السارق، ولذلك حكم وحكموا على أخي يوسف بحكم السارق.
ومنها: الحثُّ على فعل الأسباب الجالبة للخيرات، والحافظة من الكريهات، وفي القصة مواضع تدل على هذا الأصل الكبير، وتمام ذلك أن يقوم بالأسباب مستعينًا بالله واثقًا به، وقد عمل يعقوب ﵇ الأسباب التي يقدر عليها في استحفاظ أولاده ليوسف ثم لأخيه حين أرسله معهم، وقال مع ذلك: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤]، وكذلك على العبد إذا هَمَّته المصائب وحلَّت به النكبات؛ عليه أن يصبر، ويستعين بالله على ذلك، قال يعقوب ﵇ حين عمل إخوة يوسف ما عملوا بيوسف وحلَّت به المصيبة الكبرى: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، وذلك أن الصبر على الطاعات، والصبر عن المحرَّمات، والصبر على المصيبات؛ لا يتم وينجح صاحبه إلا بالاستعانة بالله، وألَّا يتَّكل العبد على نفسه، قال يوسف: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣].
ومنها: قوله تعالى عن يعقوب في أول ما صنع أبناؤه بأخيهم يوسف: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، وقوله: عندما اشتد به الأمر حين احتبس الابن الآخر: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣]، في هذا دليل على أن أصفياء الله إذا نزلت بهم الكوارث والمصيبات قابلوها في أول الأمر بالصبر والاستعانة بالمولى، وعندما ينتهي وتبلغ الشدة منتهاها يقابلونها بالصبر والطمع في الفرج والرجاء، فيوفّقهم الله للقيام بعبوديته في الحالتين، ثم إذا كشف عنهم البلاء قابلوا ذلك بالشكر والثناء على الله، وزيادة المعرفة بلطفه؛ لقول يوسف: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠].
ومنها: هذه المحنة العظيمة التي امتحن الله بها نبيه وصفيه يعقوب ﵇؛ حيث قضى بالفراق بينه وبين ابنه يوسف الذي لا يقدر على فراقه ساعةً واحدةً هذه المدة الطويلة، ويحزنه ذلك أشدَّ الحزن، فحصل التفريق بينه وبينه مدةً طويلة يغلب على الظن أنها تبلغ ثلاثين سنة فأكثر، من ذلك أنه بقي مدة في بيت العزيز قبل السجن في الإمكان أن تكون من سبع السنين إلى العشر، أو نحو ذلك على وجه الخرص والحزر، ثم مكث بضع سنين في السجن، والأكثر أنها سبع سنين، ثم بعد خروجه دخلت السبع السنين المخصبات، فهذه نحو إحدى وعشرين سنة، ثم دخلت السبع المجدبات، وتردّد إخوة يوسف إليه مرات، والظاهر أن اللقاء كان في آخرها، فهذه تُقارب الثلاثين ونحوها، وهو في هذه المدة لم يفارقِ الحزنُ قلبه وهو دائم البكاء، ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾، ثم ازداد به الأمر شدَّة حين صار الفراق بينه وبين ابنه الثاني شقيق يوسف، وفَقَدَ بصره وهو صابرٌ لأمر الله، محتسبٌ الأجر من الله، قد وعد من نفسه الصبر الجميل، ولا شكَّ أنه وفى بما وَعَدَ به،ولا ينافي ذلك قوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، فإن الشكوى إلى الله لا تُنافي الصبر، وإنما ينافي الصبر الشكوى إلى المخلوق.
ومنها: أن شفاء الأمراض كما تكون بالأدوية الحسيّة تكون بأسباب ربانية، بل يحصل بهذا النوع من أنواع الشفا ما لا يحصل بغيره، فيعقوب قد ابيضَّت عيناه من الحزن، وذهب بصره، فجعل الله شفاءه وإبصاره بقميص يوسف حين ألقاه على وجهه فارتدَّ بصيرًا لما كان فيه من رائحة يوسف، الذي كان داءُ عينيه من حزنه عليه، فصار شفاؤه الوحيد مع لُطف الله في قميص جسده.
ومن قال: إن القميص من الجنة، فليس عنده بذلك دليل، والله قادر على أن يشفيه من دون سبب، ولكنه حكيم جعل الأمور تجري بأسباب ونظامات قد تهتدي العقول إلى معرفتها وقد لا تهتدي، ونظير ذلك أيوب ﵇وصل به المرض والضر إلى حالة تعذَّر منها الشفاء، وأعيت الأطباء، فحيث أراد الله شفاءه أمره أن يركض برجله الأرض، فأنبع له عينًا باردة، وأمره أن يشرب منها ويغتسل، فأذهب الله ما في باطنه وظاهره من هذا الضرر، وعاد كأحسن ما أنت راءٍ، قال تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]، فهو تعالى يشفي العباد بأدوية وأسباب حسية، وبأسباب ربانية معنوية: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧]، كما أنه تعالى يُوجد الأشياء بأسباب حسية معلومة، وبأسباب ربانية لا تهتدي العقول إليها، كما في معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، وآياته النفسية والكونية، وهو المحمود على هذا وعلى هذا.
ومنها: أنَّ الفرج مع الكرب؛ وأنَّ مع العسر يسرًا؛ فإنَّه لما طال الحزن على يعقوب واشتدَّ به إلى أنهى ما يكون، وقال:﴿يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾، ثم قال: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾، ثم حصل الاضطرار لآل يعقوب ومسَّهم الضرُّ حين دخلوا على يوسف وقفوا بين يديه موقف المضطر، فقالوا: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾، أي: قليلة حقيرة لا تقع الموقع، ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾، فحينئذ لما بلغ الضر منتهاه من كل وجه أذن الله بالفرج، فحصل التلاقي في أشدِّ الأوقات إليه حاجة واضطرارًا، فتمَّ بذلك الأجر وحصل السرور، وعُلِمَ من ذلك أنَّ الله يبتلي أنبياءه وأولياءه وأصفياءه بالشدَّة والرَّخاء، والسرور والحزن، واليسر والعسر؛ ليمتحن صبرهم وشكرهم، ولستخرج منهم عبوديته في الحالين؛ بالشكر عند الرخاء، والصبر عند الشدة والبلاء، فتتم عليهم بذلك النعماء، ويزداد بذلك إيمانهم ويقينهم وعِرْفانهم، كما ابتلى يعقوب ويوسف، وكذلك غيرهم من أنبيائه وأصفيائه.
ومنها: جواز إخبار الإنسان بما يجد، وما هو فيه من مرضٍ أو فقرٍ ونحوهما، على غير وجه التسخُّط؛ لأنَّ إخوة يوسف قالوا: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾، وأقرَّهم يوسف على ذلك ولم يُنْكِرْ عليهم.
ومنها: جواز سؤال الخَلْق، خصوصًا الملوك عند الضرورة؛لقول إخوة يوسف: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨]، فإنهم سألوا المحاباة في المعاملة والصدقة بدون عِوَض، وإنما قلت: خصوصًا الملوك؛ لأنهم لا يُسألون من أموالهم الخاصة، وإنما يُسألون من بيت المال، الذي هو للمصالح العمومية، وأهم المصالح دفع ضرورة المضطرين.
ومنها: فضيلة التقوى والصبر، وأنَّ كلَّ خير في الدنيا والآخرة فمن آثار التقوى والصبر، وأنَّ عاقبة أهلهما أحسن العواقب؛ لقوله: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وأن إخبار العبد من نفسه بحصول التقوى والصبر إذا كان صدقًا، وفي ذلك مصلحة من باب التحدث بنعمة الله، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، وهي تشمل نعم الدنيا ونعم الدين، وأن الله يجمع للمتقين بين خيري الدنيا والآخرة كما في هذه الآية والآية السابقة، وهي قوله: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٦، ٥٧].
ومنها: أنه ينبغي لمن أنعم الله عليه بنعمةٍ بعد شدّة وفقر وسوء حال أن يعترف بنعمة الله عليه، وأن لا يزال ذاكرًا حاله الأولى؛ ليُحدث لذلك شكرًا كلما ذكرها؛ لقول يوسف ﵇: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾.
ومنها: ما منَّ الله به على يوسف من حسن عفوه عن إخوته، وأنه عفا عما مضى، ووعد في المستقبل ألا يُثَرِّب عليهم، ولا يذكر منه شيئًا؛ لأنه يجرحهم ويُحزنهم، وقد أبدوا الندامة التامة، ولأجل هذا قال: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف: ١٠٠]، ولم يقل: من بعد أن نزغهم، بل أضاف الفعل إلى الشيطان الذي فرَّق بينه وبين إخوته، وهذا من كمال الفتوة وتمام المروءة.
ومنها: لطف الله العظيم بيوسف؛ حيث نقله في تلك الأحوال، وأوصل إليه الشدائد والمحن؛ ليوصله بها إلى أعلى الغايات ورفيع الدرجات.
ومنها: أنه ينبغي للعبد أن يتضرع إلى الله دائمًا في تثبيت إيمانه، ويُعْمَلَ الأسباب الموجبة لذلك، ويسأل الله حُسْنَ الخاتمة وتمام النعمة، ويتوسل بنعمه الحاصلة إلى ربه أن يُتمَّها عليه ويُحسِن له العاقبة؛ لقول يوسف ﵊: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، وليس هذا من يوسف تمنيًا للموت كما ظنه بعضهم، بل هو دعاء الله أن يُحْسِن خاتمته ويتوفاه على الإسلام، كما يسأل العبد ربه ذلك كل وقت.
إذا قيل: كيف خَفِيَ موضع يوسف على يعقوب وما بينهما إلا مسافة قليلة مع طول المدة وقوة الداعي المُلِحِّ، وعِلْمِه أنه على الوجود، وحرصه الشديد على لُقياه؟
فالجواب: ليس ذلك بغريب على قدرة الله، فإن الأسباب وإن قَوِيَت جدًّا لا خروج لها عن قضاء الله وقدره؛ فإن الله تعالى أراد ألا يحصل الاجتماع إلا في الوقت الذي أجَّله، والحالة التي أرادها؛ لما له في ذلك من الحِكَم العظيمة، ومتى أراد الله شيئًا في وقت مخصوص قدَّر من الأسباب الحسية أو المعنوية ما يمنع حصوله قبل ميقاته، كما يقدِّر من الأسباب ما يحصل به ما أراد، فالأسباب بيد العزيز الحكيم، وليس هذا بأغرب من قضية بني إسرائيل في التيه وهم أمة عظيمة، والتيه مسافة قصيرة وهم بين أظهر قرى ومدن كثيرة، والمدة أربعون سنة لم يهتدوا طريقًا إلى مقصدهم، ولم يتيسَّر لهم مَنْ يرشدهم إلى قصدهم.
وكذلك أصحاب الكهف مكثوا في كهفهم ثلاثمائة وتسع سنين وهم في غارٍ قريب من مدينة عظيمة، لم يَصلْ إليهم أحد في هذه المدة الطويلة لأمر يريده الله.
فهذه الأمور وما أشبهها دليل على كمال قدرة الله وحكمته، مع أن يوسف ﵇ بقي مدةً الله أعلم بها وهو في بيت العزيز، ثم مدة وهو في السجن، ثم ترقَّى إلى تدبير الملك، ولم يخطر ببال أحد أن ينتقل من الرق والسجن إلى الملك العظيم.
ثم إنه وقت تولِّيه يغلب على الظن أنه اشتهر عند الناس باسم المنصب والوزير للملك، ولا يكاد أحد يعرف اسمه كما هو الغالب على الملوك وأشباههم، ولهذا تردَّد إخوته عليه فعرفهم، وهم لا يعرفونه؛ لما هو فيه من بهجة الولاية، وأيضًا قد فارقوه وهو صغير، ولم يَرَوْه إلا بعدما كبر، ومعلوم أن أوصاف الإنسان تتغيَّر إذا وصل إلى سنِّ الكهولة، والله أعلم.
هذا من جهة يعقوب وأولاده، أما من جهة يوسف فإنه قد علم وقصد التأخير ليبلغ الكتاب أجله، ولهذا تردَّد عليه إخوته وقد عرفهم، ولم يعرِّفهم بنفسه، ولم يستدعِ أبوَيْه وأهله إلا في نهاية الأمر.
هذا ما يسَّر الله من الفوائد والعِبَر في هذه القصة المباركة، ولا بدَّ أن يظهر للمتدبِّر المتفكر غير ذلك، فنسأله تعالى علمًا نافعًا وعملًا متقبلًا، إنه جوادٌ كريمٌ.
* * *
مختارات

