الخزانة الثامنة..
خطوط النجاة اثنان:
o خط العلم.
o وخط الهدي.
فخط العلم: أن تقرأ كتابًا، وتفهم ما فيه من الأخبار والأحكام، أو تسمع درسًا أو محاضرة أو خطبة: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وخط الهدى: أن تعرف الله وتوحده وتعبده.
قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
ثم العمل بموجب ذلك: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
ومن ازداد علمًا ولم يزداد هدى لم يزداد من الله إلا بعدًا، وكل علم لا يورث الهدى والتقوى، وخشيه الله فهو جهلٌ مُهلك لحامله وغيره: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٦ - ٧].
والعلم بالله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله من أعظم أسباب الهداية، فلابد للقلب أن يعلم أن الرزق من الرزاق، وأبوابه وأنواعه كثيرة، والعلم من العليم، وأبوابه وأنواعه كثيرة،والهداية من الهادي وأبوابها وأنواعها كثيرة: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
وقد أمرنا الله سبحانه بطلب الهداية منه بقوله سبحانه:﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦].
وقوله ﷿ في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ» أخرجه مسلم.
ومن دعاء النبي ﷺ: «اللهم إني أسالك الهدي، والتقى، والعفاف، والغني» أخرجه مسلم.
وقوله: اللهم اهدني فيمن هديت.
وهدى الله ﷿ هو الهدى وكل ما سواه ضلال: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنعام: ٧١].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾ [الكهف: ١٧].
وإلا فلماذا طلب الهداية مع أن المؤمن مهتدى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
والجواب أن الهداية ثلاث أنواع:
o هداية مطلوبة
o وهداية موجودة
o وهداية مفقودة.
ولكل هداية أسباب وثمرات:
الهداية الموجودة هي: الهداية للإيمان بالله، وتوحيده،وعبادته بموجبها: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
والهداية المفقودة هي: طلب الزيادة من أنواع الهداية التفصيلية التي لم تكن موجودة من الزيادة في معرفه الله بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ومعرفة عظمة ملكه وسلطانه، ومعرفة أحكامه ودينه وشرعه، ومعرفة سُبل رضاه، ومعرفة أركان الإيمان والعمل بموجب ذلك.
فهذه الهداية المفقودة نحصل عليها بالنظر في الآيات الكونية والتدبر للآيات القرآنية، والتعبد لله بكل ما جاء عن الله ورسوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
والهداية المطلوبة هي: كمال معرفة الله بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ومعرفة جلاله وجماله، ومعرفة عظمة ملكه وسلطانه، ومعرفة نعمه وإحسانه، ومعرفة دينه وشرعه، ومعرفة وعده ووعيده، والعمل بموجب هذه المعارف بكمال اليقين، وكمال الحب والتعظيم، والذل لله: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
والمؤمن بعد أن عرف الله صار مهتديً، ولا يزال يطلب من ربه أن يفتح له أبواب الهداية إلى سلوك الصراط المستقيم، وإلى سلوك سُبل رضاه، وإلى سلوك سبيل الرشاد الذي هو العدل والوسط بين طرفي الإفراط والتفريط في أقواله وأعماله وأخلاقه: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد: ١٧].
ويطلب من ربه معرفة دلائل وحدانيته، وشهود أسمائه، وصفاته في مخلوقاته، وكلما ازداد معرفةً بالله زاده إيمانه، وزاده تكبيره لربه، وتعظيمه له، وحبه له، وكلما زاد إيمانه حسُنت أعماله، وصلحت أحواله، وكملت هدايته: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧].
المؤمن حقًا، السعيد حقًا، العارف حقًا يسعى دائماً في طلب الهداية من ربه العزيز الوهاب ليزيد إيمانه وتقواه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد: ١٧].
فإذا اجتهد المسلم بالموجود من الهداية لتحصل المفقود من الهداية، وصل إلى المطلوب من الهداية.
فالهداية ثلاثة أقسام وثلاث درجات:
o هداية موجودة
o هداية مفقودة
o هداية مطلوبة.
فالمسلم إذا اجتهد بالمطلوب من الهداية وتقرب إلى ربه وجَاهد في سبيله لتحصيل المفقود من الهداية وصل إلى المطلوب من الهداية، ونال أعلى الدرجات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]
فالمسلم دائماً يُجاهد من أجل الحصول على الهداية ليصل إلى الهادي وينال ثواب الهادي بحيث يكون مُقبلًا على الله بقلبه وجوارحه في جميع أوقاته وأحواله، معرضاً عما سوى الله قائماً بإصلاح نفسه وإصلاح غيره كحال الأنبياء والرسل، الذين سلموا قلوبهم وجوارحهم إلى ربهم فأطاعوه في كل حال فيما يحبون، وفيما يكرهون وسَلكوا سبل رضاه فَأسعدهم في الدُنيا والآخرة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر/ ١ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ [البقرة: ١١٢].
وقال الله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾ [التوبة: ٨٨ - ٨٩].
فالمهتدى حقاً من سلك سبيلهم في توحيدهم وإيمانهم و أخلاقهم وطاعة ربهم بحيث يصير لو أمره ربه بذبح ولده لأطاع كما فعل إبراهيم ﷺ، ولو أمره ربه بأن ينقاد ليذبحه غيره من أجل الله لأطاع كما فعله إسماعيل ﷺ مع أبيه إبراهيم، ولو أُمر بأن يطلب العلم عند من هو أعلم منه بعد بلوغه في المنصب أعلى الغايات لأطاع كما فعله موسى مع الخضر.
ولو أُمر بأن يصبر في الدعوة إلى الله بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على الحرق والقتل لأطاع كما فعل إبراهيم، وزكريا، ويحيى عَليهمُ الصَلَاةُ والسَلَامُ، ولو أُمر بالهجرة من أجل إعلاء كلمة الله لأطاع كما فعله كل نبي: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)﴾ [الصافات: ٩٩].
وفعله المهاجرون من هذه الأمة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
وهذا مقامٌ عظيمٌ شديد هائل، وأكثر الخلق لضعف إيمانهم لا طاقة لهم به، ونحن في مقدمتهم فنسأل الله العفو و المغفرة، ونسأله أن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يهدينا سواء السبيل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
والمُهتدى حقاً من ركب مراكب الإيمان والتقوى في كل حال، وفى كل وقت، وفى كل مكان، وفى كل زمان فإذا نزلت به نعمة ركب مركب الشكر: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣].
وإذا نزلت به بلية ركب مركب الصبر: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
وإذا نزل به قضاء ركب مركب الرضا: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
وإن ألم بذنب ركب مركب التوبة: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور: ٣١].
وإن أقلبت الدنيا عليه ركب مركب الزُهد: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾ [الكهف: ١٧].
اللهم ثبتنا على الهداية ما أبقيتنا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].
أقسام الناس في الهداية:
الناس أربع أقسام:
الأول: من هداهم الله فجمع لهم بين نور البصر، ونور البصيرة، وهؤلاء أكمل الناس وأفضلهم، وفي مقدمتهم الأنبياء، والرسل وأتباعهم، وهم على مراتب ودرجات في العلم والعمل: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].
وهؤلاء هم الذين تحيا القلوب برؤيتهم، وتنتفع بسماع كلامهم، قد نور الله أبصارهم وبصائرهم: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور: ٣٥]
الثاني: من أتاهم الله نور البصيرة، وحرمهم بحكمته نور البصر، وقد يفوق بعضهم أهل المرتبة الأولي لقوة بصيرتهم، وإشراق نورهم وهم على خيرٍ عظيم.
الثالث: من أتاهم الله نور البصر، وحرمهم من نور البصيرة:﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ [الإسراء: ٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ [الرعد: ١٩].
الرابع: من حُرم من نور البصر، ونور البصيرة، وهؤلاء أخسر الخلق وأشر الخلق في الدنيا والآخرة وهؤلاء أكثر الخلق وهم في أخبث المنازل والدركات وأشرها: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
والدين خطوتان:
١ - خطوة للعبادة: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ [المزمل: ١ - ٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
٢ - وخطوة للدعوة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
وقال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
وما الفرق بين فكر الهداية وفكر الشهادة؟:
بسبب فكر الهداية الله ﷿ يظهر الحق، ويبطل الباطل وينصر أوليائه، ويخذل أعدائه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١]
وبسبب فكر الهداية القاتل والمقتول في الجنة، وبسبب فكر الهداية، والدعوة إلي الله ليبذل الإنسان نفسه ليُقتل في سبيل الله، ويحيا الدين، فجُهد الهداية له كل الأوقات: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
والقتال في سبيل الله له بعض الوقت، وبفكر الهداية ينتشر الدين: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وبفكر الشهادة لا ينتشر الدين بل يبقى الدين، وحب الشهادة من ثمرات الهداية، فأول عمل وأفضل عمل وأكبر عمل فكر الهداية قبل فكر الشهادة.
وبفكر الهداية من قاتلك من أجل الدين يقاتل معك من أجل الدين، فأبو سفيان وخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل، وعمرو بن العاص هؤلاء قاتلوا المسلمين وهم كفار، ثم قاتلوا معهم بسبب فكر الهداية، والله تعبدنا بالمشي في الشوارع للدعوة إلي الله قبل المشي إلي الصلاة في المساجد والجوامع: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٤].
فذكر المشي في الدعوة قبل المشي إلى الصلاة، والدعوة إلي الله من أول يوم أما الصلاة ففرضت بعد السنة العاشرة قبل الهجرة، والصوم في السنة الثانية، والزكاة في السنة الثانية، والجهاد في السنة الثانية، والحج في السنة العاشرة.
فالصلاة فُرضت بعد عشرة سنوات، والصوم بعد أربع عشرة سنة، والزكاة بعد اثني عشرة سنة، والحج بعد عشرين سنة، والجهاد بعد أربعة عشر عامًا، فبسبب فكر الهداية يعطيك الله الشهادة، الله تعبدنا بجُهد الدعوة أولاً؛ لأنه أقوى عبودية؛ لأنه سببٌ في إدخال من هو خارج الدين إلى الدين، وتوسيع الدين فهو أكبر عبودية، وأوسع عبودية: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
فالعابد فقط أخذ عناوين قليلة من الدين من الوضوء، والصلاة، والعمرة، والحج وغيرها من الأذكار والأدعية، لكن الداعي أخذ هذه العناوين، وأخذ أكبر العناوين في الدين فأخذ حياة ﷺ وجُهد النبي ﷺ، وفكر النبي ﷺ، وجهاد النبي ﷺ فليكن لنا يوم كيومه ﷺ وأقوالٌ وأعمال وأخلاقٌ كأخلاقه، وأقواله وأعماله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
فليس من يسرف أوقاته وأقواله في سبيل نشر الهداية،ويسرف أمواله كمن يصلي وينام ويصوم وينام ويقرأ القرآن وينام: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
***
مختارات

