فوائد مستنبطة من قصة يوسف عليه السلام (٢)
ومنها: أنَّ الهمَّ الذي همَّ به يوسف بالمرأة ثم تركه لله مما يقرِّبه إلى الله زلفى؛ لأنَّ الهمَّ داعٍ من دواعي النفس الأمارة بالسوء، وهو طبيعة لأغلب الخلق، فلما قابل بينه وبين محبَّة الله وخشيته غلبت محبَّة الله وخشيته داعي النفس والهوى، فكان ممن ﴿خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾، ومن السبعة الذين يُظِلُّهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله،أحدهم: «رجلٌ دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله»، وإنَّما الهمُّ الذي يُلام عليه العبد هو الهمُّ الذي يساكنه، ويصير عزمًا ربَّما اقترن به الفعل.
ومنها: أنَّ مَنْ دخل الإيمانُ قلبه، وكان مخلصًا لله في جميع أموره؛ فإنَّ الله يدفع عنه ببرهان إيمانه، وصدق إخلاصه من أنواع السوء والفحشاء وأسباب المعاصي ما هو جزاءٌ لإيمانه وإخلاصه؛ لقوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾، على قراءة مَنْ قرأها بكسر اللام، ومن قرأها بالفتح فإنَّه من إخلاص الله إياه، وهو متضمن لإخلاصه هو بنفسه، فلما أخلص عمله لله أخلصه الله، وخلَّصه من الشرور، وعصمه من السوء والفحشاء.
ومنها: أنه ينبغي للعبد إذا رأى محلًّا فيه فتنة وأسباب معصية أن يفرَّ منه ويهرب غاية ما يمكنه؛ ليتمكَّن من التخلُّص من المعصية؛ لأنَّ يوسف ﵇ لما راودته التي هو في بيتها فرَّ هاربًا يطلبُ الباب ليتخلَّص من شرِّها.
ومنها: أنَّ القرائن يُعمل بها عند الاشتباه، فلو تخاصم رجل وامرأته في شيء من أواني الدار فما يصلُح للرجل فإنَّه للرجل، وما يصلُح للمرأة فهو لها، هذا إذ لم يكن بيِّنة، وكذا لو تنازع نجارٌ وحدادٌ في آلة حرفتهما من غير بيِّنة، والعمل بالقافة في الأشباه والأثر من هذا الباب؛ فإنَّ شاهد يوسف شهد بالقرينة، وحكم بها في قَدِّ القميص، واستدلَّ بقدِّه من دُبُره على صِدْق يوسف وكذبها.
ومما يدلُّ على هذه القاعدة أنّه استدلَّ بوجود الصُّواع في رَحْل أخيه على الحكم عليه بالسرقة من غير بيّنة شهادةٍ ولا إقرار، فعلى هذا إذا وُجِد المسروق في يد السارق، خصوصًا إذا كان معروفًا بالسرقة؛ فإنه يحكم عليه بالسرقة، وهذا أبلغ من الشهادة، وكذلك وجود الرجل يتقيَّأ الخمر، أو وجود المرأة التي لا زوج لها ولا سيّد حاملًا؛ فإنه يُقام بذلك الحدُّ ما لم يقم مانعٌ منه، ولهذا سمّى الله هذا الحكم شاهدًا، فقال: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾.
ومنها: تكميل يوسف صلوات الله عليه لمراتب الصبر،الصبر الاضطراري: وهو صبرٌ على أذية إخوته، وما ترتَّب عليها من بُعْده عن أبويه، وصبره في السجن بضع سنين،والصبر الاختياري: هو صبر على مراودة سيدته امرأة العزيز مع وجود الدواعي القوية من جمالها وعلو منصبها، وكونها هي التي راودته عن نفسه وغلَّقت الأبواب، وهو في غاية ريعان الشباب، وليس عنده من قرابته ومعارفه الأصليين أحد، ومع هذه الأمور ومع قوة الشهوة مَنَعَهُ الإيمان الصادق، والإخلاص الكامل من مواقعة المحظور، وهذا هو المراد بقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤]، فهو برهان الإيمان الذي يغلب جميع القوى النفسية، فكان هو مقدَّم السبعة الذين يُظلُّهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وهو «رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله»، ثم بعد ذلك راودته المرأة، واستعانت بالنسوة اللاتي قطّعن أيديهن، فلم تُحدِّثه نفسه، ولم يَزَل الإيمان ملازمًا له في أحواله، حتى قال بعدما توعَّدته بقولها: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٢، ٣٣]، فاختار السجن على مواقعة المحظور، ومع ذلك فلم يَتَّكل على نفسه، بل استغاث بربه أن يصرف عنه شرهن، ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٤]، وكما أنه كمَّل مراتب الصبر، فقد كمَّل مراتب العدل والإحسان للرعية حين تولى خزائن البلاد المصرية، وكمل مراتب العفو والكرم حين قال له إخوته: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩١ - ٩٢]، فارتقى ﷺ إلى أعلى مقامات الفضل والخير والصدق والكمال، ونشر الله له الثناءين الكاملين في العالمين.
ومنها: ما عليه يوسف من الجمال الظاهر والباطن؛ فإنَّ جماله الظاهر أوجب للمرأة التي هو في بيتها ما أوجب، وللنساء اللاتي جمعتهن حين لُمْنَها على ذلك أن قطعن أيديهنَّ، وقلن: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾، وأما جماله الباطن فهو العفَّة العظيمة عن المعصية مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوعها، وشهادة امرأة العزيز والنسوة بعد ذلك ببراءته، ولهذا قالت امرأة العزيز: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَاسْتَعْصَمَ﴾، وقالت بعد ذلك: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، وقالت النسوة: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾.
ومنها: أن يوسف ﵇ اختار السجن على المعصية؛ فهكذا ينبغي للعبد إذا ابتلي بين أمرين؛ إما فعل معصية، وإما عقوبة دنيوية؛ أن يختار العقوبة الدنيوية على واقعة الذنب الموجب للعقوبة الشديدة في الدنيا والآخرة، ولهذا من علامات الإيمان أن يكره العبدُ أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار.
ومنها: أنه ينبغي للعبد أن يلتجئ إلى الله عند خوف الوقوع في فتن المعاصي والذنوب، ويحتمي بحماه عند وجود أسباب المعصية، ويتبرأ من حوله وقوته، مع الصبر والاجتهاد في البُعد عنها، كما فعل يوسف ﵇ ودعا ربه:﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، وأن العبد لا حول ولا قوة ولا عصمة له إلا بالله، فالعبد مأمور بفعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور، مع الاستعانة بالملك الشكور.
ومنها: أنَّ العلم والعقل يدعوان صاحبهما إلى الخير، وينهيانه عن الشر، وأنَّ الجهل يدعو صاحبه إلى موافقة هوى النفس، وإن كان معصية ضارًا لصاحبه.
ومنها: أن الجهل كما يطلق على عدم العلم فإنه يطلق على عدم الحلم، وعلى ارتكاب الذنب؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]، وأما قوله: ﴿هَلْ عَلِمْتُم مَا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩] ليس المعنى في ذلك عدم العلم، وإنما هو عدم العمل به واقتحام الذنوب، ومنه قول موسى ﵇: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]، وقوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]، وكل من عصى الله فهو جاهل باعتبار عدم العمل بالعلم؛ لأن العلم الحقيقي ما زال به الجهل وأوجب العملَ.
ومنها: أنَّه كما على العبد عبوديَّة لله في الرخاء، فعليه عبودية له في الشدَّة؛ فيوسف ﵇ لم يَزَلْ يدعو إلى الله، فلما دخل السجن استمرَّ على ذلك، ودعا الفتيَيْن إلى التوحيد، ونهاهما عن الشرك، ومن فطنته ﵇ أنَّه لما رأى فيهما قابلية لدعوته، حيث ظنَّا فيه الظنَّ الحسن، وقالا له:﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وأتياه لأن يعبُر لهما رؤياهما، فرآهما متشوقَيْن لتعبيرها عنده، رأى ذلك فرصة فانتهزها، فدعاهما إلى الله تعالى قبل أن يعبُر رؤياهما؛ ليكون أنجح لمقصوده، وأقربَ لحصول مطلوبه، وبيَّن لهما أولًا أنَّ الذي أوصله إلى الحال التي رأياه فيها من الكمال والعلم إيمانه وتوحيده، وتركُه مِلَّة مَنْ لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وهذا دعاءٌ لهما بالحال، ثم دعاهما بالمقال، وبيَّن فساد الشرك وبرهن عليه، وحقيقة التوحيد وبرهن عليه.
ومنها: أنَّه يبدأ بالأهم فالأهم، وأنَّه إذا سُئِل المفتي، وكان السائل حاجته في غير سؤاله أشد؛ أنَّه ينبغي له أن يعلِّمه ما يحتاج إليه قبل أن يجيب سؤاله؛ فإنَّ هذا علامةٌ على نُصح المعلِّم وفطنته، وحُسْن إرشاده وتعليمه؛ فإنَّ يوسف لما سأله الفتيان عن الرؤيا قدَّم لهما قبل تعبيرها دعوتهما إلى الله وحده لا شريك له.
ومنها: الإرشاد إلى طريق نافع من طريق الجدال والمقابلة بين الحق والباطل، وهو بيان ما في الحق من الخير والمنافع العاجلة والآجلة، وما في الباطل من ضد ذلك، قال تعالى في دعوة يوسف للتوحيد: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]، فذكر ما في الشرك من القُبح وسوء الحال واتباع الظنون الباطلة، وأن كل طائفة من المشركين لهم معبود؛ إما نار، أو صنم، أو قبر، أو ملك، أو ميت، أو غير ذلك من المعبودات المتفرقة، التي لا تملك لنفسها ولا لأهلها نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، وكل طائفة تضلل الأخرى، وكلهم ضالُّون هالكون فيها، هذه الأرباب والمعبودات خير أم الله الواحد القهار؟
فذكر له ثلاثة أوصاف عامة عظيمة؛ أنه الله الذي له الأسماء والصفات العليا، ومنه النعم كلها، وبذلك استحق أن يكون الله المألوه إله أهل الأرض وأهل السماء، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، وأنه الواحد المتفرِّد بكل صفة كمال، المتوحِّد بنعوت الجلال والجمال، الذي لا شريك له في شيء من الأفعال، وأنه القهار لكل شيء، فجميع العالم العلوي والسفلي كلهم مقهورون بقدرته، خاضعون لعظمته، مُتذلِّلون لعزته وجبروته، فَمَنْ هذه صفاته العظيمة هو الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له.
ومنها: أن الدين المستقيم الذي عليه جميع الرسل وأتباعهم هو عبادة الله وحده لا شريك له؛ لقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف: ٤٠]، فهو الدين المستقيم المقيم للعقائد والأخلاق والأعمال، الذي لا تستقيم أمور الدين والدنيا إلا به.
ومنها: وجوب الاعتراف بنعم الله الدينية والدنيوية؛ لقوله:﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٣٨]، فهو الذي مَنَّ بالعافية والرزق وتوابع ذلك، وهو الذي مَنَّ بنعمة الإسلام والإيمان والطاعة وتوابع ذلك، فعلى العبد أن يعترف بها بقلبه ويتحدث بها، ويستعين بها على طاعة المنعم.
ومنها: أن مَنْ وقع في مكروه وشدَّة لا بأس أن يستعين بمن له قدرةٌ على تخليصه، أو الإخبار بحاله، وأنَّ هذا لا يكون شكوى للمخلوق؛ فإنَّ هذا من الأمور العاديَّة التي جرى العُرْف باستعانة الناس بعضهم ببعض، ولهذا قال يوسف للذي ظنَّ أنَّه ناجٍ من الفَتَيَيْن: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾.
ومنها: أنه ينبغي ويتأكَّد على المعلّم استعمال الإخلاص التام في تعليمه، وأنْ لا يجعل تعليمه وسيلةً لمعاوضة أحدٍ في مال أو جاه أو نَفْع، وأن لا يمتنع من التعليم، أو لا ينصح فيه، إذا لم يفعل السائل ما كلَّفه به المعلّم؛ فإنَّ يوسف ﵇قد قال، ووصَّى أحد الفتيين أنْ يذكُره عند ربه، فلم يذكُره ونسي، فلما بدت حاجتهم إلى سؤال يوسف أرسلوا ذلك الفتى، وجاءه سائلًا مستفتيًا عن تلك الرؤيا، فلم يعنِّفه يوسف، ولا وبَّخه؛ لتركه ذِكْرَه، بل أجابه عن سؤاله جوابًا تامًا من كل وجه، ولم يعاتبه أو يعنِّفه أو يعامله بسوء خُلُق، فبحُسْن الخُلُق تحصل للعبد الحياة الطيبة العاجلة والآجلة.
ومنها: أنه ينبغي للمسئول أن يدلَّ السائل على أمرٍ ينفعه مما يتعلَّق بسؤاله، ويرشده إلى الطريق التي ينتفع بها في دينه ودنياه؛ فإنَّ هذا من كمال نُصحه وفطنته وحُسْن إرشاده؛ فإنَّ يوسف ﵇ لم يقتصر على تعبير رؤيا الملك، بل دَلَّهم - مع ذلك - على ما يصنعون في تلك السنين المخصبات من كثرة الزَّرْع، وكثرة جبايته.
ومنها: أنه لا يُلام الإنسان على السعي في دفع التُّهمة عن نفسه، وطلب البراءة لها، بل يُحمَد على ذلك، كما امتنع يوسف عن الخروج من السجن مع طول مُكْثِهِ حتى تتبيَّن لهم براءته بحال النسوة اللاتي قطَّعن أيديهنَّ، حيث بان لكل أحد براءته التامة التي لا شبهة فيها، فلم يخرج من السجن لمواجهة الملك إلا في حالة براءته وهيبته ورفعته، وتعظيمِ منهم لعلمه وفضله ونزاهته عليه الصلاة السلام.
ومنها: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣]، دليل على أن هذا وصف النفس من حيث هي، وأنها لا تخرج عن هذا الوصف إلا برحمة من الله وعناية منه؛ لأن النفس ظالمة جاهلة، والظلم والجهل لا يأتي منهما إلا كلُّ شر، فإن رحم الله العبد ومَنَّ عليه بالعلم النافع وسلوك طريق العدل في أخلاقه وأعماله خرجت نفسه من هذا الوصف، وصارت مطمئنة إلى طاعة الله وذِكْره، ولم تأمر صاحبها إلا بالخير، ويكون مآلها إلى فضل الله وثوابه، قال تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]، فعلى العبد أن يسعى في إصلاح نفسه وإخراجها من هذا الوصف المذموم، وهو أنها أمارة بالسوء، وذلك بالاجتهاد، وتخلُّقها بأحسن الأخلاق، وسؤال الله على الدوام، وأن يكثر من الدعاء المأثور: «اللهم اهدني لأحسن الأعمال والأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئ الأعمال والأخلاق، لا يصرف عني سيئها إلا أنت».
ومنها: فضيلة العلم؛ علم الأحكام والشرع، وعلم تعبير الرؤيا، وعلم التدبير والتربية؛ وأنه أفضل من الصورة الظاهرة، ولو بلغت في الحُسْن جمال يوسف؛ فإنَّ يوسف بسبب جماله حصلت له تلك المحنة والسجن، وبسبب علمه حصل له العزُّ والرِّفعة والتمكين في الأرض؛ فإنَّ كلَّ خيرٍ في الدنيا والآخرة من آثار العلم وموجباته.
ومنها: فضيلة العلم من وجوه كثيرة، وبيان أنه سبب الرفعة في الدنيا والآخرة، وسبب صلاح الدين والدنيا، فيوسف ﵇لم يَنَلْ ما نال إلا بالعلم، ولهذا قال له أبوه: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦]، وامتن عليه وَقْتَ مُكْثِه عند عزيز مصر بالتجربة والعلم، وحاز مقام الإحسان بالعلم، وخرج من السجن في حال العز والكرامة بالعلم، وتمكَّن عند ملك مصر، واستخلصه لنفسه حين كلَّمه وعرف ما عنده من العلم، ودبَّر أحوال الخلق في الممالك المصرية بإصلاح دنياهم، وحُسْن تدبيره في حفظ خزائن الأرض وتصريفها وتوزيعها بالعلم، وعند نهاية أمره توسَّل إلى ربه أن يتولاه في الدنيا بالعلم، حيث قال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، ففضائل العلم وثمراته الجليلة العاجلة والآجلة لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى.
ومنها: فضل الإيمان الكامل واليقين، والطمأنينة بالله وبذكره، حيث اتَّصف بها يوسف ﵇ أوجبت له الثبات في أموره كلها، والاشتغال فيما هو بصَدَدِهِ من وظائفه الحاضرة، وهو في أحواله وتنقلاته مطمئن القلب ثابت النفس، ليس عنده قلق لبُعْده عن أبيه وأحبابه، مع ما يعلمه من شدة الشوق والحب المفرط بينه وبين والديه، خصوصًا أباه، وهو يعلم المكان الذي هو فيه، ويتمكن من مراسلته، ولكن اقتضت حكمة الله ألَّا يحصل اللقاء إلا في تلك الحال التي اشتدت مشقتها وعظمت شدتها، فأعانه الله وأيَّده بروح منه، وهذا من أَجَلِّ ثمرات الإيمان.
ومنها: أنَّ علم التعبير من العلوم الشرعية، وأنَّه يثاب الإنسان على تعلُّمه وتعليمه، وأنَّ تعبير الرؤيا داخلٌ في الفتوى؛ لقوله للفتيين: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾،وقال الملك: ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾، وقال الفتى ليوسف:﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ﴾ الآيات؛ فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم.
ومنها: أنه لا بأس أن يخبرَ الإنسان عما في نفسه من صفات الكمال من علم أو عمل، إذا كان في ذلك مصلحةٌ، ولم يقصد به العبد الرياء، وسلم من الكذب؛ لقول يوسف:﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، وكذلك لا تُذمُّ الولاية إذا كان المتولي فيها يقوم بما يقدر عليه من حقوق الله وحقوق عباده، وأنه لا بأس بطلبها إذا كان أعظم كفاءةً من غيره، وإنما يذمُّ إذا لم يكن فيه كفايةٌ، أو كان موجودًا غيره مثله، أو أعلى منه، أو لم يُردْ بها إقامة أمر الله؛ فبهذه الأمور يُنهى عن طلبها، والتعرض لها.
ومنها: أن الولايات الكبار والصغار لا بد لمتوليها أن يكون كفؤًا في قوته وأمانته، وعلمه بأمور الولاية؛ لأن الملك لما كلَّم يوسف ورأى من علمه وخبرته بالأمور، وحسن نظره استخلصه لنفسه، وقال: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤]، وقال يوسف: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]، فعلَّل ذلك بكمال حفظه لما تحت يده وتصرفه، وكمال علمه بوجوه المستخرج والمنصرف، وحُسْن التدبير، وليس في هذا طلب الولاية ابتداءً، كما قاله كثير من أهل العلم، بل إنه لما رأى الملك استخلصه ومكَّنه من الأمور، وأن الأمور كلها تحت طوعه وتدبيره، طلب من الملك تولي خزائن الأرض فقط لأنها أهم، ولأنه يعلم أن ولايته لها أنفع للملك وللخلق، وهذا من كمال نُصحه وصدق نظره.
ومنها: أن الله واسع الجود والكرم، يجود على عبده بخير الدنيا والآخرة، وأنَّ خير الآخرة له سببان: الإيمان، والتقوى، وأنه خيرٌ من ثواب الدنيا ومُلكها، وأنَّ العبد ينبغي له أن يدعو نفسه، ويشوّقها لثواب الله، ولا يدعها تحزن إذا رأت أهل الدنيا ولذاتها وهي غير قادرة عليها، بل يسليها بثواب الله الأخروي، وفضله العظيم؛ لقوله تعالى:﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
ومنها: أن العقود تنعقد بما يدل عليها من قول وفعل، لا فرق بين عقود التبرعات وعقود المعاوضات؛ لأن يوسف ﵇ مَلَّك إخوته بضاعتهم التي اشتروا بها مِيرَتَهُم من حيث لا يشعرون، ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ٦٥] الآية، وذلك من دون إيجاب وقبول قولي؛ لأن الفعل والرضا يدل على ذلك.
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، استدل به على ثلاثة أبواب من أبواب العلم:باب الجعالة، وباب الضمان، وباب الكفالة؛ لأن قوله:﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾، من نوع الجعالة، وهو أن يجعل شيئًا معلومًا أو مقاربا للمعلوم كحمل البعير؛ لأنه متعارف لمن يعمل له عملًا معلومًا وعملًا مجهولًا، وهي جائزة لما فيها من مصلحة الجاعل والعامل، وقوله: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾،أي: ضامن وكفيل، وهي من عقود التوثقة بالحقوق التي يتم بها توسيع المعاملات وإصلاحها.
ومنها: أنَّ جباية الأرزاق إذا أريد بها التوسعة على الناس من غير ضررٍ يلحقهم لا بأس بها؛ لأنَّ يوسف أمرهم بجباية الأرزاق والأطعمة في السنين المخصبات للاستعداد للسنين المجدبة، وأنَّ هذا غير مناقضٍ للتوكُّل على الله، بل يتوكَّل العبد على الله، ويعمل بالأسباب التي تنفعه في دينه ودنياه.
ومنها: حُسْن تدبير يوسف لما تولى خزائن الأرض، حتى كثرت عندهم الغلَّات جدًّا، حتى صار أهلُ الأقطار يقصدون مصر لطلب الميرة منها؛ لعِلْمهم بوفورها فيها، وحتى إنَّه كان لا يكيل لأحد إلا مقدار الحاجة الخاصَّة أو أقلَّ، لا يزيد كلَّ قادم على كَيْلِ بعيرٍ وحَمْلِه.
ومنها: مشروعيَّة الضيافة، وأنها من سنن المرسلين، وإكرام الضيف، وقررتها هذه الشريعة؛ لقول يوسف لإخوته: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾.
مختارات

