قصة آدم أبي البشر..
لما اقتضت الحكمة الشاملة والعلم المحيط من الله والرحمة السابغة خَلْقَ آدم أبي البشر الذين فضلهم الله على كثير ممن خلق تفضيلًا؛ أعلم الملائكة وقال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] يخلُف من كان قبلهم من المخلوقات التي لا يعلمها إلا هو.
﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وهذا منهم تعظيم لربهم، وإجلال له عن أنه ربما يخلق مخلوقًا يشبه أخلاق المخلوقات الأول، أو أن الله تعالى أخبرهم بخَلْق آدم، وبما يكون من مجرمي ذريته، قال الله لملائكته:﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] فإنه محيط علمه بكل شيء، وبما يترتب على هذا المخلوق من المصالح والمنافع التي لا تُعدُّ ولا تُحصى.
فعرفهم تعالى بنفسه بكمال علمه، وأنه يجب الاعتراف لله بسعة العلم، والحكمة التي من جملتها أنه لا يخلق شيئًا عبثًا، ولا لغير حكمة، ثم بيَّن لهم على وجه التفصيل، فخَلَقه بيده تشريفًا له على جميع المخلوقات، وقبض قبضة من جميع الأرض سهلها وحَزْنها (١)، وطيبها وخبيثها، ليكون النسل على هذه الطبائع، فكان ترابًا أولًا، ثم ألقى عليه الماء فصار طينًا، ثم
لما طالت مدة بقاء الماء على الطين تغيَّر ذلك الطين، فصار حَمأً مسنونًا (٢)؛ طِينًا أسود، ثم أيْبَسَه بعدما صوَّره، فصار كالفخار الذي له صلصلة، وفي هذه الأطوار هو جسد بلا روح، فلما تكامل خَلْق جسده نفخ فيه الروح، فانقلب ذلك الجسد الذي كان جمادًا حيوانًا له عظام ولحم، وأعصاب وعروق، وروح هي حقيقة الإنسان، وأعدَّه الله لكل علم وخير، ثم أتمَّ عليه النعمة، فعلَّمه أسماء الأشياء كلها.
والعلم التامُّ يستدعي الكمال التام، وكمال الأخلاق، فأراد الله أن يُرِي الملائكة كمال هذا المخلوق، فعرض هذه المسميات على الملائكة، وقال لهم: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١].
في مضمون كلامكم الأول الذي مقتضاه أنَّ تَرْك خَلْقه أوْلَى، هذا بحسب ما بَدَا لهم في تلك الحال، فعجزت الملائكة ﵈ عن معرفة أسماء هذه المسميات، وقالوا:﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]، قال الله: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣] شاهدت الملائكة من كمال هذا المخلوق وعِلْمه ما لم يكن لهم في حساب، وعرفوا بذلك على وجه التفصيل والمشاهدة كمال حكمة الله، وعظموا آدم غاية التعظيم، فأراد الله أن يُظْهِر هذا التعظيم والاحترام لآدم من الملائكة ظاهرًا وباطنًا، فقال للملائكة: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] احترامًا له وتوقيرًا وتبجيلًا، وعبادةً منكم لربكم، وطاعةً ومحبةً وذُلًّا؛ فبادروا كلهم أجمعون، فسجدوا، وكان إبليس بينهم، وقد وجَّه إليه الأمر بالسجود معهم، وكان من غير عنصر الملائكة؛ كان من الجن المخلوقين من نار السَّمُوم (٣)، وكان مُبْطِنًا للكفر بالله، والحسد لهذا الإنسان الذي فضَّله الله هذا التفضيل؛ فحمله كِبْرُهوكفره على الامتناع عن السجود لآدم كفرًا بالله واستكبارًا، ولم يكفه الامتناع حتى باح بالاعتراض على ربه، والقَدْح في حِكْمته، فقال: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، وهذا القياس من أفسد الأقيسة؛ فإنه باطلٌ من عدة أوجه:
منها: أنه في مقابلة أمرِ الله له بالسجود، والقياس إذا عارَض النصَّ، فإنه قياسٌ باطل؛ لأنَّ المقصود بالقياس أن يكون الحكم الذي لم يأتِ فيه نصٌّ يقارب الأمور المنصوص عليها، ويكون تابعًا لها، فأمَّا قياس يعارضها، ويلزم من اعتباره إلغاء النصوص؛ فهذا القياس من أشنع الأقيسة.
ومنها: أنَّ قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾؛ بمجرَّدها كافية لنقص إبليس الخبيث؛ فإنَّه برهن على نقصه بإعجابه بنفسه وتكبُّره، والقول على الله بلا علم، وأيُّ نقص أعظم من هذا؟!
ومنها: أنه كذب في تفضيل مادة النار على مادة الطين والتراب؛ فإنَّ مادة الطين فيها الخشوعُ والسكونُ والرزانةُ، ومنها تظهر بركات الأرض من الأشجار وأنواع النبات على اختلاف أجناسه وأنواعه، وأما النار ففيها الخِفَّة والطَّيْش والإحراق.
فقال الله له: ﴿يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥]، فكان هذا الكفر والاستكبار والإباء منه وشدة النفار هو السبب الوحيد أن يكون مطرودًا ملعونًا، فقال الله له:﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] فلم يخضع الخبيث لربه، ولم يَتُبْ إليه، بل بارَزَه بالعداوة، وصَمَّم التصميم التام على عداوة آدم وذريته، ووطَّن نفسه لَمَّا علم أنه حتم عليه الشقاء الأبدي أن يدعو الذرية بقوله وفعله وجنوده إلى أن يكونوا من حزبه الذين كُتِبَتْ لهم دار البوار (٤)، فقال:﴿رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦]، فيتفرغ لإعطاء العداوات حقها في آدم وذريته.
ولما كانت حكمة الله اقتضت أن يكون الآدمي مركبًا من طبائع متباينة، وأخلاق طيبة أو خبيثة، وكان لا بد من تمييز هذه الأخلاق وتصفيتها بتقدير أسبابها من الابتلاء والامتحان الذي من أعظمه تمكينُ هذا العدو من دعوتهم إلى كل شرّ، أجابه: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٧ - ٣٨]، فقال لربه مُعْلِنا معصيته،وعداوته آدم وذريته: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧]، قال إبليس هذه المقالة ظنّا منه؛ لأنه عرف ما جُبل عليه الآدمي.
﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠]، فمكنه الله من الأمر الذي يريده إبليس في آدم وذريته، فقال الله له: ﴿اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الإسراء: ٦٣ - ٦٤] أي: إن قدرت فاجعلهم منحرفين في تربية أولادهم إلى التربية الضارة؛ في صرف أموالهم المصارف الضارة، وفي الكسب الضارّ، وأيضا شاركْ منهم من إذا تناول طعامًا أو شرابًا أو نكاحًا ولم يذكر اسم الله على ذلك في الأموال والأولاد، وعِدْهُم، أي: مُرْهُمْ أن يُكَذِّبوا بالبعث والجزاء، وأن لا يُقْدِموا على خير، وخوِّفْهم من أوليائك، وخوِّفْهم عند الإنفاق النافع بالفحشاء والبخل، وهذا من الله لِحِكَم عظيمة وأسرار، وإنك أيها العدو المبين لا تُبْقِ من مقدورك في إغوائهم شيئًا، فالخبيث منهم يظهر خبثه، ويتَّضح شرُّه، والله لا يعبأ به، ولا يبالي به.
وأما خواصُّ الذرية من الأنبياء، وأتباعهم من الصدّيقين والأصفياء، وطبقات الأولياء والمؤمنين، فإن الله تعالى لم يجعل لهذا العدو عليهم تسلُّطًا، بل أقام عليهم سورًا منيعًا، وهو حمايته وكفايته، وزوَّدهم بسلاح لا يمكن لعدوهم مقاومته بكمال الإيمان بالله، وقوة توكُّلهم عليه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩]، ومع ذلك فأعانهم على مقاومة هذا العدو المبين بأمور كثيرة؛ أنزل عليهم كُتُبه المحتوية على العلوم النافعة، والمواعظ المؤثرة، والترغيب في فعل الخيرات، والترهيب من فعل الشرور، وأرسل إليهم الرسل مبشرين من آمن بالله وأطاعه بالثواب العاجل، ومنذرين من كَفَر وكذَّب وتولى بالعقوبات المتنوعة، وضمن لمن اتبع هُداه الذي أنزل به كتبه وأرسل به رسله أن لا يَضِلَّ في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، وأنه لا خوف عليه، ولا حزن يعتريه؛ وأرشدهم في كتبه، وعلى ألسنة رُسُله إلى الأمور التي بها يحتمون من هذا العدو المبين، وبيَّنَ لهم ما يدعو إليه هذا الشيطان، وطُرُقَه التي يصطاد بها الخليقة.
وكما بينها لهم ووضّحها فقد أرشدهم إلى الطرق التي ينجون بها من شرّه وفتنته، وأعانهم على ذلك إعانةً قدرية خارجة عن قدرتهم؛ لأنهم لما بذلوا المجهود، واستعانوا بالمعبود، سهل لهم كل طريق يوصل إلى المقصود.
ثم إن الله تعالى أتمَّ نعمته على آدم، فخلق منه زوجته حواء من جنسه وعلى شكله؛ ليسكُنَ إليها، وتتم المقاصد المتعددة من الزواج والالتئام، وتنبثَّ (٥) الذرية بذلك،وقال له ولزوجته: إن الشيطان عدو لكما، فاحذراه غاية الحذر، فلا يُخْرِجنَّكما من الجنة التي أسكنكما الله إياها، وأباح لكما أن تأكلا من جميع ثمارها، وأن تتمتّعا بجميع لذّاتها، إلا شجرة معينة في هذه الجنة،فحَرَّمها عليهما، فقال: ﴿فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٩]، وقال الله لآدم في تمتِيعه بهذه الجنة: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩]، فمكثا في الجنة ما شاء الله على هذا الوصف الذي ذكره الله، وعَدُوُّهما يراقبهما ويراصدهما، وينظر الفرصة فيهما، فلما رأى سرور آدم بهذه الجنة، ورغبته العظيمة في دوامها، جاءه بطريق لطيف في صورة الصديق الناصح،فقال: يا آدم، هل أَدُلُّك على شجرة إذا أكلت منها خلدت في هذه الجنة، ودام لك الملك الذي لا يَبْلَى؟
فلم يَزَلْ يوسوس ويُزَيِّن ويُسَوِّل، ويَعِد ويُمَنِّي، ويُلقي عليهما من النصائح الظاهرة، وهي أكبر الغش حتى غرَّهما، فأكلا من الشجرة التي نهاهما الله عنها وحرَّمها عليهما، فلما أكلا منها بدت لهما سوآتهما بعدما كانا مستورين، وطفقا يخصفان على أنفسهما من أوراق تلك الجنة، أي: يلزقان على أبدانهما العارية؛ ليكون بدل اللباس، وسُقِط في أيديهما (٦)، وظهرت في الحال عقوبة معصيتهما، وناداهما ربهما: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢]، فأوقع الله في قلبيهما التوبة التامة، والإنابة الصادقة، ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] وقالا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]فتاب الله عليهما، ومحا الذنب الذي أصابَا، ولكن الأمر الذي حذَّرهما الله منه - وهو الخروج من هذه الجنة إن تناولَا منها - تحتم ومضى، فخرجا منها إلى الأرض التي حُشِيَ خيرها بشَرِّها، وسرورُها بكَدَرِها.
وأخبرهما الله أنه لا بد أن يبتليهما وذريتهما، وأن مَنْ آمن وعمل صالحًا كانت عاقبته خيرًا من حالته الأولى، ومن كذَّب وتولى فآخر أمره الشقاء
الأبدي والعذاب السرمدي، وحذَّر الله الذرية منه فقال:﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]، وأبدلهم الله بذلك اللباس الذي نزعه الشيطان من الأبوين بلباس يواري السوآت، ويحصل به الجمال الظاهر في الحياة، ولباس أعلى من ذلك، وهو لباس التقوى، الذي هو لباس القلب والروح بالإيمان والإخلاص والإنابة، والتحلي بكل خُلُق جميل، والتخلي عن كل خُلُق رذيل، ثم بَثَّ الله من آدم وزوجه رجالًا كثيرًا ونساءً، ونشَرَهم في الأرض، واستخلفهم فيها؛ لينظر كيف يعملون.
* * *
(١) الحَزْن من الأرض: الشديد الوعر.
(٢) أي: طينًا أسود متغيِّرًا.
(٣) السموم: نار تكون بين السماء والأرض، وهي النَّار التي تكون منها الصَّواعق.
(٤) أي: دار الهلاك.
(٥) أي: تنتشر.
(٦) أي: نَدِمَا على ما فَرَط منهما.
مختارات

