فوائد مستنبطة من هذه القصة.. (قصة آدم)
فمنها: أن هذه القصة العظيمة ذكرها الله في كتابه في مواضع كثيرة صريحة لا ريب فيها ولا شك، وهي من أعظم القصص التي اتَّفقت عليها الرسل، ونزلت بها الكتب السماوية، واعتقدها جميع أتباع الأنبياء من الأولين والآخرين، حتى نبغت في هذه الأزمان المتأخرة فرقة خبيثة زنادقة أنكروا جميع ما جاءت به الرسل، وأنكروا وجود الباري، ولم يُثْبِتُوا من العلوم إلا العلوم الطبيعية التي وصلت إليها معارفهم القاصرة.
فبناءً على هذا المذهب الذي هو أبعد المذاهب عن الحقيقة شرعًا وعقلًا أنكروا آدم وحواء، وما ذكره الله ورسوله عنهما، وزعموا أن هذا الإنسان كان حيوانًا قردًا، أو شبيهًا بالقرد، حتى ارتقى إلى هذه الحال الموجودة، وهؤلاء اغترُّوا بنظرياتهم الخاطئة المبنية على ظنون عقول من أصلها فاسدة، وتركوا لأجلها جميع العلوم الصحيحة، خصوصًا ما جاءتهم به الرسل، وصدق عليهم قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر: ٨٣]، وهؤلاء أمرُهم ظاهر لجميع المسلمين، ولجميع المُثْبِتِين وجود الباري، يعلمون أنهم أضلُّ الطوائف، ولكن تسرَّب على بعض المسلمين من هذا المذهب الدهري (١) بعض الآثار والفروع المبنية على هذا القول؛ إذ فسَّرت طائفة من العصريين سجود الملائكة لآدم أن معناه تسخير هذا العالم للآدميين، وأن المواد الأرضية والمعدنية ونحوها قد سخَّرها الله للآدمي، وأن هذا هو معنى سجود الملائكة، ولا يستريب مؤمن بالله واليوم الآخر أن هذا مستمدٌّ من ذلك الرأي الأفَن (٢)، وأنه تحريف لكتاب
الله، لا فرق بينه وبين تحريف الباطنية والقرامطة (٣)، وأنه إذا أُوِّلت هذه القصة إلى هذا التأويل توجه نظير هذا التحريف لغيرها من قصص القرآن، وانقلب القرآن - بعدما كان تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة - رموزًا يمكن كل عدو للإسلام أن يفعل بها هذا الفعل، فيبطل بذلك القرآن، وتعود هدايته إضلالًا، ورحمته نقمة، سبحانك هذا بهتان عظيم.
والمؤمن في هذا الموضع يكفيه لإبطال هذا القول الخبيث أن يتلو ما قَصَّه الله علينا من قصة آدم وسجود الملائكة؛ فيعلم أن هذا منافٍ لما قصد الله ورسوله غاية المنافاة، وإنْ زخرفه أصحابه، ولوَّوْا له العبارات، ونسبوه إلى بعض مَنْ يُحْسِن بهم الظن، فالمؤمن لا يترك إيمانه، ولا كتاب ربه لمثل هذه الترويجات المغرّرة، أو المغرور أصحابها.
ومنها: أنَّ مَنْ مَنَّ الله عليه بالعلم عليه أن يعترف بنعمة الله عليه، وأن يقول كما قالت الملائكة والرسل:﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾، وأن يتوقى التكلُّم بما لا يعلم؛ فإن العلم أعظم المِنَنِ، وشُكْر هذه النعمة الاعترافُ لله بها، والثناء عليه بتعليمها، وتعليم الجُهَّال، والوقوف على ما علمه العبد، والسكوت عما لم يعلمه.
ومنها: أن الله جعل هذه القصة لنا معتبرًا، وأن الحسد والكِبْر والحرص من أخطر الأخلاق على العبد، فكِبْر إبليس وحسده لآدم صيّره إلى ما ترى، وحِرص آدم وزوجه حملهما على تناول الشجرة، ولولا تدارك رحمة الله لهما لأَوْدَت بهما إلى الهلاك، ولكن رحمة الله تُكمل الناقص، وتجبر الكسير، وتنجي الهالك، وترفع الساقط.
ومنها: أنه ينبغي للعبد إذا وقع في ذنب أن يبادر إلى التوبة والاعتراف، ويقول ما قاله الأبوان من قلبٍ خالص، وإنابة صادقة، فما قصَّ الله علينا صفةَ توبتهما إلا لنقتدي بهما، فنفوز بالسعادة، وننجو من الهَلَكة، وكذلك ما أخبرنا بما قاله الشيطان من توعدنا، وعزمه الأكيد على إغوائنا بكل طريق؛ إلا لنستعدَّ لهذا العدو الذي تظاهر بهذه العداوة البليغة المتأصلة، والله يحب منا أن نقاومه بكل ما نقدر عليه؛ من تجنُّب طرقه وخطواته، وفعل الأسباب التي يُخْشَى منها الوقوع في شباكه، ومن عمل الحصون من الأوراد الصحيحة، والأذكار القلبية، والتعوذات المتنوعة، ومن السلاح المُهْلِك له؛ من صدق الإيمان، وقوة التوكُّل على الله، ومراغمته في أعمال الخير، ومقاومة وساوسه والأفكار الرديئة التي يدفع بها إلى القلب كل وقت بما يضادها، ويُبطلها من العلوم النافعة والحقائق الصادقة.
ومنها: أن فيها دلالة لمذهب أهل السنة والجماعة المثبتين لله ما أثبته لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات كلها، لا فرق بين صفات الذات، ولا بين صفات الأفعال.
ومنها: إثبات اليدين لله كما هو في قصة آدم صريحًا: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، فله يدان حقيقةً، وكما أن ذاته لا تشبهها الذوات فصفاته تعالى لا تشبهها الصفات.
ومنها: إثبات الكلام لله تعالى؛ وأنه لم يَزَلْ متكلمًا؛ يقول ما شاء، ويتكلم بما شاء، وأنه عليم حكيم.
ومنها: أن العبد إذا خَفِيَتْ عليه حكمة الله في بعض المخلوقات والمأمورات فالواجب عليه التسليم، واتهام عقله، والإقرار لله بالحكمة.
ومنها: اعتناء الله بشأن الملائكة، وإحسانه بهم؛ بتعليمهم ما جهلوا، وتنبيههم على ما لم يعلموه.
ومنها: فضيلة العلم من وجوه:
- أن الله تعرَّف لملائكته بعلمه وحكمته.
- أن الله عرَّفهم فضل آدم بالعلم، وأنه أفضل صفة تكون في العبد.
- أن الله أمرهم بالسجود لآدم؛ إكرامًا له لما بَانَ فضل علمه.
ومنها: أن الامتحان للغير إذا عجزوا عما امتُحِنوا به، ثم عرفه صاحب الفضيلة، فهو أكمل مما عرفه ابتداء.
ومنها: الاعتبار بحال أبَوَيِ الإنس والجن، وبيان فضل آدم، وأفضال الله عليه، وعداوة إبليس له، إلى غير ذلك من العِبَر.
* * *
(١) المذهب الدهري: هو مذهب قائل ببقاء الدهر ولا يؤمن بالحياة الأخرى.
(٢) أي: الأحمق.
(٣) الباطنية: هم القائلون بأن لكل ظاهر باطنًا، ولكل تنزيل تأويلًا، ولهم ألقاب كثيرة: الباطنية، والقرامطة، والمزدكية، وغيرها.
مختارات

