قصة يوسف عليه السلام.. (٢)
على وجدانه، ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أي: كفيل، وهذا يقوله المؤذِّن المتفقّد، ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ بجميع أنواع المعاصي، ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾؛ فإنَّ السرقة من أكبر أنواع الفساد في الأرض، وإنما أقسموا على علمهم أنَّهم ليسوا مفسدين ولا سارقين؛ لأنَّهم عرفوا أنهم سَبَرُوا من أحوالهم ما يدلُّهم على عفَّتهم وورعهم، وأنَّ هذا الأمر لا يقع منهم بعلم مَنْ اتَّهموهم، وهذا أبلغ في نفي التُّهمة من أن لو قالوا: "تالله لم نُفسد في الأرض ولم نسرق"،﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ أي: جزاء هذا الفعل، ﴿إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ﴾ بأنَّ كان معكم؟ ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ﴾ أي: الموجود في رَحله، ﴿جَزَاؤُهُ﴾ بأن يتملَّكه صاحب السرقة، وكان هذا في دينهم؛ أنَّ السارق إذا ثبتت عليه السرقة كان ملكًا لصاحب المال المسروق، ولهذا قالوا:﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾، ﴿فَبَدَأَ﴾ المفتِّش ﴿بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾، وذلك لتزول الريبة التي يظنُّ أنها فُعِلَت بالقصد، فلما لم يجد في أوعيتهم شيئًا ﴿اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ ولم يقل: "وجدها"، أو: "سرقها أخوه" مراعاةً للحقيقة الواقعة، فحينئذ تمَّ ليوسف ما أراد من بقاء أخيه عنده، على وجه لا يشعر به إخوته، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ أي: يسَّرنا له هذا الكيد الذي توصَّل به إلى أمرٍ غير مذموم، ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾؛ لأنَّه ليس من دينه أن يُتملَّك السارق، وإنما له عندهم جزاء آخر، فلو رُدَّت الحكومة إلى دين الملك لم يتمكَّن يوسف من إبقاء أخيه عنده، ولكنه جعل الحكم منهم؛ ليتمَّ له ما أراد، قال تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ بالعلم النافع، ومعرفة الطرق الموصلة إلى مقصدها، كما رفعنا درجات يوسف، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾، فكل عالم فوقه من هو أعلم منه حتى ينتهي العلم إلى عالم الغيب والشهادة، فلما رأى إخوة يوسف ما رأوا ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ﴾ هذا الأخ فليس هذا غريبًا منه، ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعنون: يوسف ﵇، ومقصودهم تبرئة أنفسهم، وأنّ هذا وأخاه قد يصدر منهما ما يصدر من السرقة، وهما ليسا شقيقين لنا، وفي هذا من الغَضّ عليهما ما فيه، ولهذا أسرّها ﴿يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ أي: لم يقابلهم على ما قالوه بما يكرهون، بل كظم الغيظ، وأسرّ الأمر في نفسه، و ﴿قَالَ﴾ في نفسه: ﴿أَنتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ حيث ذممتمونا بما أنتم على أشرّ منه، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ منّا من وصفنا بالسرقة، يعلم الله أنا براء منها، ثم سلكوا معه مسلك التملّق لعله يسمح لهم بأخيهم، فقالوا: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ أي: وإنه لا يصبر عنه، وسيشقّ عليه فراقه، ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، فأحسن إلينا وإلى أبينا بذلك، فقال يوسف: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ أي: هذا ظلم منا، لو أخذنا البريء بذنب من وجدنا متاعنا عنده، ولم يقل: «من سرق»، كلُّ هذا تحرّز من الكذب، ﴿إِنَّا إِذًا﴾ أي: إن أخذنا غير مَنْ وُجد في رَحْله ﴿لَظَالِمُونَ﴾ حيث وضعنا العقوبة في غير موضعها.
﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ * ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ * وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٠ - ٨٣].
أي: فلما استيأس إخوة يوسف من يوسف أن يسمح لهم بأخيهم، ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾، أي: اجتمعوا وحدهم ليس معهم غيرهم، وجعلوا يتناجون فيما بينهم، فقال: ﴿كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ في حفظه، وأنكم تأتوني به إلا أن يُحاط بكم، ﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ﴾، فاجتمع عليكم الأمران؛ تفريطكم في يوسف السابق، وعدم إتيانكم بأخيه باللاحق؛ فليس لي وجه أواجه به أبي، ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾، أي: سأقيم في هذه الأرض ولا أزال بها، ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾، أي: يقدِّر لي المجيء وحدي، أو مع أخي، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾، ثم وصّاهم بما يقولون لأبيهم، فقال: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ أي: وأخذ بسرقته، ولم يحصل لنا أن نأتيك به، مع ما بذلنا من الجهد في ذلك، والحال أنَّا ما شهدنا بشيء لم نعلمه، وإنما شهدنا بما علمنا؛ لأنَّنا رأينا الصُّواع استُخرج من رحله، ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾، أي: لو كنا نعلم الغيب لما حرصنا وبذلنا المجهود في ذهابه معنا، ولَمَّا أعطيناك عهودنا ومواثيقنا، فلم نظنَّ أن الأمر سيبلغ ما بلغ، ﴿وَاسْأَلِ﴾ إن شككت في قولنا ﴿الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾، فقد اطلعوا على ما أخبرناك به، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ لم نكذب، ولم نغيِّر ولم نبدِّل، بل هذا الواقع، فلما رجعوا إلى أبيهم وأخبروه بهذا الخبر اشتد حزنه وتضاعف كَمَده، واتَّهمهم أيضًا في هذه القضية، كما اتَّهمهم في الأولى، و ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾، أي: ألجأ في ذلك إلى الصبر الجميل، الذي لا يصحبه تسخُّط ولا جزعٌ، ولا شكوى للخلق، ثم لجأ إلى حصول الفرج لَمَّا رأى أن الأمر اشتدَّ، والكربة انتهت، فقال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾، أي: يوسف وبنيامين، وأخوهم الكبير الذي أقام في مصر، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ الذي يعلم حالي، واحتياجي إلى تفريجه ومنَّته، واضطراري إلى إحسانه، ﴿الْحَكِيمُ﴾، الذي جعل لكل شيء قدرًا، ولكل أمر منتهى، بحسب ما اقتضته حكمته الربانية.
﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٤ - ٨٦].
أي: وتولَّى يعقوب ﵊ عن أولاده بعدما أخبروه هذا الخبر، واشتد به الأسف والأسى، وابيضَّت عيناه من الحزن الذي في قلبه، والكمد الذي أوجب له كثرة البكاء، حيث ابيضَّت عيناه من ذلك، ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾، أي: ممتلئ القلب من الحزن الشديد، ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾، أي: ظهر منه ما كمن من الهم القديم والشوق المقيم، وذكَّرته هذه المصيبة الخفيفة بالنسبة للأولى المصيبة الأولى، فقال له أولاده متعجبين من حاله: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾، أي: لا تزال تذكر يوسف في جميع أحوالك، ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾، أي: فانيًا لا حراك فيك ولا قدرة على الكلام، ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾، أي: لا تترك ذِكْرَه مع قدرتك على ذِكْرِه أبدًا،فقال يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي﴾، أي: ما أبثُّ من الكلام، ﴿وَحُزْنِي﴾ الذي في قلبي ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ وحده، لا إليكم ولا إلى غيركم من الخلق، فقولوا ما شئتم، ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من أنَّه سيردُّهم عليَّ، ويُقرُّ عيني بالاجتماع بهم.
﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ * فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ * قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٧ - ٩٢].
أي: قال يعقوب ﵇ لبنيه: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ أي: احرصوا واجتهدوا على التفتيش عنهما، ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾، فإن الرجاء يوجب للعبد السعي والاجتهاد فيما رجاه، والإياس يوجب له التثاقل والتباطؤ، وأولى ما رجا العباد فضل الله وإحسانه ورحمته وروحه، ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾، فإنهم - لكفرهم - يستبعدون رحمته، ورحمته بعيدة منهم، فلا تتشبهوا بالكافرين، ودل هذا على أنه بحسب إيمان العبد يكون رجاؤه لرحمة الله ورَوْحه، فذهبوا ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾، أي: على يوسف، ﴿قَالُوا﴾ متضرعين إليه: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾، أي: قد اضطررنا نحن وأهلنا ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾، أي:مدفوعة مرغوب عنها لقلتها، وعدم وقوعها الموقع ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾، أي: مع عدم وفاء العرض، ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ بالزيادة عن الواجب، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ بثواب الدنيا والآخرة.
فلما انتهى الأمر، وبلغ أشُدَّه، رَقَّ لهم يوسف رقةً شديدةً، وعرفهم بنفسه، وعاتبهم فقال: ﴿هَلْ عَلِمْتُم مَا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾، أما يوسف فظاهر فعلهم فيه، وأما أخوه فلعله - والله أعلم - قولهم: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾، أو أن الحادث الذي فرَّق بينه وبين أبيه هم السبب فيه، والأصل الموجب له، ﴿إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾، وهذا نوع اعتذار لهم بجهلهم، أو توبيخ لهم إذ فعلوا فِعْلَ الجاهلين، مع أنه لا ينبغي ولا يليق منهم، فعرفوا أن الذي خاطبهم هو يوسف، فقالوا: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ بالإيمان والتقوى والتمكين في الدنيا، وذلك بسبب الصبر والتقوى، ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾، أي: يتقي فِعْلَ ما حرَّم الله، ويصبر على الآلام والمصائب، وعلى الأوامر بامتثالها، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾،
فإنَّ هذا من الإحسان، والله لا يُضيعُ أجر مَنْ أحسن عملًا، ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾، أي: فضلك علينا بمكارم الأخلاق ومحاسن الشّيم، وأسأنا إليك غاية الإساءة، وحرصنا على إيصال الأذى إليك، والتبعيد لك عن أبيك، فآثرك الله تعالى ومكّنك مما تريد، ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾، وهذا غاية الاعتراف منهم بالجُرم الحاصل منهم على يوسف، فقال لهم يوسف ﵇ كرمًا وجودًا: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾، أي: لا أُثَرِّبُ عليكم ولا ألومكم، ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، فسمح لهم سماحًا تامًا من غير تعيير لهم على ذِكْر الذَّنب السابق، ودعا لهم بالمغفرة والرحمة، وهذا نهاية الإحسان الذي لا يتأتّى إلا من خواصّ الخلق وخيار المصطفَيْن.
﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ * وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ * قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ * فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف: ٩٣ - ٩٨].
أي: قال يوسف ﵇ لإخوته: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾؛ لأنَّ كلَّ داءٍ يداوَى بضده؛ فهذا القميصُ - لمَّا كان فيه أثر ريح يوسف الذي أودع قلب أبيه من الحزن والشوق ما الله به عليم - أراد أن يَشُمَّه فترجع إليه روحه، وتتراجع إليه نفسه، ويرجع إليه بصره، والله في ذلك حِكَمٌ وأسرارٌ لا يطّلع عليها العباد، وقد اطّلع يوسف من ذلك على هذا الأمر، ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أي: أولادكم وعشيرتكم وتوابعكم كلهم؛ ليحصل تمام اللقاء، ويزول عنكم نكد المعيشة، وضنك الرزق.
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ عن أرض مصر مقبلةً إلى أرض فلسطين شمَّ يعقوبُ ريح القميص، فقال: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾، أي:تسخرون منِّي، وتزعمون أنَّ هذا الكلام صدر منِّي من غير شعور؛ لأنَّه رأى منهم من التعجب من حاله ما أوجب له هذا القول، فوقع ما ظنَّه بهم، فقالوا: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾، أي: لا تزال تائها في بحرٍ لُجِّيٍّ، لا تدري ما تقول، ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ بقرب الاجتماع بيوسف وإخوته وأبيهم، ﴿أَلْقَاهُ﴾، أي: القميص ﴿عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾، أي: رجع على حاله الأولى بصيرا، بعد أن ابيضَّت عيناه من الحزن، فقال لمن حضره من أولاده وأهله الذين كانوا يفنّدون رأيه، ويتعجَّبون منه منتصرًا عليهم، مُتبجّحًا بنعمة الله عليه: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، حيث كنتُ مترجيًّا للقاء يوسف، مترقِّبًا لزوال الهمِّ والغمِّ والحزن، فأقرُّوا بذنبهم، ونجعوا بذلك، و ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾، حيث فعلنا معك ما فعلنا.
فقال مجيبًا لطلبتهم، ومسرعًا لإجابتهم:﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، أي:ورجائي به أن يغفر لكم ويرحمكم، ويتغمدكم برحمته،وقد قيل: إنه أخَّر الاستغفار لهم إلى وقت السَّحَر الفاضل؛ ليكون أتمَّ للاستغفار، وأقرب للإجابة.
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩٩ - ١٠١].
﴿فَلَمَّا﴾ تجهَّز يعقوب وأولاده وأهلهم أجمعون، وارتحلوا من بلادهم قاصدين الوصول إلى يوسف في مصر وسُكْناها، فلما وصلوا إليه، و ﴿دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾، أي: ضمَّهما إليه، واختصَّهما بقُربه، وأبدى لهما من البر والإكرام والتبجيل والإعظام شيئًا عظيمًا، ﴿وَقَالَ﴾ لجميع أهله: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ من جميع المكاره والمخاوف، فدخلوا في هذه الحال السارة، وزال عنهم النَّصب ونكد المعيشة، وحصل السرور والبهجة، ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾، أي: على سرير الملك، ومجلس العزيز، ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾، أي: أبوه، وأمه وإخوته، سجودًا على وجه التعظيم والتبجيل والإكرام، ﴿وَقَالَ﴾ لما رأى هذه الحال، ورأى سجودهم له: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾، حين رأى أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر له ساجدين؛ فهذا وقوعُها الذي آلتْ إليه ووصلت، ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ فلم يجعلها أضغاث أحلام، ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ إحسانًا جسيمًا، ﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾، وهذا من لُطْفه وحُسْنِ خطابه ﵇، حيث ذكر حاله في السجن، ولم يذكر حاله في الجُبِّ؛ لتمام عَفْوه عن إخوته، وأنَّه لا يذكر ذلك الذنب، وأنَّ إتيانكم من البادية من إحسان الله إليَّ، فلم يقل: جاء بكم من الجوع والنصب، ولا قال: «أحسنَ بكم»، بل قال: ﴿أَحْسَنَ بِي﴾، جعل الإحسان عائدًا إليه، فتبارك من يختص برحمته من يشاء من عباده، ويَهَبُ لهم مِنْ لَدُنْه رحمةً، إنه هو الوهاب، ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾، فلم يقل: «نزغ الشيطان إخوتي»، بل كأن الذنب والجهل صدر من الطرفين، فالحمد لله الذي أخزى الشيطان ودَحَره، وجمعنا بعد تلك الفُرقة الشاقة، ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ يوصلُ بِرَّه وإحسانه إلى العبد من حيث لا يشعر، ويُوصِلُه إلى المنازل الرفيعة من أمور يكرهها، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ الذي يعلم ظواهر الأمور وبواطنها، وسرائر العباد وضمائرهم، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في وضعه الأشياء مواضعَها، وسَوْقِه الأمور إلى أوقاتها المقدَّرة لها، لما أتمَّ الله ليوسف ما أتمَّ من التمكين في الأرض والملك، وأقرَّ عينه بأبويه وإخوته، وبعد العلم العظيم الذي أعطاه الله إيَّاه، قال مُقِرًّا بنعمة الله شاكرًا لها، داعيًا بالثبات على الإسلام:﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾، وذلك أنَّه كان على خزائن الأرض وتدبيرها، ووزيرًا كبيرًا للملك، ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾، أي: من تأويل أحاديث الكتب المنزَّلة، وتأويل الرؤيا، وغير ذلك من العلم، ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾، أي:أدِمْ عليَّ الإسلام، وثبِّتني عليه حتى توفَّاني عليه، ولم يكن هذا دعاءً باستعجال الموت، ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ من الأنبياء الأبرار والأصفياء الأخيار.
* * *
مختارات

