[فصل: فضل وفضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر](٢)
وقد رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والبغوي، وتقدم ذكره في الفائدة السادسة.
وروى الإمام أحمد أيضًا والبخاري والترمذي عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها والمدهن فيها كمثل قوم ركبوا سفينة، فأصاب بعضهم أسفلها وأوعرها وشرها، وأصاب بعضهم أعلاها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم فآذوهم فقالوا: لو خرقنا في نصيبنا خرقًا فاسقينا منه، ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وأمرهم هلكوا جميعًا وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعا» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
قال النووي: القائم في حدود الله تعالى معناه المنكر لها القائم في دفعها وإزالتها، والمراد بالحدود ما نهى عنه.
انتهى.
وقد تقدم الكلام في معنى المدهن في أول الكتاب.
وفي الصحيحين والمسند وجامع الترمذي وسنن ابن ماجة عن زينب بنت جحش رضي الله عنها قالت: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا فزعًا محمرًا وجهه يقول:«لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها» قالت: فقلت يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون قال: «نعم، إذا كثر الخبث».
وروي مالك في الموطأ بلاغًا إن أم سلمة زوجة النبي - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنها قالت: يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نعم، إذا كثر الخبث».
وفي جامع الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف» وقالت: قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا ظهر الخبث» قال الترمذي: هذا حديث غريب.
وروي الطبراني في معجمه الصغير عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ذكر في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - خسف قبل المشرق، فقال بعض الناس: يا رسول الله،يخسف بأرض فيها المسلمون فقال: «نعم، إذا كان أكثر أهلها الخبث».
قال النووي: الخبث بفتح الخاء والباء، وفسره الجمهور بالفسوق والفجور.
وقيل: المراد الزنى خاصة، وقيل أولاد الزنى.
والظاهر أنه المعاصي مطلقًا.
قال: ومعنى الحديث أن الخبث إذا كثر يحصل الهلاك العام، وإن كان هناك صالحون.
انتهى.
وفي المسند عن أم سلمة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده» فقلت: يا رسول الله، أما فيهم يومئذ أناس صالحون؟ قال: «بلى» قالت: فكيف يصنع بأولئك؟ قال: «يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان».
وفي المسند أيضًا عن عائشة رضي الله عنها تبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا ظهر السوء في الأرض أنزل الله بأهل الأرض بأسه» فقالت: وفيهم أهل طاعة الله قال: «نعم، ثم يصيرون إلى رحمة الله».
وفي مستدرك الحاكم عن الحسن بن محمد بن علي عن مولاة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عائشة، أو على بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنا عنده فقال: «إذا ظهر السوء فلم ينهوا عنه أنزل الله بهم بأسه» فقال إنسان: يا نبي الله، وإن كان فيهم الصالحون؟ قال: «نعم، يصيبهم ما أصابهم، ثم يصيرون إلى مغفرة الله ورحمته».
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن أبي البختري قال: حدثني رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لن يهلك الناس حتى يعذروا أو يعذروا من أنفسهم».
قال الخطابي: فسره أبو عبيد في كتابه.
وحكي عن أبي عبيدة أنه قال: معنى يعذروا، أي: تكثر ذنوبهم وعيوبهم.
قال: وفيه لغتان: يقال: اعذر الرجل أعذارًا إذا صار ذا عيب وفساد، قال: وكان بعضهم يقول: عذر يعذر بمعناه، ولم يعرفه الأصمعي.
قال أبو عبيد: وقد يكون يَعذروا بفتح الياء بمعنى يكون لمن بعدهم العذر في ذلك، والله أعلم.
وقال ابن الأثير يقال: اعذر فلان من نفسه إذا أمكن منها، يعني أنهم لا يهلكون حتى تكثر ذنوبهم وعيوبهم، فيستوجبون العقوبة، ويكون لمن يعذبهم عذر، كأنهم قاموا بعذره في ذلك.
ويروي بفتح الياء من عذرته، وهو بمعناه.
انتهى.
وفي المسند والسنن عن قيس بن أبي حازم قال: قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}إلى آخر الآية.
وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر، ولا يغيرونه أوشك الله أن يعمهم بعقابه».
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه أيضًا ابن حبان.
وروى الإمام أحمد أيضًا وأبو داود الطيالسي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن عبيد الله بن جرير عن أبيه رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:«ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعملون، ثم لم يغيروه إلا عمهم الله بعقاب».
ورواه الإمام أحمد أيضًا من حديث المنذر بن جرير عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من قوم يعملون بالمعاصي، وفيهم رجل أعز منهم وأمنع لا يغيره إلا عمهم الله بعقاب، أو أصابهم العقاب».
وقد رواه أبو داود في سننه عن ابن جرير عن جرير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -يقول: «ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه، فلا يغيرون إلا أصابهم الله بعقاب من قبل أن يموتوا».
وروي أبو نعيم في الحلية من حديث الحارث بن سويد أنه سمع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما من رجل في قوم يعمل فيهم بمعاصي الله هم أكثر منه وأعز، فيدهنون في شأنه إلا عاقبهم الله».
وفي المسند وجامع الترمذي عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستحب لكم».
قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وروى الإمام أحمد أيضًا وأبو نعيم في الحلية من طريقه عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: «لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتحاضن على الخير أو ليستحكم الله جميعًا بعذاب أو ليؤمرن عليكم شراركم، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم».
وروى أبو نعيم أيضًا عن عبد الله بن سيدان عن حذيفة رضي الله عنه قال: «لعن الله من ليس منا، والله، لتأمرن بالمعروف، ولتناهون عن المنكر أو لتقتلن بينكم، فليظهرن شراركم على خياركم، فليقتلهم حتى لا يبقى أحد يأمر بمعروف، ولا ينهى عن منكر، ثم تدعون الله عز وجل فلا يجيبكم بمقتكم».
وروى البزار والطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم، فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم».
وروى ابن أبي الدنيا من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم، فليسومونكم سوء العذاب، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليبعثن الله عليكم من لا يرحم صغيركم، ولا يوقر كبيركم».
وروى الأصبهاني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا أيها الناس، مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر قبل أن تدعو الله فلا يستجيب لكم، وقبل أن تستغفروه فلا يغفر لكم، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يدفع رزقًا، ولا يقرب أجلا، وإن الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم، ثم عموا بالبلاء».
وروى الأصبهاني أيضًا عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تزال لا إله إلا الله تنفع من قالها، وترد عنهم العذاب، والنقمة ما لم يستخفوا بحقها» قالوا: يا رسول الله، وما الاستخفاف بحقها؟قال: «يظهر العمل بمعاصي الله، فلا ينكر، ولا يغير».
وفي مراسيل الحسن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تزال هذه الأمة تحت يد الله، وفي كنفه ما لم يمالئ قراؤها امراؤها، وما لم يزك صلحاؤها فجارها، وما لم يهن شرارها خيارها، فإذا هم فعلوا ذلك رفع الله يده عنهم، ثم سلط عليهم جبابرتهم، فساموهم سوء العذاب، ثم ضربهم الله بالفقر والفاقة».
وروى الإمام أحمد والبغوي عن عدي بن عميرة الكندي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الله عز وجل لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرون، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة».
وروى مالك في الموطأ عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه سمع عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يقول: كان يقال: إن الله تبارك وتعالى لا يعذب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عمل المنكر جهارًا استحقوا العقوبة كلهم.
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتاب الصلاة جاء الحديث عن بلال بن سعد أنه قال: الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا ظهرت فلم تغير ضرت العامة.
ورواه أبو نعيم في الحلية من حديث الأوزاعي عن بلال بن سعد أنه قال: إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا أهلها، وإذا أظهرت فلم تغير ضرت العامة.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وإنما تضر العامة لتركهم لما يجب عليهم من الإنكار والتغيير على الذي ظهرت منه الخطيئة.
وروى الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في قول عز وجل: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ} قال: إذا لم يأمروا بالمعروف، ولم ينهوا عن المنكر.
وروى ابن ماجة والبزار والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أقبل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله،ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم» قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وقال في الزوائد: هذا حديث صالح للعمل به.
السنين: جمع سنة، وهي العام المقحط.
وروى الطبراني في الكبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خمس بخمس» قيل: يا رسول الله، ما خمس بخمس، قال: «ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر، ولا طففوا المكيال إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين» قال المنذري: سنده قريب من الحسن، وله شواهد، وصححه السيوطي في الجامع الصغير.
وروى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه بلغه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما ظهر الغلول في قوم قط إلا ألقي في قلوبهم الرعب، وإلا فشا الزنى في قوم قط إلا كثر فيهم الموت، ولا نقص قوم المكيال والميزان، إلا قطع عنهم الرزق، ولا حكم قوم بغير الحق إلا فشا فيهم الدم، ولا ختر قوم بالعهد إلا سلط الله عليهم العدو.
الختر: هو الغدر ونقض العهد.
وروى الطبراني في الأوسط والحاكم والبيهقي عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما نقض قوم العهد قط، إلا كان القتل بينهم، ولا ظهرت الفاحشة في قوم قط، إلا سلط الله عليهم الموت، ولا منع قوم الزكاة، إلا حبس الله عنهم القطر» قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وقال ميمون بن مهران: ما أتي قوم في ناديهم المنكر، إلا عند هلاكهم.
رواه أبو نعيم في الحلية.
الخامسة عشرة: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستنقذان صاحبهما من ملائكة العذاب، كما في حديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في منامه الطويل: «ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الزبانية، فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، فاستنقذه من أيديهم، وأدخله في ملائكة الرحمة».
رواه الطبراني وغيره.
وقال أبو موسى المديني: هذا حديث حسن جدا، ذكر ذلك عنه ابن القيم رحمه الله تعالى.
وقال ابن القيم: هو حديث عظيم شريف القدر، ينبغي لكل مسلم أن يحفظه.
قال: وكان شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يعظم شأن هذا الحديث، وبلغني عنه أنه كان يقول: شواهد الصحة عليه.
وقال المناوي في شرح الجامع الصغير: قال ابن تيمية: أصول السنة تشهد له.
قال المناوي: وإذا تتبعت متفرقات شواهده رأيت منها كثيرًا.
السادسة عشرة: إن في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسمًا لمواد الشر والفساد، وبإهمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ على أيدي السفهاء تغلب الفوضى على الناس، وتنفتح عليهم أبواب الفتن، ويكثر بينهم الشر والفساد والتوثب على ولاة الأمور ومنازعتهم في الولاية، كما وقع ذلك كثيرًا في الأزمان الماضية، وكما هو واقع الآن في كثير من أنحاء العالم، وذلك من نتائج تهاونهم بالدين، وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد قال الله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً}.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين ظهرانيهم، فيعمهم الله بالعذاب.
قال ابن كثير: وهذا تفسير حسن جدًا.
السابعة عشرة: إن في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمانًا من لعنة الله تعالى وسخطه ومقته، وفي ترك القيام بهما تعرض لذلك كله.
قال الله تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ}.
وفي المسند والسنن إلا النسائي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم، فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وواكلوهم، وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم، ذلك بما عصوا، وكانوا يعتدون» وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متكئًا فجلس فقال:«لا والذي نفسي بيده، حتى تَاطُرُوهُمْ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا» هذا لفظ أحمد والترمذي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
ولفظ أبي داود: «أن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل،كان الرجل يلقى الرجل فيقول له: اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعل ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض» ثم قال: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} إلى قوله: {فَاسِقُونَ} ثم قال: «كلا والله، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو لتقصرنه على الحق قصرًا».
زاد في رواية أخرى: «أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم».
وقد تقدم ما رواه الأصبهاني عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم، ثم عموا بالبلاء».
وروي ابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه أنه خطب، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي، ولم ينههم الربانيون والأحبار، فلما تمادوا في المعاصي أخذتهم العقوبات، فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم، واعملوا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقًا، ولا يقرب أجلا.
وفي حديث ابن مسعود وحديث ابن عمر رضي الله عنهم وعيد شديد للمداهنين التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة.
وكذلك في الآيات قبلهما وعيد شديد وذم عظيم للمداهنين التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة.
وأي وعيد أعظم من الوعيد بالطرد والإبعاد من رحمة الله التي وسعت كل شيء عياذًا بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه؟!
ومن الوعيد للمداهنين أيضًا ما رواه الإمام أحمد وابنه عبد الله والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس منا من لم يوقر الكبير، ويرحم الصغير، ويأمر بالمعروف، وينه عن المنكر»قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وصححه ابن حبان.
الثامنة عشرة: إن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمانًا من الذم والتوبيخ في الدنيا والآخرة، ومن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قدرته على ذلك، فله نصيب من الذم والتوبيخ بقدر ما ترك.
قال الله تعالى: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}.
وقال تعالى: {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: الربانيون هم العلماء العمال أرباب الولايات عليهم، والأحبار هم العلماء فقط.
ثم ذكر ما رواه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما في القرآن آية أشد توبيخًا من هذه الآية {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ} الآية.
وكذا قال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها أَنَّا لا ننهى.
رواه ابن جرير.
قال ابن جرير: وكان العلماء يقولون: ما في القرآن آية أشد توبيخًا للعلماء من هذه الآية، ولا أخوف عليهم منها.
وروى ابن جرير أيضًا عن سلمة بن نبيط عن الضحاك أنه قال: الربانيون والأحبار فقهاؤهم وقراؤهم وعلماؤهم قال: ثم يقول الضحاك: وما أخوفني من هذه الآية.
قلت: وفي الذم لبني إسرائيل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتوبيخ لعلمائهم على المداهنة تحذير لهذه الأمة عمومًا.
مختارات

