فوائد مستنبطة من قصة شعيب عليه السلام
منها: أن بَخْس المكاييل والموازين خصوصًا، وبَخْس الناس أشياءهم عمومًا؛ من أعظم الجرائم الموجبة لعقوبات الدنيا والآخرة.
ومنها: أن المعصية الواقعة لمن عدم منه الداعي والحاجة إليها أعظم، ولهذا كان الزنا من الشيخ أقبح من الشباب، والكبر من الفقير أقبح من الغني، والسرقة ممن ليس بمحتاج أعظم من وقوعها من المحتاج؛ لهذا قال شعيب لقومه: ﴿إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ﴾ [هود: ٨٤]، أي: بنعم كثيرة، فأيُّ أمر أحوجكم إلى الهلع إلى ما بأيدي الناس بطرق محرَّمة.
ومنها: قوله: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [هود: ٨٦] فيه الحثُّ على الرضا بما أعطى الله، والاكتفاء بحلاله عن حرامه، وقصر النظر على الموجود عندك من غير تطلُّع إلى ما عند الناس.
ومنها: فيه دلالة على أن الصلاة سبب لفعل الخيرات، وتَرْك المنكرات، وللنصيحة لعباد الله، وقد علم ذلك الكفار بما قالوا لشعيب: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، ومن هنا تُعرَف حكمة الله ورحمته في أنه فرض علينا الصلوات، تتكرَّر في اليوم والليلة؛ لعظم وقعها، وشدة نفعها، وجميل آثارها، فللَّه على ذلك أتم الحمد.
ومنها: أن العبد في حركات بدنه وتصرفاته، وفي معاملاته المالية؛ داخل تحت حجر الشريعة، فما أُبيح له منها فعله، وما منعه الشرع تعيَّن عليه تَرْكُه، ومن يزعم أنه في ماله حرٌّ، له أن يفعل ما يشاء من معاملات طيبة وخبيثة، فهو بمنزلة مَنْ يرى أن عمل بدنه كذلك، وأنه لا فرق عنده بين الكفر والإيمان، والصدق والكذب، وفعل الخير والشر، الكل مباح، ومن المعلوم أن هذا هو مذهب الإباحيين الذين هم شرُّ الخليقة، ومذهب قوم شعيب يشبه هذا؛ لأنهم أنكروا على شعيب لما نهاهم عن المعاملات الظالمة، وأباح لهم سواها، فردُّوا عليه أنهم أحرارٌ في أموالهم، لهم أن يفعلوا فيها ما يريدون، ونظير هذا قول من قال: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فمن سوَّى بين ما أباحه وبين ما حرَّمه الله فقد انحرف في فطرته وعقله بعدما انحرف في دينه.
ومنها: أن الناصح للخَلْق الذي يأمرهم وينهاهم من تمام قبول الناس له أنه إذا أمرهم بشيء أن يكون أول الفاعلين له، وإذا نهاهم عن شيء كان أول التاركين؛ لقول شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨].
ومنها: أن الأنبياء جميعهم بُعثوا بالإصلاح والصلاح، ونَهَوْا عن الشرور والفساد، فكل صلاح وإصلاح ديني ودنيوي فهو من دين الأنبياء، وخصوصًا إمامهم وخاتمهم محمد ﷺ، فإنه أبدى وأعاد في هذا الأصل، ووضع للخلق الأصول النافعة التي يجْرُون عليها في الأمور العادية والدنيوية، كما وضع لهم الأصول في الأمور الدينية، وأنه كما أن على العبد السعي والاجتهاد في فعل الصلاح والإصلاح، فعليه أن يستمد العون من ربه على ذلك، وأن يعلم أنه لا يقدر على ذلك، ولا على تكميله إلا بالله؛ لقول شعيب: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
ومنها: أن الداعي إلى الله يحتاج إلى الحلم، وحُسْن الخُلُق، ومقابلة المسيئين بأقوالهم وأفعالهم بضد ذلك، وأن لا يُحبطه أذى الخَلْق، ولا يصده عن شيء من دعوته، وهذا الخُلُق كماله للرسل صلوات الله عليهم وسلم، فانظر إلى شعيب ﵇، وحُسن خُلُقه مع قومه، ودعوته لهم بكل طريق وهم يسمعونه الأقوال السيئة، ويقابلونه المقابلة الفعلية، وهو ﵇ يحلم عليهم ويصفح، ويتكلم معهم كلامَ مَنْ لم يصدر منهم له وفي حقه إلا الإحسان، ويُهَوّن هذا الأمر أن هذا خُلُقٌ مَنْ ظَفِر به وحَازَه فقد فاز بالحظ العظيم، وأن لصاحبه عند الله المقامات العالية والنعيم المقيم، ويُهَوّنه أنه يعالج أممًا قد طُبِعوا على أخلاق إزالتها وقَلْعُها أصعب مِنْ قَلْع الجبال الرواسي، ومرنوا على عقائد ومذاهب بذلوا فيها الأموال والأرواح، وقدموها على جميع المهمات عندهم، أفَتظن مع هذا أن أمثال هؤلاء يقتنعون بمجرد القول بأن هذه مذاهب باطلةٌ وأقوال فاسدة، أم تحسبهم يغتفرون لمن نالها بسوء؟! كلا والله.
إن هؤلاء يحتاجون إلى معالجات متنوعة بالطرق التي دعت إليها الرسل، يُذكّرون بنِعَم الله، وأن الذي تفرَّد بالنعم يتعيَّن أن يُفرَد بالعبادة، ويذكر لهم من تفاصيل النعم ما لا يُعَدُّ ولا يُحْصَى، ويُذكِّرون بما في مذاهبهم من الزيغ والفساد والاضطراب، والتناقض المزلزل للعقائد، الداعي إلى تركها، ويذكرون بما بين أيديهم وما خَلَفَهم من أيام الله ووقائعه بالأمم المكذِّبة للرسل، المنكرة للتوحيد، ويُذكِّرون بما في الإيمان بالله وتوحيده ودينه من المحاسن والمصالح، والمنافع الدينية والدنيوية، الجاذبة للقلوب، المسهّلة لكل مطلوب، ومع هذا كله فيحتاج الخَلْق إلى الإحسان إليهم، وبذل المعروف، وأقل ذلك الصبر على أذاهم، وتحمل ما يصدر منهم، ولين الكلام معهم، وسلوك كل سبيل حكمةٍ معهم، والتنقل معهم في الأمور بالاكتفاء ببعض ما تسمح به أنفسهم؛ ليستدرج بهم إلى تكميله، والبداءة بالأهم فالأهم، وأعظمهم قيامًا بهذه الأمور وغيرها سيدهم وخاتمهم وإمام الخلق على الإطلاق محمد ﷺ.
ومنها: أن الكفار كما يعاقبون ويخاطبون بأصل الإسلام، فكذلك بشرائعه وفروعه؛ لأنَّ شعيبًا دعا قومه إلى التوحيد، وإلى إيفاء المكيال والميزان، وجَعَلَ الوعيد مرتبًا على مجموع ذلك.
ومنها: أن نقص المكاييل والموازين من كبائر الذُّنوب، وتُخْشَى العقوبة العاجلة على مَنْ تعاطى ذلك، وأنَّ ذلك من سرقة أموال الناس، وإذا كان سرقتهم في المكاييل والموازين موجبة للوعيد فسرقتهم على وجه القهر والغلبة من باب أولى وأحرى.
ومنها: أنَّ الجزاء من جنس العمل؛ فمن بَخَسَ أموال الناس يريد زيادة ماله عوقب بنقيض ذلك، وكان سببًا لزوال الخير الذي عنده من الرزق؛ لقوله: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾، أي: فلا تسبّبوا إلى زواله بفعلكم.
ومنها: أن على العبد أن يقنع بما آتاه الله، ويقنع بالحلال عن الحرام، وبالمكاسب المباحة عن المكاسب المحرّمة، وأنَّ ذلك خيرٌ له؛ لقوله: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، ففي ذلك من البركة وزيادة الرزق ما ليس في التكالب على الأسباب المحرّمة من المَحْق، وضدّ البركة.
ومنها: أن ذلك من لوازم الإيمان وآثاره؛ فإِنَّه رتَّب العمل به على وجود الإيمان، فدلَّ على أنَّه إذا لم يوجد العمل فالإيمان ناقص أو معدوم.
ومنها: أنَّ الصلاة لم تَزَل مشروعة للأنبياء المتقدّمين، وأنَّها من أفضل الأعمال، حتى إنه متقرّر عند الكفار فضلها، وتقديمها على سائر الأعمال، وأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي ميزانٌ للإيمان وشرائعه؛ فبإقامتها تكملُ أحوال العبد، وبعدم إقامتها تختل أحواله الدينية.
ومنها: أنَّ المال الذي يرزقه الله الإنسان، وإن كان الله قد خوَّله إياه؛ فليس له أن يصنع فيه ما يشاء؛ فإنه أمانةٌ عنده، عليه أن يقيم حقَّ الله فيه بأداء ما فيه من الحقوق، والامتناع من المكاسب التي حرَّمها الله ورسوله، لا كما يزعمه الكفار ومَن أشبههم أنَّ أموالهم لهم أن يصنعوا فيها ما يشاءون ويختارون، سواءٌ وافق حُكْمَ الله، أو خالفه.
ومنها: أن من تَكْمِلة دعوة الداعي وتمامها: أن يكون أول مبادر لما يأمر غيره به، وأول مُنْتَهٍ عما ينهى غيره عنه،كما قال شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾، ولقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.
ومنها: أن وظيفة الرسل وسنتهم وملتهم، إرادةُ الإصلاح بحسب القدرة والإمكان، فيأتون بتحصيل المصالح وتكميلها، أو بتحصيل ما يُقدَر عليه منها، وبدفع المفاسد وتقليلها، ويراعون المصالح العامة على المصالح الخاصة.
وحقيقة المصلحة، هي التي تصلُح بها أحوال العباد، وتستقيم بها أمورهم الدينية والدنيوية.
ومنها: أنَّ من قام بما يقدر عليه من الإصلاح لم يكن ملومًا ولا مذمومًا في عدم فِعْلِه ما لا يقدر عليه؛ فعلى العبد أن يُقيم من الإصلاح في نفسه وفي غيره ما يقدر عليه.
ومنها: أنَّ العبد ينبغي له أن لا يتَّكل على نفسه طرفة عين، بل لا يزال مستعينًا بربه، متوكلا عليه، سائلًا له التوفيق، وإذا حصل له شيء من التوفيق فلينسبه لموليه ومُسْديه، ولا يُعْجب بنفسه؛ لقوله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
ومنها: الترهيب بأخذات الأمم، وما جرى عليهم، وأنه ينبغي أن تُذكر القصص التي فيها إيقاع العقوبات بالمجرمين في سياق الوعظ والزجر؛ كما أنه ينبغي ذِكْر ما أكرم الله به أهل التقوى عند الترغيب والحثُّ على التقوى.
ومنها: أن التائب من الذنب كما يُسْمَح له عن ذنبه ويُعفى عنه؛ فإنَّ الله تعالى يحبُّه ويودُّه، ولا عبرة بقول من يقول: «إنَّ التائب إذا تاب فحسبه أن يُغْفَرْ له، ويعود عليه العفو، وأما عَوْدُ الودِّ والحبِّ فإنَّه لا يعودُ»؛ فإنَّ الله قال: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾.
ومنها: أنَّ الله يدفع عن المؤمنين بأسبابٍ كثيرةٍ؛ قد يعلمون بعضها، وقد لا يعلمون شيئًا منها، وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم، أو أهل وطنهم الكفار؛ كما دفع الله عن شعيب رَجْمَ قومه بسبب رهطه، وأنَّ هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين لا بأس بالسعي فيها، بل ربما تعيَّن ذلك؛ لأنَّ الإصلاح مطلوبٌ على حسب القدرة والإمكان؛ فعلى هذا لو ساعد المسلمون الذين تحت ولاية الكفار، وعملوا على جَعْل الولاية جمهوريةً يتمكَّن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية لكان أولى من استسلامهم لدولةٍ تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية، وتحرص على إبادتها، وجَعْلهم عَمَلَةً وخَدَمًا لهم.
نعم؛ إنْ أمكن أن تكون الدولة للمسلمين وهم الحكام؛ فهو المتعيِّن، ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة؛ فالمرتبة التي فيها دفعٌ ووقايةٌ للدين والدنيا مقدَّمة، والله أعلم.
* * *
مختارات

