قصة يوسف عليه السلام..
﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف: ٤ - ٦]
اعلم أن الله ذكر أنه يقص على رسوله أحسن القصص في هذا الكتاب، ثم ذكر هذه القصة وبسطها، وذكر ما جرى فيها، فعُلم بذلك أنها قصة تامّة كاملة حسنة، فمن أراد أن يكملها أو يحسنها بما يُذكر في الإسرائيليات التي لا يُعرف لها سند ولا ناقل، وأغلبها كذب، فهو مستدرك على الله، ومُكمّل لشيء يزعم أنه ناقص، وحسبك بأمر ينتهي إلى هذا الحد قبحًا، فإن تضاعيف هذه السورة قد ملئت في كثير من التفاسير من الأكاذيب والأمور الشنيعة المناقضة لما قصَّه الله تعالى بشيء كثير؛ فعلى العبد أن يفهم عن الله ما قصَّه، ويدع ما سوى ذلك مما ليس عن النبي ﷺ يُنْقَل.
فقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ﴾ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم الصلاة والسلام، ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾، فكانت هذه الرؤيا مقدِّمة لما وصل إليه يوسف ﵇ من الارتفاع في الدنيا والآخرة، وهكذا إذا أراد الله أمرًا من الأمور العظام قدَّم بين يديه مقدّمة، توطئة له، وتسهيلًا لأمره، واستعدادًا لما يَرِد على العبد من المشاقّ، لطفًا بعبده، وإحسانًا إليه، فأوَّلها يعقوب بأن الشمس: أمه، والقمر: أبوه،والكواكب: إخوته، وأنه ستنتقل به الأحوال إلى أن يصير إلى حال يخضعون له، ويسجدون له إكرامًا وإعظامًا، وأن ذلك لا يكون إلا بأسباب تتقدّمه من اجتباء الله له، واصطفائه له، وإتمام نعمته عليه بالعلم والعمل، والتمكين في الأرض، وأن هذه النعمة ستشمل آل يعقوب الذين سجدوا له، وصاروا تَبَعًا له فيها، ولهذا قال: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾، أي: يصطفيك ويختارك بما يمنُّ به عليك من الأوصاف الجليلة والمناقب الجميلة، ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾، أي: من تعبير الرؤيا، وبيان ما تؤول إليه الأحاديث الصادقة، كالكتب السماوية ونحوها، ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ في الدنيا والآخرة، بأن يُؤتيك في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾، حيث أنعم الله عليهما بنِعَم عظيمة واسعة دينية ودنيوية، ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي: عِلْمُه محيط بالأشياء، وبما احتوت عليه ضمائر العباد من البر وغيره، فيعطي كلًّا ما تقتضيه حكمته وحمده؛ فإنه حكيمٌ يضع الأشياء مواضعها، ويُنزلها منازلها.
ولما بانَ تعبيرها ليوسف قال له أبوه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾، أي: حسدًا من عند أنفسهم؛ بأن تكون أنت الرئيس الشريف عليهم، ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ لا يفْتُر عنه ليلًا ولا نهارًا، ولا سِرًّا ولا جهارًا؛ فالبُعد عن الأسباب التي يتسلّط بها على العبد أولى، فامتثل يوسف أمرَ أبيه، ولم يُخبِر إخوته بذلك، بل كتمها عنهم.
﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ * إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: ٧ - ٩].
يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ﴾ أي: عِبَر وأدلة على كثير من المطالب الحسنة، ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ أي: لكل مَنْ سأل عنها بلسان الحال أو بلسان المقال؛ فإن السائلين هم الذين ينتفعون بالآيات والعِبَر، وأما المعرضون فلا ينتفعون بالآيات ولا بالقصص والبينات، ﴿إِذْ قَالُوا﴾ فيما بينهم: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ بنيامين؛ أي: شقيقه، وإلا فكلُّهم إخوة، ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي: جماعة، فكيف يفضلهما علينا بالمحبة والشفقة؟ ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: لفي خطأ بَيِّن، حيث فضلَّهما علينا من غير مُوجِب نراه، ولا أمر نشاهده.
﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ أي: غَيِّبوه عن أبيه في أرض بعيدة لا يتمكن من رؤيته فيها؛ فإنكم إذا فعلتم أحد هذين الأمرين ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ أي: يتفرَّغ لكم، ويُقْبل عليكم بالشفقة والمحبة؛ فإنه قد اشتغل قلبه بيوسف شغلًا لا يتفرَّغ لكم، ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ﴾، أي: من بعد هذا الصنيع ﴿قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ أي: تتوبون إلى الله، وتستغفرونه من بعد ذنبكم، فقدَّموا العزم على التوبة قبل صدور الذنب منهم؛ تسهيلا لفعله، وإزالة لشناعته، وتنشيطًا من بعضهم لبعض.
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف: ١٠].
أي: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾: من إخوة يوسف الذين أرادوا قتله أو تبعيده: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾، فإِنَّ قَتْلَه أعظمُ إثمًا وأشنعُ، والمقصود يحصل بتبعيده عن أبيه من غير قتل، ولكن توصلوا إلى تبعيده بأن تُلْقوه ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾، وتتوعَّدوه على أنه لا يخبر بشأنكم، بل على أنه عبد مملوك آبق منكم، لأجل أن ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ الذين يريدون مكانا بعيدًا، فيحتفظون به، وهذا القائل أحسنهم رأيا في يوسف، وأبرُّهم وأتقاهم في هذه القضية؛ فإن بعض الشرِّ أهونُ من بعض، والضرر الخفيف يُدفَع به الضرر الثقيل، فلما اتفقوا على هذا الرأي:﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ، لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ، لَحَافِظُونَ * قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ، وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ * قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [يوسف: ١١ - ١٤].
أي: قال إخوة يوسف متوسّلين إلى مقصدهم لأبيهم: ﴿يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ، لَنَاصِحُونَ﴾، أي:لأيِّ شيء يدخلك الخوف منّا على يوسف من غير سبب ولا موجب، والحال إنَّا ﴿لَهُ، لَنَاصِحُونَ﴾، أي: مشفقون عليه، نَوَدُّ له ما نودُّ لأنفسنا، وهذا يدل على أن يعقوب ﵇لا يترك يوسف يذهب مع إخوته للبريّة ونحوها.
فلما نفوا عن أنفسهم التُّهمة المانعة من عدم إرساله معهم ذكروا له من مصلحة يوسف وأُنْسِه الذي يحبُّه أبوه له ما يقتضي أن يسمح بإرساله معهم، فقالوا: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ أي: يتنزَّه في البريّة ويستأنس، ﴿وَإِنَّا لَهُ،لَحَافِظُونَ﴾ أي: سنراعيه، ونحفظه من أذى يريده، فأجابهم بقوله: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ أي: مجرّد ذهابكم به يحزنني ويشقُّ عليَّ؛ لأنني لا أقدر على فراقه ولو مدة يسيرة؛ فهذا مانعٌ من إرساله، ومانعٌ ثانٍ وهو ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ أي: في حال غفلتكم عنه؛ لأنه صغير لا يمتنع من الذئب، ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي: جماعة حريصون على حفظه؛ ﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ أي: لا خير فينا ولا نفع يُرْجَى منَّا إن أكله الذئب وغلبنا عليه، فلما مهَّدوا لأبيهم الأسباب الداعية لإرساله، وعدم الموانع؛ سمح حينئذ بإرساله معهم لأجل أُنْسه.
﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ، وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ * قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٦ - ١٨].
﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ أي: لما ذهب إخوة يوسف بيوسف بعدما أذن له أبوه، وعزموا على أن يجعلوه في غيابة الجب (١)، كما قال قائلهم السابق ذكره، وكانوا قادرين على ما أجمعوا عليه، فنفذُوا فيه قدرتهم، وألقوه في الجب، ثم إن الله لطف به بأن أوحى إليه وهو في تلك الحال الحَرِجة: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: سيكون منك معاتبة لهم، وإخبارٌ عن أمرهم هذا، وهم لا يشعرون بذلك الأمر.
ففيه بشارة له بأنه سينجو مما وقع فيه، وأن الله سيجمعه بأهله وإخوته على وجه العزِّ والتمكين له في الأرض، ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ ليكون إتيانهم متأخّرًا عن عادتهم، وبكاؤهم دليلًا لهم، وقرينة على صدقهم، فقالوا متعذّرين بعذر كاذب: ﴿يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ إما على الأقدام، أو بالرمي والنضال، ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ توفيرًا له وراحة، ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ في حال غيبتنا عنه واستباقنا، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ أي: تعذرنا بهذا العذر، والظاهر أنك لا تصدقنا؛ لما في قلبك من الحزن على يوسف والرقة الشديدة عليه، ولكن عدم تصديقك إيَّانا لا يمنعنا أن نعتذر بالعذر الحقيقي، وكلُّ هذا تأكيد لعذرهم، ومما أكدوا به قولهم ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ زعموا أنَّه دم يوسف حين أكله الذئب، فلم يصدّقهم أبوهم بذلك، و ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ أي:زيَّنت لكم أنفسكم أمرًا قبيحًا في التفريق بيني وبينه؛ لأنه رأى من القرائن والأحوال ومن رؤيا يوسف التي قصَّها عليه ما دلَّه على ما قال.
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ أي:أمَّا أنا فوظيفتي سأحرص على القيام بها، وهي أني أصبر على هذه المحنة صبرًا جميلًا سالمًا من السخط والتشكّي إلى الخَلْق، وأستعين الله على ذلك، لا على حولي وقوتي، فوعد من نفسه هذا الأمر، وشكا إلى خالقه في قوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾؛ لأنَّ الشكوى إلى الخالق لا تنافي الصبر الجميل؛ لأنَّ النبيَّ إذا وعد وفى.
﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ * وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ١٩ - ٢٠].
أي: مكث يوسف في الجُبِّ ما مكث، حتى جاءت ﴿سَيَّارَةٌ﴾ أي: قافلة تريد مصر، ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ أي:فَرَطهم ومُقدَّمهم الذي يَعُسُّ لهم المياه، ويَسْبِرها، ويستعد لهم بتهيئة الحياض، ونحو ذلك، ﴿فَأَدْلَى﴾ ذلك الوارد ﴿دَلْوَهُ﴾ فتعلق فيه يوسف ﵇ وخرج، ﴿قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ أي: استبشر، وقال: هذا غلامٌ نفيسٌ، ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾، وكان إخوته قريبًا منه، فاشتراه السيارةُ منهم،﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أي: قليل جدًّا، فسرَّه بقوله: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾؛ لأنه لم يكن لهم قصدٌ إلا تغييبه وإبعاده عن أبيه، ولم يكن لهم قصدٌ في أخذ ثمنه، والمعنى في هذا: أنَّ السيارة لما وجدوه عزموا أن يُسرُّوا أمره، ويجعلوه من جملة بضائعهم التي معهم، حتى جاءهم إخوته فزعموا أنَّه عبدٌ أبق منهم، فاشتروه منهم بذلك الثمن، واستوثقوا منهم فيه لئلا يهرب، والله أعلم.
﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١].
أي: لما ذهب به السيارة إلى مصر وباعوه بها، فاشتراه عزيز مصر، فلما اشتراه أعجب به، ووصى به امرأته، وقال:﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ أي: إما أن ينفعنا كنفع العبيد بأنواع الخدم، وإما أن نستمتع فيه استمتاعنا بأولادنا، ولعلَّ ذلك أنه لم يكن لهما ولد،﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: كما يسَّرنا له أن يشتريه عزيز مصر، ويُكرمه هذا الإكرام؛ جعلنا هذا مقدمة لتمكينه في الأرض من هذا الطريق، ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ إذا بقي لا شغل له ولا همَّ له سوى العلم صار ذلك من أسباب تعلُّمه علمًا كثيرًا من علم الأحكام، وعلم التعبير، وغير ذلك، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ أي: أمره تعالى نافذ لا يبطله مبطل، ولا يغلبه مغالب، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فلذلك يجري منهم، ويصدر ما يصدر في مغالبة أحكام الله القدرية، وهم أعجز وأضعف من ذلك.
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٢٢]، أي: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ﴾ يوسف ﴿أَشُدَّهُ﴾ أي: كمال قوته المعنوية والحسية، وصلح لأن يتحمل الأحمال الثقيلة من النبوة والرسالة ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ أي: جعلناه نبيًّا رسولًا وعالمًا ربانيًّا، ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ في عبادة الخالق ببذل الجهد والنصح فيها، وإلى عباد الله ببذل النفع والإحسان إليهم، نؤتيهم من جملة الجزاء على إحسانهم علمًا نافعًا.
ودلَّ هذا على أن يوسف وفَّى مقام الإحسان، فأعطاه الله الحكم بين الناس، والعلم الكثير والنبوة.
﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ * وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي
وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٣ - ٢٩].
هذه المحنة العظيمة أعظم على يوسف من محنة إخوته، وصبره عليها أعظمُ أجرًا؛ لأنهُ صبرُ اختيارٍ مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوع الفعل، فقدَّمَ محبةَ الله عليها، وأما محنته بإخوته فصَبْرُه صبرُ اضطرار؛ بمنزلة الأمراض والمكاره التي تُصيب العبد بغير اختياره، وليس له ملجأ إلا الصبر عليها طائعًا أو كارهًا، وذلك أنَّ يوسف ﵊ بقي مكرَّمًا في بيت العزيز، وكان له من الجمال والكمال والبهاء ما أوجب ذلك أن راودته ﴿الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: هو غلامها، وتحت تدبيرها، والمسكن واحد، يتيسر إيقاع الأمر المكروه من غير إشعار أحدٍ، ولا إحساس بشرٍ، وزادت المصيبة بأن ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ وصار المحلُّ خاليًا، وهما آمنان من دخول أحدٍ عليهما، بسبب تغليق الأبواب، وقد دعته إلى نفسها ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ أي:افعل الأمر المكروه وأقْبِلْ إليَّ! ومع هذا فهو غريبٌ لا يحتشم مثله ما يحتشمه إذا كان في وطنه وبين معارفه، وهو أسيرٌ تحت يدها، وهي سيدته، وفيها من الجمال ما يدعو إلى ما هنالك، وهو شابٌّ عزبٌ، وقد توعَّدته إن لم يفعل ما تأمره به بالسجن أو العذاب الأليم، فصبر عن معصية الله، مع وجود الداعي القويِّ فيه؛ لأنه قد همَّ فيها هَمًّا تركه لله، وقدَّم مراد الله على مراد النفس الأمَّارة بالسوء، ورأى من برهان ربه - وهو ما معه من العلم والإيمان الموجب لترك كلِّ ما حرَّم الله - ما أوجب له البُعد والانكفاف عن هذه المعصية الكبيرة، و ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ أي: أعوذ بالله أن أفعل هذا الفعل القبيح؛ لأنه مما يُسخط الله ويُبعد منه، ولأنه خيانةٌ في حقِّ سيِّدي
الذي أكرم مثواي؛ فلا يليق بي أن أقابله في أهله بأقبح مقابلة، وهذا من أعظم الظلم، والظالم لا يُفْلِح.
والحاصل أنه جعل الموانع له من هذا الفعل تقوى الله، ومراعاة حقّ سيّده الذي أكرمه، وصيانة نفسه عن الظُّلم الذي لا يُفْلِح من تعاطاه، وكذلك ما منَّ الله عليه من برهان الإيمان الذي في قلبه يقتضي منه امتثال الأوامر واجتناب الزواجر، والجامع لذلك كله أنَّ الله صرف عنه السوء والفحشاء؛ لأنه من عباده المخلصين له في عباداتهم، الذين أخلصهم الله واختارهم واختصهم لنفسه، وأسدى عليهم من النِّعم، وصرف عنهم من المكاره ما كانوا به من خيار خَلْقه.
ولما امتنع من إجابة طلبها بعد المراودة الشديدة ذهب ليهرب عنها ويبادر إلى الخروج من الباب ليتخلَّص ويهرب من الفتنة، فبادرت إليه، وتعلَّقت بثوبه، فشقَّت قميصه، فلما وصلا إلى الباب في تلك الحال أَلْفَيَا (٢) سيدها، أي:زوجها لدى الباب، فرأى أمرًا شقَّ عليه، فبادرت إلى الكذب، وأن المراودة قد كانت من يوسف، وقالت: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ ولم تقل: "من فعل بأهلك سوءًا"؛ تبرئةً لها، وتبرئة له أيضًا من الفعل، وإنما النّزاع عند الإرادة والمراودة، ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي:أو يعذَّب عذابًا أليمًا.
فبرَّأ نفسه مما رَمَتْه به، وقال: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ فحينئذ احتملت الحال صِدْقَ كلّ واحد منهما، ولم يعلم أيهما، ولكنَّ الله تعالى جعل للحق والصدق علامات وأمارات تدلُّ عليه، قد يعلمها العباد وقد لا يعلمونها، فمنَّ الله تعالى في هذه القضية بمعرفة الصادق منهما، تبرئةً لنبيّه وصفيّه يوسف ﵇، فانبعث شاهد من أهل بيتها يشهد بقرينة من وُجِدت معه فهو الصادق، فقال: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾؛ لأن
(ذلك يدلُّ على أنه هو المقبل عليها المراودُ لها المعالج، وأنها أرادت أن تدفعه عنها، فشقَّت قميصه من هذا الجانب.
﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ لأنَّ ذلك يدلُّ على هروبه منها؛ وأنها هي التي طلبته، فشقَّت قميصه من هذا الجانب، ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ عرف بذلك صدق يوسف وبراءته، وأنَّها هي الكاذبة،فقال لها سيدها: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾، وهل أعظم من هذا الكيد الذي برَّأت به نفسها ممَّا أرادت وفعلتْ، ورَمَتْ به نبيَّ الله يوسف ﵇، ثم إنَّ سيدها لما تحقق الأمر قال ليوسف: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أي: اترك الكلام فيه وتناسَهُ ولا تذكره لأحد؛ طلبًا للستر على أهله، ﴿وَاسْتَغْفِرِي﴾ أيتها المرأة ﴿لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾، فأمر يوسف بالإعراض، وهي بالاستغفار والتوبة.
﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٠ - ٣٥].
يعني: أن الخبر اشتهر وشاع في البلد، وتحدَّث به النسوة، فجعلن يَلُمْنَها، ويقلْن: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ أي: هذا أمرٌ مُسْتَقْبَحٌ! هي امرأةٌ كبيرةُ القدر، وزوجها كبير القدر، ومع هذا لم تزَلْ تراودُ فتاها الذي تحت يدها وفي خدمتها عن نفسه، ومع هذا فإنَّ حبَّه قد بلغ من قلبها مبلغًا عظيمًا.
﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ أي:وصل حبُّه إلى شغاف قلبها، وهو باطنه
وشُوَيْدَاؤه، وهذا أعظم ما يكون من الحب.
﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ حيث وُجدت منها هذه الحالة التي لا تنبغي منها، وهي حالة تحطّ قدرها وتضعه عند الناس، وكان هذا القول منهنَّ مَكْرًا، ليس المقصود به مجرد اللوم لها والقدح فيها، وإنَّما أردن أن يتوصلن بهذا الكلام إلى رؤية يوسف الذي فُتِنَتْ به امرأة العزيز لتَحْنَق امرأة العزيز وتريهنَّ إياه ليَعْذِرْنَها، ولهذا سماه مكرا، فقال: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ تدعوهنَّ إلى منزلها للضيافة، ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ أي: محلًا مُهَيَّأ بأنواع الفرش والوسائد، وما يقصد بذلك من المآكل اللذيذة، وكان في جملة ما أتت به وأحضرته في تلك الضيافة طعام يحتاج إلى سكين، إما أُتْرُجٌ، أو غيره، ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِينًا﴾ ليقطعن فيها ذلك الطعام، ﴿وَقَالَتِ﴾ ليوسف: ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ في حالة جماله وبهائه.
﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أي: أعْظَمْنَه في صدورهنَّ، ورأين منظرًا فائقًا لم يشاهدن مثله، ﴿وَقَطَّعْنَ﴾ من الدَّهش ﴿أَيْدِيَهُنَّ﴾ بتلك السكاكين اللاتي معهن، ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ أي: تنزيها لله، ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾، وذلك أن يوسف أُعطي من الجمال الفائق والنور والبهاء ما كان به آيةً للناظرين، وعبرةً للمتأملين.
فلما تقرَّر عندهن جمال يوسف الظاهر، وأعجبهن غاية الإعجاب، وظهر منهن من العذر لامرأة العزيز شيء كثير؛ أرادت أن تُرِيَهُنَّ جماله الباطن بالعفة التامة، فقالت معلنة لذلك ومُبيِّنة لحبه الشديد غير مبالية، ولأن اللُّوم انقطع عنها من النسوة: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَاسْتَعْصَمَ﴾ أي: امتنع، وهي مقيمة على مراودته، لم يزدها مرور الأوقات إلا قلقًا ومحبةً وشوقًا لوصاله وتوقًا، ولهذا قالت له بحضرتهنَّ: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾؛ لتلجئه بهذا الوعيد إلى حصول مقصودها منه، فعند ذلك اعتصم يوسف بربه، واستعان به على كيدهنَّ، و ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾، وهذايدلُّ على أن النسوة جعلن يُشِرن على يوسف في مطاوعة سيدته، وجعلن يكدنه في ذلك، فاستحبَّ السجن والعذاب الدنيويَّ على لذَّةٍ حاضرة توجب العذاب الشديد،﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أي: أمِل إليهنَّ؛ فإني ضعيفٌ عاجز إن لم تدفع عنِّي السوء، ﴿وَأَكُنْ﴾ إن صَبَؤتُ إليهن ﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، فإن هذا جهلٌ؛ لأنه آثَرَ لذة قليلة منغّصة على لذات متتابعات وشهوات متنوعات في جنات النعيم، ومَن آثَرَ هذا على هذا فمَن أجهل منه؟! فإن العلم والعقل يدعو إلى تقديم أعظم المصلحتين وأعظم اللذَّتين، ويؤثر ما كان محمودَ العاقبة، ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ حين دعاه، ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ فلم تزل تراودُه وتستعين عليه بما تقدر عليه من الوسائل حتى أيَّسها، وصرف الله عنه كيدها، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعاء الداعي، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بنيّته الصالحة، وبنيّته الضعيفة المقتضية لإمداده بمعونته ولُطفه، فهذا ما نجَّى الله به يوسف من هذه الفتنة المُلِمَّة والمحنة الشديدة، وأما أسياده فإنَّه لما اشتهر الخبر وبَانَ، وصار الناس فيها بين عاذر ولائم وقادح، ﴿بَدَا لَهُمْ﴾ أي: ظهر لهم ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ الدالة على براءته،﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ أي: لينقطع بذلك الخبر ويتناساه الناس؛ فإنَّ الشيء إذا شاع لم يزل يُذكر، ويُشاع مع وجود أسبابه، فإذا عُدمت أسبابه نُسي، فرأوا أنَّ هذا مصلحة لهم، فأدخلوه في السجن.
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ * يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْوَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٣٦ - ٤١].
أي: ولما دخل يوسف السجن كان في جملة من دخل ﴿مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ أي: شابان، فرأى كلُّ واحد منهما رؤيا، فقصَّها على يوسف ليعبرها، ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾، وذلك الخبز ﴿تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي: بتفسيره، وما يؤول إليه أمرهما، وقولهما: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: من أهل الإحسان إلى الخلق، فأحسنا إلينا في تعبيرك لرؤيانا، كما أحسنت إلى غيرنا، فتوسَّلا ليوسف بإحسانه،فقال لهما مجيبًا لطلبهما: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ أي: فلتطمئن قلوبكما، فإني سأبادر إلى تعبير رؤياكما، فلا يأتيكما غداؤكما، أو عشاؤكما، أول ما يجيء إليكما، إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما، ولعل يوسف ﵇ قصد أن يدعوهما إلى الإيمان في هذه الحال التي بَدَتْ حاجتهما إليه؛ ليكون أنجع لدعوته، وأقبل لهما، ثم قال: ﴿ذَلِكُمَا﴾ التعبير الذي سأعبره لكما ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ أي: هذا من علم الله علَّمنيه وأحسن إليَّ به، وذلك ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾، والتَّرك كما يكون للداخل في شيء ثم ينتقل عنه يكون لمن لم يدخل فيه أصلًا، فلا يقال: إن يوسف كان من قبل على غير ملة إبراهيم، ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾،ثم فَسَّر تلك الملة بقوله: ﴿مَا كَانَ لَنَا﴾ أي: ما ينبغي ولا يليق بنا ﴿أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾، بل نُفْرد الله بالتوحيد، ونُخْلِص له الدين والعبادة، ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ﴾ أي: هذا من أفضل مِنَنِه وإحسانه وفضله علينا، وعلى من هداه الله كما هدانا؛فإنه لا أفضل من منَّة الله على العباد بالإسلام والدين القويم؛ فَمَنْ قَبِله وانقاد له فهو حظُّه، وقد حصل له أكبر النِّعَم وأجلّ الفضائل، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾، فلذلك تأتيهم المنَّة والإحسان، فلا يقبلونها ولا يقومون لله بحقه، وفي هذا من الترغيب للطريق التي هو عليها ما لا يخفى، فإن الفتَيَيْنِ لما تقرَّر عنده أنهما رأياه بعين التعظيم والإجلال، وأنه محسنٌ معلمٌ؛ ذكر لهما أنَّ هذه الحالة التي أنا عليها كلها من فضل الله وإحسانه، حيث منَّ عليَّ بترك الشرك وباتّباع ملة آبائه، فبهذا وصلتُ إلى ما رأيتما، فينبغي لكما أن تسلُكا ما سلكتُ، ثم صرح لهما بالدعوة،فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ أي: أربابٌ عاجزة ضعيفة لا تنفع ولا تضر، ولا تعطي ولا تمنع، وهي متفرّقة ما بين أشجار وأحجار وملائكة وأموات، وغير ذلك من أنواع المعبودات التي يتخذها المشركون، أتلك ﴿خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ﴾ الذي له صفات الكمال، ﴿الْوَاحِدُ﴾ في ذاته وصفاته وأفعاله، فلا شريك له في شيء من ذلك، ﴿الْقَهَّارُ﴾ الذي انقادت الأشياء لقهره وسلطانه؛ فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾.
ومن المعلوم أن مَنْ هذا شأنه ووَصْفُه خيرٌ من الآلهة المتفرقة التي هي مجرّد أسماء، لا كمال لها ولا أفعال لديها،ولهذا قال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ أي: كسوتموها أسماءً، وسميتموها آلهة، وهي لا شيء، ولا فيها من صفات الألوهية شيء، ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ بل أنزل الله السلطان بالنهي عن عبادتها وبيان بطلانها، وإذا لم يُنْزِلِ الله بها سلطانًا لم يكن طريقٌ ولا وسيلةٌ ولا دليلٌ لها؛ لأن الحكم لله وحده، فهو الذي يأمر وينهى، ويشرِّع الشرائع، ويسنُّ الأحكام، وهو الذي أمركم، ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي:المستقيم الموصل إلى كل خير، وما سواه من الأديان فإنها غير مستقيمة، بل معوجّة تُوصل إلى
كل شر، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ حقائق الأشياء، وإلا فإن الفرق بين عبادة الله وحده لا شريك له، وبين الشرك به، أظهر الأشياء وأبينها، ولكن لعدم العلم من أكثر الناس بذلك حصل منهم ما حصل من الشرك، فيوسف ﵇ دعا صاحبي السجن لعبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، فيُحتمل أنهما استجابا وانقادا، فتمت عليهما النعمة، ويُحتمل أنهما لم يزالا على شركهما، فقامت عليهما بذلك الحجة، ثم إنه ﵇ شرع يعبر رؤياهما بعدما وعدهما ذلك، فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾، وهو الذي رأى أنه يعصرُ خمرًا، فإنه يخرج من السجن،﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ أي: يسقي سيده الذي كان يخدمه خمرًا، وذلك مستلزم لخروجه من السجن، ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾ وهو:الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه، ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ فإنه عبّر عن الخبز الذي تأكله الطير بلحم رأسه وشحمه، وما فيه من المخ، وأنه لا يُقْبَر ويُسْتَر عن الطيور، بل يُصْلَب ويُجْعَل في محلّ تتمكن الطيور من أكله، ثم أخبرهما بأنّ هذا التأويل الذي تأوّله لهما أنه لا بدّ من وقوعه، فقال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ أي: تسألان عن تعبيره وتفسيره.
﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ، فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢].
أي: ﴿وَقَالَ﴾ يوسف ﵇ ﴿لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾، وهو الذي رأى أنه يعصر خمرًا: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: اذكر له شأني وقصّتي، لعله يرقُّ لي، فيُخرجني مما أنا فيه، ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ أي: فأنسى الشيطان ذلك الناجي ذِكرَ الله تعالى، وذِكْرَ ما يُقرِّب إليه، ومن جملة ذلك نسيانه ذِكْرَ يوسف الذي يستحقُّ أن يُجازى بأتم الإحسان، وذلك ليتمَّ الله أمره وقضاءه، ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾، والبضع من الثلاث إلى التسع، ولهذا قيل: إنه لبث سبع سنين، ولما أراد الله أن يتم أمره، ويأذن بإخراجيوسف من السجن؛ قدَّر لذلك سببًا لإخراج يوسف وارتفاع شأنه وإعلاء قدره، وهو رؤيا الملك.
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣ - ٤٩].
لما أراد الله تعالى أن يُخرج يوسف من السجن أرى الله الملك هذه الرؤيا العجيبة، التي تأويلها يتناول جميع الأمة؛ ليكون تأويلها على يد يوسف، فيُظهر من فضله، ويبيّن من علمه ما يكون له رفعةً في الدارين، ومن التقادير المناسبة أن الملك الذي ترجع إليه أمور الرعية هو الذي رآها؛ لارتباط مصالحها به، وذلك أنه رأى رؤيا هَالَتْهُ (٣)، فجمع لها علماء قومه وذوي الرأي منهم، وقال: ﴿إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ﴾، أي: سبعًا من البقرات ﴿عِجَافٌ﴾، وهذا من العجب، أن السبع العجاف الهزيلات اللاتي سقطت قوّتهن يأكلن السبع السمان التي كنَّ نهايةً في القوة، ورأيتُ سبع ﴿سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ﴾ يأكلهن سبع سنبلات يابسات؛ ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾؛ لأنَّ تعبير الجميع واحدٌ، وتأويلهنَّ شيءٌ واحدٌ، ﴿إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ فتحيّروا، ولم يعرفوا لها وجهًا، و ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي: أحلام لا حاصل لها، ولا لها
تأويلٌ، وهذا جَزْمٌ منهم بما لا يعلمون، وتعدُّرٌ منهم بما ليس بعُذْر، ثم قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ أي: لا نعبر إلا الرؤيا، وأما الأحلام التي هي من الشيطان، أو من حديث النفس، فإنا لا نعبرها.
فجمعوا بين الجهل والجزم بأنها أضغات (٤) أحلام، والإعجاب بالنفس، بحيث إنهم لم يقولوا: لا نعلم تأويلها! وهذا من الأمور التي لا تنبغي لأهل الدين والحِجَى (٥)، وهذا أيضًا من لُطْف الله بيوسف ﵇.
فإنه لو عبرها ابتداءً قبل أن يعرضها على الملأ من قومه وعلمائهم فيعجزوا عنها؛ لم يكن لها ذلك الموقع، ولكن لما عرضها عليهم فعجزوا عن الجواب، وكان الملك مهتمًّا لها غايةً، فعبَّرها يوسف؛ وقعت عندهم موقعًا عظيمًا.
وهذا نظيرُ إظهار الله فضْلَ آدم على الملائكة بالعلم، بعد أن سألهم فلم يعلموا، ثم سأل آدم، فعلَّمهم أسماء كل شيء، فحصل بذلك زيادة فضله، وكما يُظهر فضل أفضل خَلْقِه محمد ﷺ في القيامة أن يُلهم الله الخَلْق أن يتشفَّعوا بآدم، ثم بنوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى ﵈، فيعتذرون عنها، ثم يأتون محمدًا ﷺ فيقول: «أنا لها، أنا لها»، فيشفع في جميع الخلق وينال ذلك المقام المحمود الذي يَغْبِطه به الأولون والآخرون، فسبحان من خَفِيَت ألطافه، ودقَّت في إيصاله البِرَّ والإحسان إلى خواصّ أصفيائه وأوليائه.
﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ أي: من الفتيَيْنِ، وهو: الذي رأى أنه يعصرُ خمرًا، وهو الذي أوصاه يوسف أن يذكره عند ربه،﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: وتذكَّر يوسف، وما جرى له في تعبيره لرؤياهما، وما وصَّاه به، وعَلِم أنه كفيلٌ بتعبيرهذه الرؤيا بعد مدة من السنين، فقال: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ إلى يوسف لأسأله عنها، فأرسلوه، فجاء إليه، ولم يعنفه يوسف على نسيانه، بل استمع ما يسأله عنه، وأجابه عن ذلك، فقال: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ أي: كثير الصدق في أقواله وأفعاله، ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، فإنهم متشوفون لتعبيرها، وقد أهمتهم، فعبر يوسف السبع البقرات السمان والسبع السنبلات الخضر بأنهن سبع سنين مُخصبات، والسبع البقرات العجاف والسبع السنبلات اليابسات بأنهن سنين مُجدبات، ولعلّ وجه ذلك - والله أعلم - أنَّ الخصب والجدب لما كان الحرث مبنيًا عليه، وأنه إذا حصل الخصب قويت الزروع والحروث، وحسن منظرها، وكثرت غلالها، والجدب بالعكس من ذلك، وكانت البقر هي التي تُحرث عليها الأرض، وتُسقى عليها الحروث في الغالب، والسنبلات هي أعظم الأقوات وأفضلها؛ عبرها بذلك؛ لوجود المناسبة، فجمع لهم في تأويلها بين التعبير والإشارة لما يفعلونه، ويستعدُّون به من التدبير في سني الخصب إلى سني الجدب، فقال: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ أي: متتابعات، ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ﴾ من تلك الزروع، ﴿فَذَرُوهُ﴾ أي: اتركوه ﴿فِي سُنبُلِهِ﴾؛ لأنه أبقى له وأبعد من الالتفات إليه، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ أي: دبروا أيضًا أكلكم في هذه السنين الخصبة، وليكن قليلًا؛ ليكثر ما تدَّخرون ويعظم نفعه ووقعه، ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: بعد تلك السنين السبع المخصبات، ﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ أي: مُجدبات جدًّا ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أي: يأكلن جميع ما ادَّخرتموه ولو كان كثيرًا، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ أي: تمنعونه من التقديم لهن، ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: بعد السبع الشداد ﴿عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ أي: فيه تَكثرُ الأمطار والسيول، وتكثر الغلات، وتزيد على أقواتهم، حتى إنهم يعصرون العنب ونحوه زيادةً على أكلهم، ولعلّاستدلاله على وجود هذا العام الخصب، مع أنه غير مُصرَّح به في رؤيا الملك؛ لأنه فهم من التقدير بالسبع الشداد أنَّ العام الذي يليها يزول به شدَّتُها، ومن المعلوم أنَّه لا يزول الجدب المستمرُّ سبع سنين متوالياتٍ إلا بعام مُخصبٍ جدًّا، وإلا لما كان للتقدير فائدة، فلما رجع الرسول إلى الملك والناس، وأخبرهم بتأويل يوسف للرؤيا؛ عجبوا من ذلك، وفرحوا بها أشدَّ الفرح.
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ * قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ * وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٠ - ٥٧].
يقول تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ لمن عنده ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ أي: بيوسف ﵇، بأن يُخرجوه من السجن ويُحضِروه إليه، فلما جاء يوسف الرسولُ وأمره بالحضور عند الملك امتنع عن المبادرة إلى الخروج، حتَّى تتبيّن براءته التامة، وهذا من صبره وعقله ورأيه التام، فقال للرسول: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ يعني به: الملك، ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ أي: اسأله ما شأنهن وقصتهن؛ فإنَّ أمرهن ظاهرٌ متضح، ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾، فأحضرهنَّ الملك،وقال: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾ أي: شأنكُن ﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ فهل رأيتن منه ما يَريب؟! فبرَّأنه و ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ أي: لا قليل ولا كثير، فحينئذ زال السببُ الذي تُبنَى عليه التُّهمة، ولم يَبْقَ إلا ما عند امرأة العزيز، فقالت
﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ أي: تمحص وتبين بعدما كنّا نُدخل معه من السوء والتهمة ما أوجب السجن ليوسف، ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في أقواله وبراءته، ﴿ذَلِكَ﴾ الإقرار الذي أقررت أني راودت يوسف، ﴿لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ يحتمل أن مرادها بذلك زوجها؛ أي: ليعلم أني حين أقررت أني راودت يوسف أني لم أخُنْه بالغيب، أي: لم يَجْرِ منّي إلا مجرَّد المراودة، ولم أُفسِدْ عليه فراشه، ويُحتمل أنَّ المراد بذلك ليعلم يوسف حين أقررت أني أنا التي راودتُه، وأنه صادقٌ؛ أني لم أخُنْه في حال غَيْبته عني، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ فإنَّ كلَّ خائن لا بدَّ أن تعود خيانته ومكره على نفسه، ولا بدَّ أن يتبيَّن أمره.
ثم لما كان في هذا الكلام نوع تزكية لنفسها، وأنه لم يَجْرِ منها ذنب في شأن يوسف استدركت فقالت: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ أي: من المراودة والهمّ، والحرص الشديد، والكيد في ذلك، ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ أي: لكثيرة الأمر لصاحبها بالسوء، أي: الفاحشة، وسائر الذنوب؛ فإنها مركب الشيطان، ومنها يدخل على الإنسان، ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ فنجَّاه من نفسه الأمَّارة، حتى صارت نفسه مطمئنةً إلى ربها، منقادة لداعي الهدى، متعاصية عن داعي الرَّدى، فذلك ليس من النفس، بل من فضل الله ورحمته بعبده،﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: هو غفور لمن تجرَّأ على الذنوب والمعاصي، إذا تاب وأناب، ﴿رَحِيمٌ﴾ بقبول توبته، وتوفيقه للأعمال الصالحة، وهذا هو الصوابُ؛ أنَّ هذا من قول امرأة العزيز، لا من قول يوسف؛ فإنَّ السياق في كلامها ويوسف إذ ذاك في السجن لم يحضر، فلما تحقق الملك والناس براءةَ يوسف التامة أرسل إليه الملِك، وقال: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أي: أجعله خصيصة لي ومقرَّبًا لديَّ.
فأتوه به مكرَّمًا محترمًا، ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ أعجبه كلامه، وزاد موقعه عنده، فقال له: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا﴾ أي: عندنا ﴿مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ أي: متمكِّن، أمينٌ على الأسرار، فقال يوسف طلبًا للمصلحة العامة:﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ أي: على خزائن جبايات الأرض وغلالها، وكيلًا حافظًا مدبرًا، ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ أي: حفيظ للذي أتولاه فلا يضيع منه شيء في غير محله، وضابط للداخل والخارج، عليم بكيفية التدبير والإعطاء والمنع والتصرُّف في جميع أنواع التصرفات، وليس ذلك حرصًا من يوسف على الولاية، وإنما هو رغبة منه في النفع العام، وقد عرف من نفسه من الكفاءة والأمانة والحفظ ما لم يكونوا يعرفونه، فلذلك طلب من الملك أن يجعله على خزائن الأرض، فجعله الملك على خزائن الأرض وولاه إياها.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: بهذه الأسباب والمقدّمات المذكورة، ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ في عيش رغد، ونعمة واسعة، وجاه عريض، ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ أي: هذا من رحمة الله بيوسف التي أصابه بها وقدَّرها له، وليست مقصورة على نعمة الدنيا، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، ويوسف ﵇ من سادات المحسنين، فله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ولهذا قال: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ من أجر الدنيا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ أي: لِمَنْ جَمَع بين التقوى والإيمان؛ فبالتقوى تُترك الأمور المحرَّمة من كبائر الذنوب وصغائرها، وبالإيمان التام يحصل تصديق القلب بما أمر الله بالتصديق به، وتتبعه أعمال القلوب وأعمال الجوارح من الواجبات والمستحبَّات.
﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ * وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ * فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ * قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ * وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ
رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ * قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ * وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ * وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٥٨ - ٦٨].
أي: لما تولى يوسف ﵇ خزائن الأرض دبَّرها أحسن تدبير، فزرع في أرض مصر جميعها في السنين الخصبة زروعًا هائلة، واتَّخذ لها المحلَّات الكبار، وجبى من الأطعمة شيئًا كثيرًا وحفظه، وضبطه ضبطًا تامًا، فلما دخلت السنون المجدبة، وسرى الجدب حتى وصل إلى فلسطين التي يقيم فيها يعقوب وبنوه، فأرسل يعقوب بنيه لأجل الميرة (٦) إلى مصر،﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أي: لم يعرفوه، ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾، أي:كَالَ لهم كما كان يَكيل لغيرهم، وكان من تدبيره الحسن أنه لا يَكيل لكل واحد أكثر من حمل بعير، وكان قد سألهم عن حالهم، فأخبروه أن لهم أخًا عند أبيهم، وهو بنيامين، فقال لهم: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾، ثم رغَّبهم في الإتيان به، فقال: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ في الضيافة والإكرام، ثم رهَّبهم بعدم الإتيان به، فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾، وذلك لعلمه باضطرارهم إلى الإتيان إليه، وأنَّ ذلك يحملهم على الإتيان به، فقالوا: ﴿سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾، دلَّ هذا على أن يعقوب ﵇ كان مولَعًا به لا يصبر عنه، وكان يتسلَّى به بعد يوسف، فلذلكاحتاج إلى مراودةٍ في بعثِهِ معهم، ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ لما أمرتنا به، ﴿وَقَالَ﴾ يوسف ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾ الذين في خدمته: ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ أي: الثمن الذي اشتروا به من الميرة، ﴿فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾ أي: بضاعتهم إذا رأوها بعد ذلك في رحالهم؛ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ لأجل التحرج من أخذها على ما قيل، والظاهر أنه أراد أن يرغبهم في إحسانه إليهم بالكيل لهم كيلًا وافيًا، ثم إعادة بضاعتهم إليهم على وجه لا يُحِسُّون بها، ولا يشعرون لما يأتي؛ فإنَّ الإحسان يوجب للإنسان تمام الوفاء للمُحسن، ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ أي: إن لم تُرْسِلْ معنا أخانا ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ أي: ليكون ذلك سببًا لكيلنا، ثم التزموا له بحفظه، فقالوا: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ من أن يعرض له ما يكره، ﴿قَالَ﴾ لهم يعقوب ﵇: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قد تقدَّم منكم التزام، أكثر من هذا في حفظ يوسف، ومع هذا لم تَّفُوا بما عقدتم من التأكيد، فلا أثق بالتزامكم وحفظكم، وإنما أثق بالله تعالى، ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ أي: يعلم حالي، وأرجو أن يرحمني، فيحفظه ويردُّه عليَّ، وكأنَّه في هذا الكلام قد لان لإرساله معهم.
ثم إنهم لما ﴿فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ هذا دليلٌ على أنه قد كان معلومًا عندهم أن يوسف قد ردَّها عليهم بالقصد، وأنه أراد أن يملكهم إياها، فقالوا لأبيهم ترغيبًا في إرسال أخيهم معهم: ﴿يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ أي: أيُّ شيء نطلب بعد هذا الإكرام الجميل، حيث وفَّى لنا الكيل، وردَّ علينا بضاعتنا على هذا الوجه الحسن، المتضمن للإخلاص ومكارم الأخلاق؟! ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي: إذا ذهبنا بأخينا صار سببًا لكيله لنا، فَمِرنا أهلنا، وأتينا لهم بما هم مضطرون إليه من القوت، ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ بإرساله معنا؛ فإنه يكيل لكل واحد حِمْل بعير، ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أي: سهل لا ينالك ضررٌ؛ لأن المدة لا تطول، والمصلحة قدتبينت.
فقال لهم يعقوب: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أي: عهدًا ثقيلًا وتحلفون بالله ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي: إلا أن يأتيكم أمرٌ لا قِبَل لكم به، ولا تقدرون دفعه، ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ على ما قال وأراد؛ ﴿قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ أي: تكفينا شهادته علينا وحفظه وكفالته.
ثم لما أرسله معهم وصّاهم إذا هم قدموا مصر أن لا يدخلوا ﴿مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾، وذلك أنه خاف عليهم العين؛ لكثرتهم وبهاء مَنْظَرهم؛ لكونهم أبناء رجل واحد، وهذا سبب، وإلا فما ﴿أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ فالمقدّر لا بدَّ أن يكون، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ أي:القضاء قضاؤه، والأمر أمره، فما قضاه وحكم به لا بدَّ أن يقع، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: اعتمدت على الله، لا على ما وصّيتكم به من السبب، ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ فإن بالتوكّل يحصل كل مطلوب، ويندفع كل مرهوب، ﴿وَلَمَّا﴾ ذهبوا و ﴿دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ﴾ ذلك الفعل ﴿يُغْنِي عَنْهُم مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾، وهو موجب الشفقة والمحبة للأولاد، فحصل له في ذلك نوع طمأنينة، وقضاء لما في خاطره، وليس هذا قصورًا في علمه، فإنه من الرسل الكرام والعلماء الربانيين، ولهذا قال عنه: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ﴾ أي: لَصاحب علم عظيم، ﴿لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ أي: لتعليمنا إيّاه، لا بحوله وقوّته أدْرَكه، بل بفضل الله وتعليمه، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ عواقب الأمور ودقائق الأشياء، وكذلك أهل العلم منهم يخفى عليهم من العلم وأحكامه ولوازمه شيء كثير.
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ * قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِم مَاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَاجِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ * قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ * قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ * فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ * قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ * قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف: ٦٩ - ٧٩].
أي: لما دخل إخوة يوسف على يوسف ﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ أي: شقيقه، وهو «بنيامين» الذي أمرهم بالإتيان به، وضمه إليه، واختصّه من بين إخوته، وأخبره بحقيقة الحال، و ﴿قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ أي: لا تحزن، ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فإنَّ العاقبة خير لنا، ثم أخبره بما يريد أن يصنع ويتحيَّل لبقائه عنده إلى أن ينتهي الأمر، ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ أي: كال لكل واحدٍ من إخوته، ومن جملتهم أخوه هذا،﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ وهو: الإناء الذي يُشرب به، ويُكال فيه، ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ﴾ أَوْعَوْا متاعهم (٧)، فلما انطلقوا ذاهبين ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾، ولعل هذا المؤذِّن لم يعلم بحقيقة الحال، ﴿قَالُوا﴾ أي: إخوة يوسف، ﴿وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ لإبعاد التُّهمة؛ فإنَّ السارق ليس له همٌّ إلا البُعْد والانطلاق عمَّن سرق منه؛ لتسلُم له سرقته، وهؤلاء جاؤوا مُقبلين إليهم، ليس لهم همٌّ إلا إزالة التهمة التي رُمُوا بها عنهم، فقالوا في هذه الحال: ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾؟ ولم يقولوا: "ما الذي سرقنا؟ "؛ لجزمهم بأنهم بُرَآء من السرقة، ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أي: أجرة له
(١) الغيابة: كل ما غُيِّب عنك، والجبُّ: البئر.
(٢) أي: وَجَدَا.
(٣) أي: أفزعته.
(٤) أي: أخلاط.
(٥) أي: العقول.
(٦) الميرة.
يقال: مارَ أهله ويَميرُهم مَيْرًا، وهو مائِرٌ أهله؛ إذا حمل إليهم أقواتهم من غير بلده.
(٧) أي: جعلوا متاعهم في أوعيتهم.
مختارات

