فوائد من هذه القصة.. (قصة هود)
ما تقدَّم في قصة نوح من الفوائد المشتركة بين الرسل.
ومنها: أن الله بحكمته يَقُصُّ علينا نبأ الأمم المجاورين لنا في جزيرة العرب وما حولها؛ لأن القرآن يذكر أعلى الطرق في التذكير، والله تعالى صرَّف فيه التذكيرات تصريفًا نافعًا.
ولا ريب أن الأقطار النائية عنا في مشارق الأرض ومغاربها قد بعث الله إليهم رسلًا، ولهم معهم نظير ما للمذكورين من إجابة وردّ وإكرام وعقوبة، وما من أمة إلا بعث الله فيهم رسولًا، ولكن نفعنا بتذكيرنا بما حولنا، وما نتناقله جيلًا بعد جيل، بل نشاهد آثارهم، ونمر بديارهم كل وقت، ونفهم لغاتهم، وطبائعهم أقرب إلى طبائعنا، لا ريب أنَّ نفع هذا عظيم، وأنه أولى من تذكيرنا بأُمَم لم نسمع لهم بذكِر ولا خبر، ولا نعرف لغاتهم، ولا تتصل إلينا أخبارهم بما يطابق ما يخبرنا الله به، فيؤخذ من هذا أن تذكير الناس بما هو أقرب إلى عقولهم، وأنسب لأحوالهم، وأدخل في مداركهم، وأنفع لهم من غيره؛ أولى من التذكيرات بطرق أخرى وإن كانت حقًّا، لكن الحق يتفاوت، والمذكّر والمعلّم إذا سلك هذا الطريق، واجتهد في إيصال العلم والخبر إلى الناس بالوسائل التي يفهمونها، ولا ينفرون منها، أو تكون أقرب لإقامة الحجة عليهم؛ نَفَعَ وانتفع، وأشار الباري إلى هذا في آخر قصة عاد، فقال:﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ﴾ [الأحقاف: ٢٧]، أي: نوَّعناها بكل فن ونوع، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧]، أي: ليكون أقرب لحصول الفائدة.
ومنها: أن اتخاذ المباني الفخمة للفخر والخيلاء والزينة وقهر العباد بالجبروت من الأمور المذمومة الموروثة عن الأمم الطاغية، كما قال الله في قصة عاد وإنكار هود عليهم، قال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٢٩].
وبالجملة فالبنايات للقصور والحصون والدُّور وغيرها من الأبنية:
إما أن تُتَّخَذ مساكن للحاجة إليها، والحاجات تتنوّع وتختلف، فهذا النوع من الأمور المباحة، وقد يُتوسّل به بالنية الصالحة إلى الخير.
وإما أن تكون البنايات حصونًا واقية لشرور الأعداء، وثغورًا تُحفظ بها البلاد ونحوها مما ينفع المسلمين، ويقيهم الشر، فهذا النوع يدخل في الجهاد في سبيل الله، وهو داخلٌ في الأمر باتخاذ الحذر من الأعداء.
وإما أن يكون للفخر والخيلاء والبطش بعباد الله، وتبذير الأموال التي يتعيّن صَرْفُها في طرق نافعة، فهذا النوع هو المذموم الذي أنكره الله على عاد وغيرهم.
ومنها: أن العقول والأذهان والذكاء وما يَتْبع ذلك من القوة المادية، وما ترتَّب عليها من النتائج والآثار وإن عظمت وبلغت مبلغًا هائلًا، فإنها لا تنفع صاحبها إلا إذا قارنها الإيمان بالله ورسله.
وأما الجاحد لآيات الله المكذِّب لرسل الله، فإنه وإن استُدْرِج في الحياة وأُمْهل فإن عاقبته وخيمة، وسمعه وبصره وعقله لا يُغني عنه شيئًا إذا جاء أمر الله، كما قال الله عن عاد: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦]، وفي الآية الأخرى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١].
مختارات

