فقه الهداية (٣)
والهداية درجات:
وأعلاها أن يكون الإنسان معرضاً عما سوى الله، مقبلاً بكليته على ربه ممتثلاً لجميع أوامره، راضياً بقدره، مؤمناً به، مستسلماً له، مقبلاً بكلية قلبه وبدنه وفكره على ربه، بحيث يصير لو أمر بذبح ولده لأطاع كما فعل إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - بابنه إسماعيل.
ولو أمر بأن ينقاد ليذبحه غيره لأطاع كما فعل إسماعيل - صلى الله عليه وسلم -، ولو أمر بأن يصبر على القتل والشق نصفين في سبيل الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأطاع كما فعل يحيى وزكريا عليهما الصلاة والسلام.
ويصبر على الإحراق بالنار في سبيل إعلاء كلمة الله كما فعل إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -.
وهذه مقامات الأنبياء، وهي مقامات عظيمة، وأكثر الناس لا طاقة لهم بذلك، ولا ما دون ذلك، وذلك بسبب ضعف إيمانهم ويقينهم.
ومن اجتهد لإعلاء كلمة الله هداه الله، وهدى به الناس، وبقدر الجهد تنزل الهداية، وإذا قل الجهد أو عدم خرجت الهداية أو ضعفت وقلَّت، فتخرج الهداية أولاً من المعاملات، من التجارة، من المعاشرات، فيتعامل الناس ويتعاشرون بطريقة اليهود والنصارى، ويكتسبون كذلك.
ثم تخرج الهداية من العبادات، ثم ينتهي الدين تدريجياً، فلا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، ويتلى ولكن لا يعمل به، وتظهر في الأمة سنن اليهود والنصارى، وتختفي سنن الدين وأحكامه، ولا يثبت على الإسلام إلا طائفة، من الغرباء.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الإِسْلامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا» أخرجه مسلم (١).
فإذا جاء جهد الدعوة إلى الله جاءت الهداية أولاً إلى العبادات، ثم ظهرت في المعاملات، ثم ظهرت في شعب الحياة عامة.
وبمقدار جهدنا للدين تأتي الهداية من الله للمسلمين والكفار.
وجهد الأنبياء قسمان:
جهد على الكفار.
وجهد على الأصحاب.
فموسى - صلى الله عليه وسلم - أرسله الله إلى فرعون، وإلى بني إسرائيل، والدعوة لأنفسنا أولاً، ولكن لكثرة الطلبات الإنسان يغفل وينسى نفسه، ويدعو غيره، فلا يترقى في العمل، فالدعوة للداعي.
والأمر بالمعروف للآمر كما أن التجارة للتاجر: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)} [العنكبوت: ٦].
وبقوة الدعوة والمجاهدة يزيد إيماننا.
وتقوى عباداتنا.
وتصلح معاملاتنا.
وتحسن معاشراتنا وأخلاقنا.
وتنزل الهداية علينا وعلى غيرنا.
ومن رحمة الله أن كل شيء تكون حاجة الناس إليه أشد يكون الحصول عليه سهلاً كالماء والهواء والطعام.
وكذلك البشرية أحوج ما تكون إلى الدعوة إلى الله، ولذلك جعلها الله أسهل شيء في الدين، يستطيعها كل مسلم، أما الأحكام ففيها صعوبة خص الله بها من شاء من العلماء والفقهاء.
فبالدعوة تنزل الهداية، وبالتعليم يصح العمل، وتزول البدع، وبالعبادة تزكو النفوس، وتستقيم على أوامر الله.
وقد سمى الله عزَّ وجلَّ العلم الذي بعث الله به رسوله نوراً وهدى وحياة، وجعله روحاً؛ لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح، ونوراً لما يحصل به من الهدى والرشاد: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)} [الأنعام: ١٢٢].
والنور ظاهر وباطن:
فإذا حل النور بظاهر الجسم كساه من الجمال والجلال والمهابة والحسن بحسب ما كسي من النور.
وإذا حل النور بالباطن اكتسى من الخير والعلم والرحمة والهداية وحسن الخلق بحسب ذلك النور.
ولما كان ليوسف الصديق - صلى الله عليه وسلم - من هذا النور النصيب الوافر ظهر في جماله الظاهر والباطن.
ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - له من هذا النور أكمل نصيب، فهو أجمل الخلق ظاهراً وباطناً، فكان وجهه يتلألأ تلألؤ القمر ليلة البدر، وكان كلامه كله نوراً، وعمله نوراً، ومدخله نوراً، ومخرجه نوراً، فكان أكمل الخلق في نور الظاهر والباطن.
والأنبياء والصحابة لما ضحوا بأموالهم وأنفسهم وأوقاتهم، وتركوا أهلهم وديارهم من أجل إعلاء كلمة الله انتشرت الهداية بين الناس.
والهداية لا تحصل إلا ببذل الجهد من أجل الدين، والفلاح لا يحصل إلا بركوب قطار الإيمان والأعمال الصالحة.
فمن أراد مكة فليركب في السيارة التي تذهب إلى مكة ولا ينزل منها، أما أن يركب إلى الشام وهو يريد مكة فهذا لا يصل إليها أبداً.
وهكذا الإنسان بالإيمان والأعمال الصالحة يصل إلى الجنة، أما أن يركب الكفر والمعاصي والكبائر ويستبدلها بأوامر الله، فهذا لا يصل إلى الجنة أبداً، ومن سلكها فإنما توصله إلى النار.
ولا تحصل الهداية إلا ببذل الجهد ابتغاء مرضاة الله، وإذا جاءت الهداية جاء الإيمان، وإذا جاء الإيمان سهل على العبد امتثال أوامر الله ورسوله، وإذا امتثلنا أوامر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنا، وإذا رضي الله عنا أسعدنا في الدنيا، وأدخلنا الجنة في الآخرة.
والواجب على كل مسلم أمران:
أن تكون حياته كحياة النبي.
وأن يكون جهده كجهد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فعلينا أن نجعل حياتنا كحياة النبي - صلى الله عليه وسلم - صورة وسريرة، قلباً وقالباً، فمن اتصف بصفات النبي - صلى الله عليه وسلم - يجعله الله سبباً لهداية البشرية، ومن جعل بيته كبيت النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الله بيته سبباً لهداية البشرية.
وعلينا أن نقوم بجهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونصح الخلق، والجهاد في سبيل الله فالمطلوب من كل مسلم: حياة النبي.
وجهد النبي.
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)} [الأحزاب: ٢١].
وإذا قمنا بالدعوة إلى الله نزلت الهداية علينا وعلى غيرنا من العصاة والكفار.
وزاد إيماننا.
وزادت أعمالنا.
وصلحت أحوالنا.
وزال الباطل من حولنا.
وليست مسؤوليتنا أن نكسر الباطل، بل ذلك على الله سبحانه كما قال سبحانه: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)} [الأنبياء: ١٨].
لكن علينا امتثال أوامر الله في كل حال، وطاعة الله ورسوله، وإعداد ما نستطيع من قوة، وفعل ما نستطيع، والله يفعل ما يريد، ومن سنته نصر أوليائه.
وخذلان أعدائه: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤)} [التوبة: ١٤].
والله تبارك وتعالى هو الهادي وحده، وهو كما هدى المؤمنين قادر على هداية الضالين كما قال سبحانه: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)} [الأنعام: ١٤٩].
ولكن حكمته سبحانه اقتضت إبقاءهم على ضلالهم عدلاً منه تعالى، وليس ظلماً؛ لأن إعطاء الإيمان والهدى محض فضله، فإذا منعه أحداً لم يعد ظالماً، لا سيما إذا كان المحل غير قابل للنعم.
والله عزَّ وجلَّ لا يعطي نعمة الهداية إلا على قدر طلب العبد وجهده، والأنبياء بعثهم الله ليجتهدوا على عباد الله ليأتي فيهم طلب الهداية من الله، وإذا كان جهدنا لله فإن الله يفتح لنا أبواب الهداية، وإذا كان جهدنا لغير الله فإن الله لا يفتح أبواب الهداية أمامنا كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)} [العنكبوت: ٦٩].
أما الدنيا فإن الله يعطيها الطالب وغير الطالب، والمجتهد وغير المجتهد.
والهداية لها بداية وليس لها نهاية، فكل باب من الهداية وراءه باب آخر، وهكذا تفتح أبواب الهداية حسب الجهد حتى الموت.
والله سبحانه جعل في سنن محمد - صلى الله عليه وسلم - نور الهدى، وبسبب هذا النور يهتدي الناس إلى الصراط المستقيم، فإذا فقد هذا النور عاش الناس في الظلمات.
فكما أن الإنسان والحيوان والسيارة كل يمشي بسلام بحسب النور الذي عنده، فكذلك المسلم يعيش ويمشي بحسب نور الهداية الذي عنده، فإن لم يكن عنده هذا النور اضطربت حياته، واصطدم مع غيره بسبب فقد النور كما قال سبحانه: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)} [الأنعام: ١٢٢].
وللمحافظة على هذا النور لا بدَّ للعبد من بيئة صالحة يزيد فيها إيمانه، وتقوى أعماله، وتتحسن فيها أخلاقه، وتأتي في حياته السنن والآداب الشرعية، وقد أمرنا الله عزَّ وجلَّ بلزوم هذا البيئة كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)} [التوبة: ١١٩].
فالذي يحضر مجالس الذكر والإيمان يكرمه الله بعشر كرامات:
فعلى أهل مجالس الذكر تنزل السكينة.
وتغشاهم الرحمة.
وتحفهم الملائكة.
ويذكرهم الله فيمن عنده.
ويناديهم مناد انصرفوا مغفوراً لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات.
ويوقظهم الله من سنة الغفلة.
وتستضيء قلوبهم وتشرق حتى ترى معالم قدرة الله.
ويعطيهم الله القوة لضبط نفوسهم من الانزلاق في طريق النقائص والرذيلة.
ويحبهم الله عزَّ وجلَّ.
والناس في الهدى الذي جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعة أقسام:
الأول: مَنْ قَبِل الإسلام ظاهراً وباطناً، وهم الأئمة الذين عقلوا عن الله كتابه، وفهموا مراده، فعملوا به، وبلغوه إلى الأمة.
فهؤلاء كالأرض التي قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، فرعى الناس فيه، ودونهم من حفظه وضبطه، وأداه لغيره، فهؤلاء بمنزلة الأرض التي أمسكت الماء للناس، فوردوه وشربوا منه.
الثاني: من رده ظاهراً وباطناً وكفر به، وهؤلاء نوعان:
السادة.
وأتباعهم.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أصَابَ أرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأنْبَتَتِ الْكَلا وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أجَادِبُ، أمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أخْرَى، إنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أرْسِلْتُ بِهِ» متفق عليه (٢).
الثالث: مَنْ قَبٍل الهدى ظاهراً وكفر به باطناً، وهؤلاء هم المنافقون، وهؤلاء نوعان: من أبصر ثم عمي، وأقر ثم أنكر، وأتباعهم من المقلدين، وهؤلاء أخطر من الكفار: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣)} [المنافقون: ٣].
الرابع: من آمن به باطناً وكتمه ظاهراً، وهم الذين آمنوا بمكة الذين قال الله عنهم: {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)} [الفتح: ٢٥].
ومنهم النجاشي الذي صلى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومنهم مؤمن آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه.
والله عزَّ وجلَّ أعلم بالمحل الذي يصلح لغرس شجرة التوحيد فتثمر بالحمد والشكر، من المحل الذي لا يصلح لغرسها، فلو غُرست فيه لم تثمر، فكان غرسها هناك ضائعاً لا يليق بالحكمة، فهو سبحانه أعلم حيث يجعل رسالته، وهو أعلم بالشاكرين.
فأعطى سبحانه هذا.
ومنع هذا.
لحكمة يعلمها ولا نعلمها: {أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠)} [العنكبوت: ١٠].
فهو سبحانه ما أعطى إلا بحكمة.
ولا منع إلا بحكمة.
ولا هدى إلا بحكمة ولا أضل إلا بحكمة.
وما عمرت الدنيا والآخرة والجنة والنار إلا بحكمته: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)} [التين: ٨].
والله عزَّ وجلَّ ما عدل عن موجب العدل والإحسان في هداية من هدى، وإضلال من ضل، ولم يطرد عن بابه، ولم يبعد عن جنابه من يليق به التقريب والهدى والإكرام.
بل طرد من لا يليق به إلا الطرد والإبعاد، وحكمته وحمده تأبى تقريبه وإكرامه، وجعله من أهله وخاصته وأوليائه.
ولو علم سبحانه في الكفار خيراً وقبولاً لنعمة الإيمان، وشكراً له عليها، ومحبة له، واعترافاً بها، لهداهم إلى الإيمان.
ولهذا لما قالوا للمؤمنين: {أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} [الأنعام: ٥٣].
أجابهم بقوله: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)} [الأنعام: ٥٣].
وهم الذين يعرفون قدر نعمة الإيمان ويشكرون الله عليها.
فالله عزَّ وجلَّ أعلم بمواقع الفضل، ومحال العطاء، ومحال الحرمان، فبحمده وحكمته أعطى وهدى، وبحمده وحكمته منع وأضل.
فمن رده المنع إلى الافتقار إلى الله، والتذلل له، وتملقه، انقلب المنع في حقه عطاءً، ومن شغله عطاؤه: وقطعه عنه انقلب العطاء في حقه منعاً، فمن أعطاه الله فمحله قابل للعطاء، ومن منعه فلأن محله غير قابل للعطاء، وليس معه إناء يوضع فيه العطاء، ومن جاء بغير إناء رجع بالحرمان، ولا يلومن إلا نفسه.
والهادي هو الله تبارك وتعالى.
وكتابه هو الهدى الذي يهدي به على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
والمهتدي هو الذي اهتدى بالهدى بإذن الهادي وتوفيقه.
فها هنا ثلاثة أشياء: فاعل.
وقابل.
وآلة.
فالفاعل هو الله سبحانه، والقابل قلب العبد، والآلة هو الذي يحصل به الهدى وهو الكتاب المنزل.
فالمحل القابل: هو قلب العبد المتقي المنيب إلى ربه، فإذا هداه الله فكأنه وصل أثر فعله إلى محل قابل فتأثر به، فصار له هدى وشفاء ورحمة وموعظة.
وإذا لم يكن المحل قابلاً وصل إليه الهدى فلم يؤثر فيه، كما يصل الغذاء إلى محل غير قابل للاغتذاء، فإنه لا يؤثر فيه شيئاً، بل لا يزيده إلا ضعفاً ومرضاً، وهكذا القرآن شفاء للمؤمنين، وخسارة للكافرين كما قال سبحانه: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)} [الإسراء: ٨٢].
فتخلف الاهتداء يكون إما لعدم قبول المحل تارة.
وإما لعدم آلة الهدى تارة.
وإما لعدم فعل الفاعل وهو الهادي تارة.
ولا يحصل الهدى على الحقيقة إلا عند اجتماع هذه الأمور الثلاثة.
وإذا أعرض العبد عن ربه جازاه بأن يعرض عنه، فلا يمكِّنه من الإقبال عليه كما قال سبحانه: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧)} [التوبة: ١٢٧].
فلما انصرفوا بفعلهم صرف الله قلوبهم عن القرآن وتدبره؛ لأنهم ليسوا أهلاً له، فالمحل غير صالح ولا قابل.
فانصرافهم الأول كان لعدم إرادته سبحانه ومشيئته لإقبالهم؛ لأنه لا صلاحية فيهم ولا قبول، فلم ينلهم القبول والإذعان، فانصرفت قلوبهم بما فيها من الجهل والظلم عن القرآن، فجازاهم على ذلك صرفاً آخر غير الصرف الأول.
كما جازاهم على زيغ قلوبهم عن الهدى إزاغة غير الزيغ الأول كما قال سبحانه: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)} [الصف: ٥].
فهؤلاء ليس عندهم قابلية للإيمان، وأنهم لا خير فيهم يدخل بسببه الإيمان إلى قلوبهم.
ثم أخبر سبحانه عن مانع آخر قام بقلوبهم يمنعهم من الإيمان لو أسمعهم، وهو الكبر والتولي والإعراض كما قال سبحانه: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)} [الأنفال: ٢٣].
فالأول مانع عن الفهم، والثاني مانع عن الانقياد والإذعان.
وإبليس لما عصى ربه تعالى ولم ينقد لأمره، وأصر على ذلك، عاقبه الله بإن جعله داعياً إلى كل معصية، فعاقبه على معصيته الأولى بأن جعله داعياً إلى كل معصية، وصار هذا الإعراض والكفر منه عقوبة لذلك الإعراض والكفر السابق.
فمن عقاب السيئة السيئة بعدها، كما أن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها.
فإن قيل: فالله هو الذي صرفهم وجعلهم معرضين؟
قيل: هم دائرون بين عدله وحجته عليهم، فمكنهم، وفتح لهم الباب، ونهج لهم الطريق، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، ودعاهم على ألسنة رسله، وجعل لهم عقولاً تميز بين الخير والشر، والنافع والضار، وأسباب الشقاء، وأسباب السعادة، وجعل لهم أسماعاً وأبصاراً.
فآثروا الهوى على التقوى.
واستحبوا العمى على الهدى.
واشتغلوا بالشهوات عن الأوامر.
وقالوا: الشرك أحب إلينا من توحيدك.
ومعصيتك آثر عندنا من طاعتك.
وعبادة سواك أنفع لنا من عبادتك.
فأعرضت قلوبهم عن ربهم وخالقهم ومليكهم، وانصرفت عن طاعته ومحبته، فهذا عدله فيهم، وتلك حجته عليهم.
فهم سدوا على أنفسهم باب الهدى إرادة منهم واختياراً، فَسَدَّه الله عليهم اضطراراً، وخلاهم وما اختاروا لأنفسهم، وولاهم ما تولوه، وأدخلهم من الباب الذي استبقوا إليه، وأغلق عنهم الباب الذي تولوا عنه وهم معرضون، إذ لا طارق يطرقه منهم.
فلا أقبح من فعلهم، ولا أحسن من فعله، ولو شاء ربك لَخَلَقهم على غير هذه الصفة.
ولكنه سبحانه حكيم عليم، خلق العلو والسفل، والنور والظلمة، والطيب والخبيث، والنافع والضار، والملائكة والشياطين.
فسبحان الحكيم العليم، وتبارك الله أحسن الخالقين: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)} [الأعلى: ٢،٣].
والهداية المسؤولة في قوله سبحانه: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)} [الفاتحة: ٦].
هي طلب التعريف والبيان والإرشاد، والتوفيق والإلهام.
فكل عبد لا يحصل له الهدى التام المطلوب إلا بعد ستة أمور، وهو محتاج إليها حاجة لا غنى له عنها، وهي:
الأول: معرفة العبد في جميع ما يأتيه ويذره بكونه محبوباً للرب تعالى مرضياً له فيؤثره، وكونه مبغوضاً له مسخوطاً فيجتنبه، فإن نقص من هذا العلم والمعرفة شيء نقص من الهداية التامة بحسبه.
الثاني: أن يكون مريداً لجميع ما يحب الله منه أن يفعله عازماً عليه، ومريداً لترك جميع ما نهى الله عنه، عازماً على تركه بعد خطوره بالبال مفصلاً أو مجملاً، فإن نقص من إرادته لذلك شيء نقص من الهدى التام بحسب ما نقص من الإرادة.
الثالث: أن يكون قائماً به فعلاً وتركاً، فإن نقص من فعله شيء نقص من هداه بحسبه.
فهذه أصول الهداية، ويتبعها ثلاثة أخرى هي من تمامها وكمالها.
أحدها: أمور هدي إليها جملة، ولم يهتد إلى تفاصيلها، فهو محتاج إلى هداية التفصيل فيها.
الثاني: أمور هدي إليها من وجه دون وجه، فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها، لتكمل له هدايتها.
الثالث: الأمور التي هدي إليها تفصيلاً من جميع وجوهها، فهو محتاج إلى استمرار الهداية والدوام عليها.
ويتعلق بالماضي أمر سابع، وهو أمور وقعت منه على غير جهة الاستقامة، فهو محتاج إلى الهداية ليتداركها بالتوبة منها، وتبديلها بغيرها.
وإذا كانت هذه المراتب حاصلة به بالفعل، فحينئذ يكون سؤاله الهداية سؤال تثبيت ودوام، لكن أنى يحصل على الكمال وما يجهله العبد أضعاف ما يعلمه، وما لم يفعله أضعاف ما فعله؟.
والعبد مفتقر إلى الهداية في كل نفس في جميع ما يأتيه وما يذره أصلاً وتفصيلاً، وعلماً وعملاً، وثباتاً ودواماً إلى الموت، فليس له أنفع ولا هو إلى شيء أحوج من سؤال الهداية.
فنسأل الله عزَّ وجلّ َأن يهدينا وجميع المسلمين صراطه المستقيم، وأن يثبت قلوبنا على دينه، والله لا يخيب من سأله ودعاه: {وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)} [الحج: ٥٤].
والله سبحانه يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، ومن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وهو أعلم بمن يصلح لدار كرامته، ومن يصلح لدار إهانته، والهدى والإضلال بيد الله وحده لا بيد العبد، والعبد هو الضال أو المهتدي، فالهداية والإضلال فعله سبحانه، والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه.
والله سبحانه أمر العباد أن يكونوا مع مراده الديني منهم، لا مع مراد أنفسهم، فأهل طاعته آثروا الله ومراده على مرادهم، فاستحقوا كرامته.
وأهل معصيته آثروا مرادهم على مراده، وعلم الله سبحانه أنهم لا يؤثرون مراده البتة، وإنما يؤثرون أهواءهم ومرادهم، فأمرهم ونهاهم، فظهر بأمره ونهيه ما قدره عليهم، فقامت عليهم بالمعصية حجة عدله فعاقبهم بظلمهم.
فإن قيل: كيف تقوم حجته عليهم وقد منعهم من الهدى وحال بينهم وبينه؟.
قيل: حجته سبحانه قائمة عليهم بتخليته بينهم وبين الهدى، وبيان الرسل لهم، وإراءتهم الصراط المستقيم حتى كأنهم يشاهدونه عياناً، وأقام لهم أسباب الهداية ظاهراً وباطناً، ولم يحل بينهم وبين تلك الأسباب.
ومن حال بينه وبينها منهم بزوال عقل، أو صغر سن، أو كونه بناحية من الأرض لم تبلغه دعوة رسله، فإنه لا يعذب حتى يقيم عليه حجته.
فلم يمنعهم من هذا الهدى، ولم يحل بينهم وبينه.
وهو سبحانه وإن قطع عنهم توفيقه، ولم يرد من نفسه إعانتهم، والإقبال بقلوبهم إليه، فلم يحل بينهم وبين ما هو مقدور لهم، وإن حال بينهم وبين ما لا يقدرون عليه، وهو فعله ومشيئته وتوفيقه، فهذا غير مقدور لهم، وهو الذي منعوه، وحيل بينهم وبينه.
والهداية إلى الصراط المستقيم والتوفيق لذلك بيد الله وحده كما قال سبحانه لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)} [سبأ: ٥٠].
والناس قسمان:
حي قابل للانتفاع، يقبل الإنذار، وينتفع به.
وميت لا يقبل الإنذار، ولا ينتفع به؛ لأن أرضه غير زاكية، ولا قابلة لخير البتة، فيحق عليه القول بالعذاب، وتكون عقوبته بعد قيام الحجة عليه، لا بمجرد كونه غير قابل للهدى والإيمان، بل لأنه غير قابل ولا فاعل.
فلما أرسل الله إليه رسوله فأمره ونهاه، فعصى الرسول بكونه غير قابل للهدى، فعوقب بكونه غير فاعل، فحق عليه القول أنه لا يؤمن ولو جاءه الرسول كما قال سبحانه: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣)} [يونس: ٣٣].
ومن آمن بالله فقد اهتدى، ومن لم يؤمن بالله فهو المشاق للحق المعادي للهدى، فالمؤمن وحده المهتدي، ولا عليه من شقاق من لا يهتدي ولا يؤمن، ولا عليه من كيده ومكره، ولا عليه من جدله ومعارضته، فالله سيتولاهم عنه، وهو كافيه وحسبه: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)} [البقرة: ١٣٧].
(١) أخرجه مسلم برقم (١٤٦).
(٢) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٧٩) واللفظ له، ومسلم برقم (٢٢٨٢).
مختارات

