[فصل: فضل وفضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] (٣)
ولعلمائهم خصوصًا، ولا سيما أرباب الولايات منهم أن يفعلوا كفعل بني إسرائيل، فيصيبهم ما أصابهم.
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: كل ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن، فإنه لنا.
وروى الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحقر أحدكم نفسه» قالوا: يا رسول الله،كيف يحقر أحدنا نفسه قال: «يرى أمرًا لله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله عز وجل له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس.
فيقول:فإياي كنت أحق أن تخشى».
وفي رواية لهم أيضًا وللترمذي والحاكم عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام خطيبًا، فكان فيما قال: «ألا لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه».
زاد الترمذي وابن ماجة: فبكى أبو سعيد، وقال: قد - والله - رأينا أشياء فهبنا.
قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وروى الإمام أحمد وابن ماجة أيضًا وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الله ليسأل العبد يوم القيامة،حتى يقول: ما منعك إذ رأيت المنكر إن تنكره؟ فإذا لقن الله عبدًا حجته قال: يا رب، رجوتك، وفرقت من الناس».
وفي رواية لأحمد عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه، أو شهده أنه لا يقرب من أجل، ولا يباعد من رزق أن يقول بحق، أو أن يذكر بعظيم».
وروي أبو نعيم في الحلية عن إسماعيل بن عمر سمعت أبا عبد الرحمن العمري الزاهد يقول: إن من غفلتك عن نفسك إعراضك عن الله بأن ترى ما يسخطه فتجاوزه، ولا تأمر بالمعروف، ولا تنهى عن المنكر خوفًا ممن لا يملك لك ضرًا، ولا نفعًا.
قال: وسمعته يقول: من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مخافة المخلوقين نزعت منه الطاعة، فلو أمر ولده أو بعض مواليه لاستخف به.
التاسعة عشرة: إن في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمانًا من مشاركة العاصين في وزر المعصية وعارها.
ومن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قدرته على القيام بهما، فهو شريك للعصاة في العار والعقوبة.
وقد روى أبو داود في سننه عن العرس بن عميرة الكندي رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها» وقال مرة أنكرها، كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها، كان كمن شهدها.
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتاب الزهد: حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا مالك بن دينار قال: مكتوب في التوراة من كان له جار يعمل بالمعاصي، فلم ينهه فهو شريكه.
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى أيضًا في كتاب الصلاة:جاء الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه، أنه قال: من رأى من يسيء في صلاته، فلم ينهه شاركه في وزرها وعارها.
وجاء الحديث عن بلال بن سعد أنه قال: الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، فإذا ظهر ولم تغير ضرت العامة.
قال أحمد رحمه الله تعالى: وإنما تضر العامة؛ لتركهم لما يجب عليهم من الإنكار، والتغيير على الذي ظهرت منه الخطيئة.
وروي البيهقي في شعب الإيمان عن جابر رضي الله عنه،قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أوحى الله عز وجل إلى جبرائيل عليه السلام أن اقلب مدينة كذا وكذا بأهلها.
فقال: يا رب، إن فيهم عبدك فلانًا لم يعصك طرفة عين.
قال: فقال: اقلبها عليه وعليهم، فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط».
وذكر ابن أبي الدنيا عن إبراهيم بن عمرو الصنعاني قال:أوحى الله إلى يوشع بن نون أني مهلك من قومك أربعين ألفًا من خيارهم وستين ألفًا من شرارهم قال: يا رب، هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي، وكانوا يواكلونهم ويشاربونهم.
وذكر أبو عمر بن عبد البر عن أبي هزان قال: بعث الله عز وجل ملكين إلى قرية أن دمراها بمن فيها، فوجدا فيها رجلا قائمًا يصلي في مسجد، فقالا: يا رب، إن فيها عبدك فلانًا يصلي.
فقال عز وجل: دمراها، ودمراه معهم؛ فإنه ما تمعر وجهه فيَّ قط.
وذكر الحميدي عن سفيان بن عيينة قال: حدثني سفيان بن سعيد عن مسعر، أن ملكًا أمر أن يخسف بقرية، فقال: يا رب، إن فيها فلانًا العابد، فأوحى الله عز وجل إليه أن به فابدأ؛ فإنه لم يتمعر وجهه في ساعة قط.
وذكر ابن أبي الدنيا عن وهب بن منبه قال: لما أصاب داود الخطيئة قال: يا رب، اغفر لي.
قال: قد غفرتها لك، وألزمت عارها بني إسرائيل قال: يا رب، كيف وأنت الحكم العدل لا تظلم أحدًا، أعمل أنا الخطيئة، وتلزم عارها غيري؟! فأوحى الله إليه أنك لما عملت الخطيئة لم يعجلوا عليك بالإنكار.
قلت: ويشهد لهذه الآثار قول الله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ}.
ويشهد لها أيضًا ما أخبر الله به عن ثمود أنهم عقروا الناقة، وأنه دمدم عليهم بذنبهم فسواها، وإنما كان الذي عقرها واحد منهم، والباقون أقروه، ولم ينكروا عليه، فصاروا شركاءه في العار والعقوبة.
قال عبد الواحد بن زيد: قلت للحسن: يا أبا سعيد، أخبرني عن رجل لم يشهد فتنة ابن المهلب إلا أنه رضي بقلبه؟ قال:يا ابن أخي، كم يد عقرت الناقة؟ قال: قلت: يد واحدة.
قال: أليس قد هلك القوم جميعا برضاهم وتماليهم.
رواه الإمام أحمد في الزهد.
ويشهد لها أيضًا حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم» قالت: قلت: يا رسول الله، كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم، ومن ليس منهم؟قال: «يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم».
متفق عليه، وهذا لفظ البخاري.
قال المهلب في هذا الحديث: إن من كثر سواد قوم في المعصية مختارًا أن العقوبة تلزمه معهم.
قال: واستنبط منه مالك عقوبة من يجالس شربة الخمر، وإن لم يشرب.
وقال النووي في هذا الحديث: من الفقه والتباعد من أهل الظلم والتحذير من مجالسهم، ومجالسة البغاة، ونحوهم من المبطلين؛ لئلا يناله ما يعاقبون به، وفيه أن من كثر سواد قوم جرى عليه حكمهم في ظاهر عقوبات الدنيا.
انتهى.
العشرون: إن في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمانًا من تعلق العصاة بالعبد يوم القيامة، وتارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متعرض لتعلق العصاة به في موقف الحساب، ومخاصمتهم له بين يدي الجبار تبارك وتعالى.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتاب الصلاة: وقد جاء الحديث قال: يجيء الرجل يوم القيامة متعلقًا بجاره، فيقول:يا رب، هذا خانني.
فيقول: يا رب، وعزتك ما خنته في أهل، ولا مال.
فيقول: صدق يا رب، ولكنه رآني على معصية، فلم ينهني عنها.
وروى رزين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا نسمع أن الرجل يتعلق بالرجل يوم القيامة، وهو لا يعرفه، فيقول له:ما لك إلي، وما بيني وبينك معرفة، فيقول: كنت تراني على الخطأ وعلى المنكر، ولا تنهاني.
الحادية والعشرون: إن في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إعزازًا لدين الإسلام، وحراسة له ولأهله، وقمعًا للسفهاء والظالمين، وبذلك تكون العزة للمسلمين، ويثبت ملكهم، فإذا تهاونوا بإعزاز دينهم وحراسته وقمع سفهائهم والظالمين منهم سلبوا النعمة، وبدلوا بالعز ذلا وبالأمن خوفًا.
قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.
وقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.
وروى ابن أبي حاتم بسنده عن إبراهيم قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك: إنه ليس من أهل قرية، ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله، فيتحولون منها إلى معصية الله إلا حول الله عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون قال: إن تصديق ذلك في كتاب الله.
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.
وروى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: الملك والدين إخوان لا غنى لأحدهما عن الآخر؛ فالدين أساس والملك حارس فما لم يكن له أساس فمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع.
ويشهد لهذا حديث معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين» رواه البخاري.
وفي تقييده - صلى الله عليه وسلم - بقاء ملك قريش بإقامة الدين دليل على نهم إذا لم يقيموا الدين، فإن الأمر يخرج عنهم إلى غيرهم، وهكذا وقع الأمر، كما لا يخفى على من له أدنى إلمام بالأخبار.
ويستفاد من هذا الحديث أن ملك ملوك المسلمين مرتبط بإقامة دين الإسلام، فمن أقامه منهم ثبت ملكه، ومن ضيعه خرج الأمر من يده، ولا بد.
وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن شهاب حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عبد الله بن مسعود رضي عنه قال: بينما نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قريب من ثمانين رجلا من قريش، فذكر الحديث، وفيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تشهد ثم قال: «أما بعد يا معشر قريش، فإنكم أهل هذا الأمر ما لم تعصوا الله، فإذا عصيتموه بعث إليكم من يلحاكم، كما يلحى هذا القضيب لقضيب في يده ثم لحا قضيبه، فإذا هو أبيض يصلد».
قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
ورواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط، قال الهيثمي: ورجال أبي يعلى ثقات.
قال الجوهري: اللحاء ممدود قشر الشجر، ولحوت العصا ألحوها لحوا إذا قشرتها.
انتهى.
ويصلد معناه: يبرق ويبص.
قاله ابن الأثير وابن منظور في لسان العرب.
وروى الحاكم في مستدركه من حديث حبيب بن أبي القاسم بن الحارث عن عبد الله بن عتبة عن أبي مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا يزال هذا وأنتم ولاته ما لم تحدثوا أعمالا تنزعه منكم، فإذا فعلتم ذلك سلط الله عليكم شرار خلقه، فألحوكم، كما يلتحى القضيب» قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وقال الشافعي في مسنده حدثنا ابن أبي فديك عن ابن ذئب عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء بن يسار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لقريش: «أنتم أولى الناس بهذا الأمر ما كنتم مع الحق إلا أن تعدلوا عنه فتلحون كما تلحى هذه الجريدة يشير إلى جريدة في يده»وهذا مرسل صحيح.
وقد وقع الأمر طبق ما في هذه الأحاديث الثلاثة، فبعث الله على قريش لما عصوه من لحاهم، كما يلحى القضيب، وهكذا وقع لكثير سواهم من ولاة الأمور الذين تركوا بعض الأوامر، وارتكبوا بعض النواهي، فسلط الله عليهم من لحاهم، كما يلحى القضيب.
فليعتبر ولاة الأمور الآن بمن خلا قبلهم من ولاة الأمور الذين سلبوا ملكهم، وبدلوا من العزة والكرامة بالذلة والإهانة جزاء على تركهم لأوامر الله وانتهاكهم لمحارمه.
فالعاقل من اعتبر بالماضين، والسعيد من وعظ بغيره.
وقد قال الله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَانَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ}.
وقال تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} الآية.
وقد روى الإمام أحمد في الزهد، وأبو نعيم في الحلية من طريقه عن جبير بن نفير قال: لما فتحت قبرص، وفرق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، رأيت أبا الدرداء رضي الله عنه جالسًا وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء، ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ قال: ويحك يا جبير، ما أهون الخلق على الله إذا هم تركوا أمره، بينا هي أمة قاهرة ظاهرة، لهم الملك، وتركوا أمر الله عز وجل، فصاروا إلى ما ترين.
وقال ابن قتيبة الدينوري في كتاب مختلف الحديث: حدثني رجل من أصحاب الأخبار أن المنصور سمر ذات ليلة، فذكر خلفاء بني أمية وسيرتهم، وأنهم لم يزالوا على استقامة حتى أفضي أمرهم إلى أبنائهم المترفين، فكان همهم من عظيم شأن الملك وجلالة قدره قصد الشهوات، وإيثار اللذات، والدخول في معاصي الله عز وجل، ومساخطه، جهلا منهم باستدراج الله تعالى، وأمنا من مكره تعالى، فسلبهم الله تعالى الملك والعز، ونقل عنهم النعمة.
فقال له صالح بن علي: يا أمير المؤمنين، إن عبيد الله بن مروان لما دخل أرض النوبة هاربًا فيمن اتبعه، سأل ملك النوبة عنهم، فأخبر، فركب إلى عبيد الله، فكلمه بكلام عجيب في هذا النحو لا أحفظه، وأزعجه عن بلده، فإن رأى أمير المؤمنين أن يدعو به من الحبس بحضرتنا في هذه الليلة، ويسأله عن ذلك؟ فأمر المنصور بإحضاره، وسأله عن القصة.
فقال: يا أمير المؤمنين، قدمت أرض النوبة بأثاث سلم لي، فافترشته بها، وأقمت ثلاثًا، فأتاني ملك النوبة وقد خبر أمرنا، فدخل على رجل طوال أقنى حسن الوجه، فقعد على الأرض، ولم يقرب الثياب، فقلت: ما يمنعك أن تقعد على ثيابنا؟ فقال: إني ملك، وحق على كل ملك أن يتواضع لعظمة الله إذا رفعه الله ثم أقبل علي فقال لي: لِمَ تشربون الخمور وهي محرمة عليكم في كتابكم؟ فقلت: اجترأ على ذلك عبيدنا وسفهاؤنا.
قال: فلِمَ تطئون الزروع بدوابكم والفساد محرم عليكم في كتابكم؟ قلت: يفعل ذلك جهالنا، قال: فلم تلبسون الديباج والحرير وتستعملون الذهب والفضة وهو محرم عليكم؟ فقلت: زال عنا الملك، وقل أنصارنا، فانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا، فلبسوا ذلك على الكره منا.
فأطرق مليا، وجعل يقلب يده، وينكت في الأرض،ثم قال: ليس ذلك كما ذكرت، بل أنتم قوم استحللتم ما حرم عليكم، وركبتم ما عنه نهيتم، وظلمتم فيما ملكتم، فسلبكم الله العز، وألبسكم الذل بذنوبكم، ولله فيكم نقمة لم تبلغ نهايتها، وأخاف أن يحل بكم العذاب وأنتم ببلدي، فيصيبني معكم، وإنما الضيافة ثلاث، فتزودا ما احتجتم إليه، وارتحلوا عن بلدي، ففعلت ذلك.
قلت: وفيما جرى على بني العباس من غلمانهم الأتراك وملوك الديلك والتتار عبرة عظيمة وعظة لمن بعدهم من ملوك المسلمين؛ فإن بني العباس كانوا أقوى سلطانًا، وأكثر أموالا ورجالا، وأوسع ممالك ممن جاء بعدهم من الملوك، وما نفعهم ذلك شيئًا، بل سلبهم الله العز، وألبسهم الذل، وسلط عليهم الأعداء من كل جانب يسومونهم سوء العذاب، ويأخذون ما بأيديهم من المماليك والأموال، وكان خاتمة ذلك زوال الملك والنعمة عنهم على أيدي التتار الكفار الفجار جزاء على تضييعهم لأوامر الله تعالى، وارتكابهم لنواهيه، وتهاونهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على أيدي السفهاء والظالمين.
فاعتبروا أيها المسلمون بمن خلا قبلكم من العاصين.
واحذروا أن يصيبكم ما أصابهم، فما العقوبات من الظالمين منكم ببعيد.
قال الله تعالى: {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَاتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَاخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَاخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ}.
وقال تعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَاتِيَهُمْ بَاسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَاتِيَهُمْ بَاسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}.
مختارات

