فقه الابتلاء (٥)
وجهد الدعوة له ثلاث مراتب:
البداية.
التربية.
الثمرة.
فالبداية بالدعوة.
والتربية بالأحوال والابتلاء.
والثمرة بالنصرة ونزول الهداية.
فكل بلاء يصيب العباد لا كاشف له إلا الله الكافي الشافي.
وكل بلاء يصيب العبد يحتاج إلى صبر، وبحسب قوة البلاء تكون قوة الصبر، وبحسب قوة الصبر تكون كثرة الأجر كما قال سبحانه: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)} [الزمر: ١٠].
وقوة الصبر على البلاء تنشأ من عدة أسباب:
أحدها: شهود جزاء المصيبة وثوابها.
الثاني: شهود تكفيرها للسيئات ومحوها لها.
الثالث: شهود القدر السابق الجاري بها، وأنها مقدرة مسطورة في أم الكتاب قبل أن يخلق، فجزعه لا يزيده إلا عذاباً.
الرابع: شهوده حق الله عليه في تلك البلوى وهو الصبر، أو الصبر والرضا وهذا أكمل، أو الصبر والشكر وهذا أعلى.
الخامس: علمه أن المصيبة أصابته بسبب ذنبه، فشغله شهود هذا السبب بالاستغفار الذي هو أعظم الأسباب في دفع تلك المصيبة.
السادس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له، واختارها وقسمها، وأن العبودية تقتضي رضاه بما رضي له به سيده ومولاه.
السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة هي دواء نافع له، ساقه إليه العليم بمصلحته، الحكيم الذي يضع الشيء في موضعه، الرحيم به، فليصبر على تجرعه.
الثامن: أن يعلم أن في عقبى هذا الدواء من الشفاء والعافية والصحة وزوال الألم ما لم تحصل بدونه، فلا ينظر إلى مرارة الدواء، بل ينظر إلى عاقبته وحسن تأثيره.
التاسع: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله، وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليه، فيتبين حينئذ هل يصلح لاستخدامه وجعله من أولياء الله وحزبه أم لا؟.
فإن ثبت اصطفاه واجتباه، وخلع عليه خلع الإكرام، وألبسه ملابس الفضل، وجعل أولياءه وحزبه خدماً له وعونا له.
وإن انقلب على وجهه ونكص على عقبيه طرد، وصفع قفاه، وتضاعفت عليه المصيبة وهو لا يشعر.
العاشر: أن يعلم أن الله يربي عبده على السراء والضراء، والنعمة والبلاء، فيستخرج منه عبوديته في جميع الأحوال، فإن العبد حقاً من قام بعبودية الله على اختلاف الأحوال.
وأما عبد السراء والعافية، الذي يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه، فليس من عبيده الذين اختارهم لعبوديته، ولو علم العبد أن نعمة الله عليه في البلاء ليست بدون نعمة الله عليه في العافية لشغل قلبه ولسانه بشكره.
فهذه الأسباب ونحوها تثمر الصبر على البلاء، فإن قويت أثمرت الرضا والشكر و {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)} [الجمعة: ٤].
والله جل جلاله على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، قدر جميع ما يجري في الكون من الأرزاق والآجال، والأقوال والأعمال، والمصائب، والأحوال كما قال سبحانه: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)} [الحديد: ٢٢،٢٣].
فالله سبحانه قدر ما يصيب العباد من المصائب قبل أن يخلق ويبرأ الأنفس والمصائب والأرض.
وأخبر أن مصدر ذلك قدرته عليه، وأنه يسير عليه، وحكمته البالغة التي منها ألا يحزن عباده على ما فاتهم إذا علموا أن المصيبة فيه بقدره وكتابته، وقد كتبت قبل خلقهم.
فإذا علموا ذلك هان عليهم الفائت فلم يأسوا عليه، ولم يفرحوا بالحاصل لعلمهم أن المصيبة مقدرة في كل ما يقع على الأرض، فكيف يفرح بشيء قد قدرت المصيبة فيه قبل خلقه؟.
ولما كانت المصيبة تتضمن فوات محبوب أو خوف فواته.
أو حصول مكروه أو خوف حصوله، نبه بالأسى على الفائت على مفارقة المحبوب بعد حصوله، وعلى فوته حيث لم يحصل، ونبه بعدم الفرح به إذا وجد على توطين النفس لمفارقته قبل وقوعها، وعلى الصبر على مرارتها بعد الوقوع.
وهذه هي أنواع المصائب، فإذا تيقن العبد أنها مكتوبة مقدرة، وأن ما أصابه منها لم يكن ليخطئه، وإنَّ ما أخطأه منها لم يكن ليصيبه هانت عليه، وخف حملها، وأنزلها منزلة الحر والبرد.
والجزع ضعف في النفس، وخوف في القلب.
يمده شدة الطمع والحرص.
ويتولد من ضعف الإيمان بالقدر.
ومتى آمن العبد بالقدر علم أن المقدر كائن ولا بدَّ، وعلم أن المصيبة مقدرة في الحاضر والغائب، فلم يجزع ولم يفرح، وإلا فالجزع عناء محض، ومصيبة ثانية.
أما رقة القلب فإنها ناشئة من صفة الرحمة التي هي كمال، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، وكان رسول الله أرق الناس قلباً، وأغزرهم دمعاً، وأبعدهم من الجزع؛ لكمال معرفته ورحمته، وأقرب الخلق إلى الله أعظمهم رأفة ورحمة.
فالقلب إذا أشرق فيه نور الإيمان، واليقين بالوعد، وامتلأ من محبة الله وإجلاله رق، وسكنت فيه الرحمة والرأفة، فتراه رقيق القلب رحيماً بكل مخلوق: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)} [التوبة: ١٢٨].
ولا يجوز للعباد أن يرضوا بكل مقضي مقدر من أفعال العباد كالكفر والمعاصي، ولكن على الناس أن يرضوا بكل ما أمر الله به وشرعه، فليس لأحد أن يسخط ما أمر الله به وشرعه.
وينبغي للإنسان أن يرضى بما قدره الله عليه من المصائب التي ليست ذنوباً، مثل أن يبتليه بفقر أو مرض، أو ذل أو أذى الخلق له، فإن الصبر على المصائب واجب، والرضا بها مشروع: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)} [المعارج: ٥].
وعلى المسلم في جميع الأحوال في السراء والضراء لزوم الأوامر الشرعية، وعدم التأثر بالأحوال، وبسبب الأوامر نتحمل الأحوال، وبسبب الأحوال لا نغير الأوامر ليكون الله معنا، ويكشف ما حل بنا: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)} [آل عمران: ١٢٠].
وكل ما قدره الله وقضاه من أنواع الابتلاء والامتحان والآلام للأطفال والحيوانات، ومن هو خارج عن التكليف، ومن لا ثواب ولا عقاب عليه، كله جار على مقتضى الحكمة.
فالرب سبحانه أسماؤه حسنى، وصفاته كاملة، وأفعاله كلها حكمة ومصلحة، وله على ذلك كل حمد ومدح وثناء، وكل خير فمنه وله وبيده، وهو أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين.
والشر ليس إليه بوجه من الوجوه، وإن كان في مفعولاته فهو خير بإضافته إليه، وشر بإضافته إلى من صدر منه أو وقع به.
والأمر قسمة بين فضل الله وعدله، فيختص برحمته من يشاء، ويقصد بعذابه من يشاء، وهو المحمود على هذا وهذا.
فالطيبون من خلقه مخصوصون بفضله ورحمته، والخبيثون مقصودون بعذابه، ولكل واحد قسطه من الحكمة والابتلاء والامتحان، وكلٌّ مستعمل فيما هو مهيأ له، وله مخلوق، وكل ذلك خير ونفع ورحمة للمؤمنين، فإنه تعالى خلقهم للخيرات فهم لها عاملون.
فإذا واقعوا معصية عاد ذلك عليهم رحمة، وانقلب في حقهم دواء، وبُدِّل حسنة بالتوبة النصوح، والحسنات الماحية كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)} [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].
لأنه سبحانه عرفهم بنفسه وبفضله، وأن قلوبهم بيده، وعصمتهم إليه، وأراهم عزته في قضائه، وبره وإحسانه في عفوه ومغفرته، وأشهدهم نفوسهم وما فيها من النقص والظلم والجهل.
وأشهدهم حاجتهم إليه، وافتقارهم وذلهم بين يديه، وأنه إن لم يغفر لهم، ويعف عنهم، فليس لهم سبيل إلى النجاة أبداً.
فإنهم لما عزموا ألا يعصوه، ثم عصوه بمشيئته وقدرته، عرفوا بذلك عظيم قدرته، وجميل ستره إياهم وكريم حلمه عنهم، وسنة مغفرته لهم، فدعوه فأجابهم وتاب عليهم.
فلما تابوا إليه واستغفروه عرفهم رحمته وسعة مغفرته، وأشهدهم حمده العظيم، وبره العميم، وكرمه في أن خلى بينهم وبين المعصية فنالوها بنعمته وإعانته، ثم لم يخل بينهم وبين ما توجبه من الهلاك والفساد، بل تداركهم بالدواء الثاني الشافي فرحمهم، وجعل تلك الآثار التي توجبها المعصية من المحن والبلاء والشدائد رحمة لهم، وسبباً إلى علو درجاتهم، ونيل الزلفى والكرامة عنده سبحانه.
فأشهدهم العزيز الحكيم بالجناية عزة الربوبية وذل العبودية، ورقاهم بآثارها إلى منازل قربه ونيل كرامته.
والله تبارك وتعالى أرحم بعباده من أنفسهم وأعلم بما يصلحهم، وهو الذي يربيهم بما ينفعهم، فمتى مال قلب العبد إلى ما سوى الله جعل الله ذلك الشيء منشأ للآفات، فحينئذ ينصرف وجه القلب عن المخلوق إلى الخالق، وفي ذلك سعادته ونجاته وفلاحه.
فآدم - صلى الله عليه وسلم - لما تعلق قلبه بالجنة جعلها الله محنة عليه حتى زالت الجنة، فبقي آدم مع ذكر الله سبحانه.
ولما استأنس يعقوب - صلى الله عليه وسلم - بيوسف - صلى الله عليه وسلم - أوقع الفراق بينهما، حتى بقي يعقوب مع ذكر الحق سبحانه.
ولما طمع محمد - صلى الله عليه وسلم - من أهل مكة في النصرة والإعانة صاروا من أشد الناس عليه، فما أوذي نبي مثل ما أوذي، حتى صار اعتماده وتوكله باليقين على ربه وحده، ولم يلتفت إلى ما سواه.
والله تبارك وتعالى خلق السموات والأرض ليبتلي عباده بأمره ونهيه، وهذا الحق الذي خلق به خلقه.
وخلق الموت والحياة ليبتليهم أيضاً، فأحياهم ليبتليهم بأمره ونهيه، وقدر عليهم الموت الذي ينالون به عاقبة ذلك الابتلاء من الثواب والعقاب.
وزين لهم ما على الأرض من أشياء وشهوات ليبتليهم به، أيهم يؤثر ذلك عليه سبحانه.
وابتلى بعضهم ببعض، وابتلاهم بالنعم والمصائب.
فأظهر هذا الابتلاء علمه السابق فيهم موجوداً عياناً، بعد أن كان غيباً في علمه لا يعلمه إلا هو.
فابتلى سبحانه أبوي الإنس والجن كلاً منهما بالآخر، فأظهر ابتلاء آدم ما علمه منه، وأظهر ابتلاء إبليس ما علمه الله منه، فلهذا قال سبحانه للملائكة: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)} [البقرة: ٣٠].
واستمر هذا الابتلاء في الذرية، ولا زال ماضياً إلى يوم القيامة، فابتلى الأنبياء والرسل بأممهم، وابتلى أممهم بهم.
وبهذا الابتلاء والامتحان تظهر الحقائق، ويظهر ما كان كامناً في النفوس ولذا قال سبحانه: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)} [الفرقان: ٢٠].
وقال سبحانه: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)} [الأنبياء: ٣٥].
وأكثر الناس لا يعترف بما كان عليه أولاً من نقص وجهل وفقر وذنوب، وأن الله سبحانه نقله من ذلك إلى ضد ما كان عليه، وأنعم عليه بذلك ظاهراً وباطناً.
ولذا ينبه الله سبحانه الإنسان على مبدأ خلقه الضعيف من الماء المهين، ثم نقله في أطباق خلقه وأطواره من حال إلى حال، حتى جعله بشراً سوياً يسمع ويبصر، وينطق ويبطش، ويعلم ويتحرك، ويأمر وينهى، ويصول ويجول، كما قال سبحانه: {أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)} [المعارج: ٣٨،٣٩].
فهو سبحانه الرب الإله الذي خلقهم مما يعلمون، لا يحسن به مع ذلك أن يتركهم سدى، لا يرسل إليهم رسولاً، ولا ينزل عليهم كتاباً، ولا يعجز سبحانه مع ذلك أن يخلقهم بعد ما أماتهم خلقاً جديداً، ويبعثهم إلى دار يوفيهم فيها أعمالهم من خير أو شر.
فكيف يطمع هؤلاء الكفار في دخول الجنة وهم يكذبون الله، ويكذبون رسله، ويعدلون به خلقه، وهم يعلمون من أي شيء خلقهم؟.
وسبب الخذلان لهم عدم صلاحية المحل وأهليته، وعدم قبوله للنعمة، بحيث لو وافته النعم لقال هذا لي، وإنما أوتيته لأني أهله ومستحقه، كما قال سبحانه عن قارون حين: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)} [القصص: ٧٨].
وسليمان - صلى الله عليه وسلم - رأى ما أوتيه من الملك من فضل الله عليه ومنته كما قال سبحانه: {قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)} [النمل: ٤٠].
أما قارون فرأى ذلك من نفسه واستحقاقه وأنه أهله وحقيق به، وإذا علم الله هذا من قلب العبد فذلك من أعظم أسباب خذلانه وتخليه عنه، فإن محله لا تناسبه النعمة المطلقة التامة.
فأسباب الخذلان من النفس.
وأسباب التوفيق مِن جَعْل الله لها قابلة للنعمة، فأسباب التوفيق منه ومن فضله.
وهو الخالق لهذه وهذه.
كما خلق أجزاء الأرض هذه قابلة للنبات.
وهذه غير قابلة له.
وخلق الشجر هذه تقبل الثمرة.
وهذه لا تقبلها.
وخلق الأرواح الطيبة قابلة لذكره وشكره، وإجلاله وتعظيمه، وتوحيده ونصح عباده.
وخلق الأرواح الخبيثة غير قابلة لذلك، بل لضده، وهو الحكيم العليم.
والإنسان لا يصل إلى أسمى الغايات وأكمل النهايات إلا على جسر من الابتلاء والامتحان، وهذا الجسر لكماله يشبه الجسر الذي لا سبيل إلى دخول الجنة إلا بعبوره.
وكم لله من نعمة ورحمة ومنحة فيما يبتلي به عباده، فصورته صورة ابتلاء وامتحان، وباطنه فيه رحمة ونعمة، فكم لله من نعمة جسيمة ومنَّة عظيمة تجنى من قطوف الابتلاء والامتحان.
فتأمل حال أبينا آدم - صلى الله عليه وسلم -، وما آلت إليه محنته من الاصطفاء والاجتباء، والتوبة والهداية، ورفعة المنزلة، فلولا تلك المحنة التي جرت عليه، وهي إخراجه من الجنة وتوابع ذلك، لما وصل إلى ما وصل إليه من التكريم، وبعث الأنبياء والرسل والمؤمنين والمجاهدين من نسله.
وتأمل حال أبينا الثاني نوح - صلى الله عليه وسلم -، وما آلت إليه محنته وصبره على قومه تلك القرون كلها، حتى أقر الله عينه، وأغرق أهل الأرض من الكفار بدعوته، وجعل العالم من بعده كلهم من ذريته، وجعله من أولي العزم الذين هم أفضل الرسل.
ثم تأمل حال أبينا الثالث إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - إمام الحنفاء، وأبو الأنبياء، وخليل رب العالمين، لما بذل نفسه وما يملك لله ونصرة دينه اتخذه الله خليلاً لنفسه، وأمر سيد الأنبياء والرسل محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يتبع ملته.
وجازاه سبحانه على تسليمه ولده لأمر الله أن بارك في نسله، وكثَّره حتى ملأ السهل والجبل.
فالله سبحانه جواد كريم من ترك لوجهه أمراً أو فعله لوجهه بذل الله له أضعاف ما تركه من ذلك الأمر أضعافاً مضاعفة، وجازاه بأضعاف ما فعله لأجله أضعافاً مضاعفة.
فلما أمر الله إبراهيم بذبح ولده فبادر لأمر الله، ووافق عليه الولد أباه، وكلاهما رضي وسلم لأمر لله، وعلم الله منهما الصدق والوفاء، فداه بذبح عظيم، وأعطاهما الملك والنبوة، وبارك في نسلهما حتى ملؤوا الأرض.
وجعل من نسلهما هاتين الأمتين العظيمتين: (بنو إسرائيل).
و (بنو إسماعيل).
مع ما أكرمه الله به من رفع ذكره، والثناء الجميل عليه على ألسنة جميع الرسل والأمم من بعده، وفي السموات بين الملائكة: {سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١)} [الصافات: ١٠٩ - ١١١].
ثم تأمل حال الكليم موسى - صلى الله عليه وسلم -، وما آلت إليه محنته وفتونه من أول ولادته إلى منتهى أمره، حتى كلمه الله تكليماً، وقربه منه، واصطنعه لنفسه، وكتب له التوراة بيده، ورفعه إلى أعلى السموات، واحتمل له ما لا يحتمل لغيره، لتحمله الشدائد والمحن العظام في الله، ومقاساة الأمر الشديد مع فرعون وقومه، ثم مع بني إسرائيل.
ثم تأمل حال المسيح - صلى الله عليه وسلم - وصبره على قومه، واحتماله في الله ما تحمله منهم، حتى رفعه الله إليه، وطهره من الذين كفروا، وانتقم من أعدائه، وقطعهم في الأرض، ومزقهم كل ممزق، وسلب ملكهم وفخرهم إلى آخر الدهر.
ثم تأمل حال نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وسيرته مع قومه، وصبره في الله، واحتماله ما لم يحتمله نبي قبله، وتلون الأحوال عليه، من سلم وحرب، وغنى وفقر، وإقامة وظعن، وخوف وأمن، وتركه من أجل الله كل شيء، وقتل أحبابه وأوليائه وأصحابه بين يديه كما حصل في أُحُد وغيرها.
وأذى الكفار له بسائر أنواع الأذى من القول والفعل، والسحر والكذب، والافتراء عليه، والاستهزاء به، والسخرية منه ومن دينه وأتباعه، وهو في ذلك كله صابر على أمر الله، يدعو إلى الله، ويرحم عباد الله، ويستعطفهم ليؤمنوا بالله.
فلم يؤذَ نبي ما أوذي كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلاَّ شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ» أخرجه الترمذي وابن ماجه (١).
فرفع الله ذكره.
وقرن اسمه باسمه.
وجعله سيد الناس كلهم في الدنيا والآخرة.
وجعله أقرب الخلق وسيلة.
وأعظمهم جاهاً.
وكانت تلك المحن والابتلاء عين كرامته.
وهو مما زاده الله بها شرفاً وفضلاً.
وساقه بها إلى أعلى المقامات.
وهذا حال ورثته من بعده الأمثل فالأمثل، كل له نصيب من المحنة والابتلاء، يسوقه الله بها إلى كماله بحسب متابعته له.
فكم لله من الحكم في ابتلائه أنبيائه ورسله وعباده المؤمنين، ما تتقاصر عقول العالمين عن معرفته، وهل وصل من وصل إلى المقامات المحمودة والنهايات الفاضلة إلا على جسر المحنة والابتلاء.
ونصيب كل عبد من الرحمة على قدر نصيبه من الهدى، وأكمل المؤمنين إيماناً أعظمهم رحمة، كما قال سبحانه: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: ٢٩].
والمؤمن كلما اتسع علمه بالله ودينه اتسعت رحمته، وقد وسع ربنا كل شيء رحمة وعلماً، وهو سبحانه أرحم بالعبد من نفسه، وأعلم بمصلحة العبد من نفسه، ومن تمام رحمة أرحم الراحمين تسليط أنواع البلاء على العبد، فإنه أعلم بمصلحته، فابتلاؤه له وامتحانه ومنعه من كثير من أغراضه وشهواته من رحمته به، ولكن العبد لجهله وظلمه يتهم ربه بابتلائه، ولا يعلم إحسانه إليه بابتلائه وامتحانه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)} [البقرة: ٢١٦].
(١) صحيح: أخرجه الترمذي برقم (٢٤٧٢)، وهذا لفظه، صحيح سنن الترمذي (٢٠١٢).
وأخرجه ابن ماجه برقم (١٥١)، صحيح سنن ابن ماجه رقم (١٢٣).
مختارات

