فقه الهداية (٤)
وليس في الحياة إلا اتجاهان اثنان:
إما الدخول في السلم كافة.
وإما اتباع خطوات الشيطان.
إما هدى.
وإما ضلال.
إما إسلام.
وإما جاهلية.
فمن لا يدخل في السلم بكليته، ولا يسلم نفسه لربه وشريعته، فهو لا شك داخل في حلف الشيطان، سائر على خطوات الشيطان، وقد دعا الله عباده المؤمنين إلى الدخول في السلم كافة، وحذرهم من اتباع خطوات الشيطان بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)} [البقرة: ٢٠٨].
وليس من سنة الله أن يغفر للكفار الذين يصدون عن سبيل الله بعدما ضلوا ضلالاً بعيداً، وقطعوا على أنفسهم كل طريق للمغفرة.
وليس من شأن الله أن يهديهم طريقاً إلا طريق جهنم، وقد قطعوا على أنفسهم كل طريق للهدى، وصرفوا أنفسهم عن كل طريق إلا طريق جهنم، فأبعدوا فيه وأوغلوا، واستحقوا الخلود المؤبد في جهنم بإصرارهم على الكفر والضلال، والظلم والصد عن سبيل الله، بحيث لا يرجى لهم بعد هذا الإصرار والإبعاد مآب: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)} [النساء: ١٦٨،١٦٩].
وسنة الله سبحانه أن يهدي من يجاهد ليبلغ الهدى، وأن يفلح من يزكي نفسه ويطهرها كما قال سبحانه: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)} [الشمس: ٧ - ١٠].
وأما من لا يتجه إلى الهدى ولا يطلبه فإن الله لا يهديه، ومن عطل أجهزته الفطرية ابتداءً جعل الله بينهم وبين الهدى حجاباً، فكل شيء بأمر الله، ومن أمر الله أن يهدي من يجاهد، ومن أمر الله أن يجعل على قلوب المعرضين أكنة أن يفقهوه، وفي آذانهم وقراً أن يسمعوه.
والهداية بيد الله عزَّ وجلَّ، ولكنها تجيء في موعدها، لا يعجلها عن هذا الموعد أن الدعاة الأبرياء المخلصين يتلقون الأذى والتكذيب، ولا أن المجرمين الضالين يؤذون الطيبين.
ولا يعجلها كذلك عن موعدها أن صاحب الدعوة المخلص المتجرد من ذاته وشهواته، إنما يرغب في هداية قومه حباً في هدايتهم، ويئس على ما هم فيه من ضلال وشقوة، وعلى ما ينتظرهم من دمار وعذاب في الدنيا والآخرة، لا يعجلها عن موعدها شيء من ذلك كله.
فإن الله لا يعجل لعجلة أحد من خلقه، فلنزول المطر أسباب وأوقات، ولنزول الهداية أسباب وأوقات، ولا يعلم ذلك إلا الله وحده، ولا مبدل لكلماته: {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)} [الأنعام: ٣٥].
فهدى الناس لا يتوقف على أن تأتيهم بآية، فليس الذي ينقص هو الآية التي تدلهم على الحق فيما تقول، فلو شاء الله لجمعهم على الهدى: إما بتكوين فطرتهم من الأصل على أن لا تعرف سوى الهدى كالملائكة، وإما بتوجيه قلوبهم، وجعلها قادرة على استقبال هذا الهدى والاستجابة إليه، وإما بإظهار خارقة تلوي أعناقهم، أو بغير ذلك، وكلها يقدر الله عليها.
ولكنه سبحانه لحكمته خلق الإنسان لوظيفة معينة، وأعطاه استعدادات مختلفة يستقبل بها دلائل الهدى، وموجبات الإيمان.
ولذلك لم يجمع الله الناس على الهدى بأمر تكويني من عنده، ولكنه أمرهم بالهدى، وترك لهم اختيار الإيمان والطاعات، أو الكفر والمعاصي، وتلقي الجزاء العادل في نهاية المطاف.
والناس في استقبال الوحي الذي جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فريقان:
فريق حي وأجهزة الاستقبال فيه حية عاملة مفتوحة، وهؤلاء يستجيبون للهدى، فهو عندها من القوة والوضوح بحيث يكفي أن تسمعه وتستجيب له فوراً.
وفريق ميت معطل الفطرة، لا يسمع ولا يستقبل، ومن ثم لا يتأثر ولا يستجيب، ليس الذي ينقصه أن هذا الحق لا يحمل دليله، فدليله كامن فيه، إنما الذي ينقص هذا الفريق من الناس هو حياة الفطرة، وقيام أجهزة الاستقبال فيها بمجرد التلقي.
وهؤلاء لا حيلة للرسول فيهم، ولا مجال معهم للبرهان، إنما يتعلق أمرهم بمشيئة الله، إن شاء بعثهم فسمعوا واستجابوا، وإن شاء لم يبعثهم في هذه الدنيا: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)} [الأنعام: ٣٦].
والله سبحانه هو الهادي، وهدى الله هو الهدى، والإنسان بل البشرية كلها كلما تركت هذا الهدى، أو انحرفت عن شيء منه، أو استبدلت به شيئاً من عند أنفسها، كلما تخبطت في التيه، وركبت الشقاء، وضلت عن سواء السبيل.
وقد وهب الله الإنسان القدرة على التعرف على بعض ما في الكون، وبعض طاقاته وقواه، للانتفاع بها في خلافته في الأرض، وترقية هذه الحياة لنفع البشرية وفق الشرع الإلهي.
لكن هذا الإنسان ذاته غير موهوب من الله القدرة على معرفة الحقائق المطلقة في هذا الكون، ولا على الإحاطة بأسرار الغيوب التي تلفه من كل جانب، ومنها غيب عقله وروحه، بل غيب وظائف جسمه، وما يدفعه للعمل بهذا الانتظام، وهذا الاتجاه.
ومن ثم يحتاج هذا الإنسان إلى هدى الله في كل ما يختص بوجوده وحياته، من عقيدة وخلق، وشعائر وشرائع، تملأ حياته بمنهج ربه وهداه.
وكلما فاء هذا الإنسان إلى هدى ربه اهتدى؛ لأن هدى الله هو الهدى كما قال سبحانه: {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)} [الأنعام: ٧١].
وكلما بعد الإنسان كلية عن هداه، أو انحرف بعض الانحراف، واستبدل به شيئاً من عنده ضل، وماذا بعد الحق إلا الضلال.
لهذا فلا بدَّ لكل إنسان يريد السعادة في الدنيا والآخرة أن يستسلم لرب العالمين، فهو وحده الذي استسلم له العالمون، فالعوالم كلها في العالم العلوي، والعالم السفلي، كلها مستسلمة له، منقادة له، خاضعة له، مطيعة له.
فما الذي يجعل الإنسان يشذ من بين العالمين عن الاستسلام لهذا الرب الذي أسلم له من في السموات ومن في الأرض؟.
والإنسان في تركيبه العضوي مستسلم لربه، فهو مضطر في وجوده وبقائه ورزقه إلى ربه، كما استسلمت لربه كافة المخلوقات فهو الملك: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)} [آل عمران: ٨٣].
فلم يبق للإنسان إلا أن يستسلم في الجانب الذي ترك له الخيار فيه ليبتلى فيه، وهو جانب الاختيار فيه، اختيار الهدى أو الضلال، ولو استسلم فيه استسلام كيانه العضوي لاستقام أمره، وانتظم تكوينه وسلوكه، وسعد جسمه وروحه، وأفلح في دنياه وآخرته.
وكيف لا يستسلم العبد لربه، وهو الذي تحشر إليه الخلائق، فأولى له أن يقدم بين يدي الحشر ما ينجيه، وأن يستسلم له اليوم استسلام العالمين، قبل أن يقف وإياهم أمامه مسؤولين.
وجميع أبواب السعادة في الدنيا والآخرة مقفلة عن جميع البشرية إلا عن أهل الإيمان والتقوى فهي مفتوحة لهم كما قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)} [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
والله الذي يؤمر الخلق بالاستسلام له، هو الذي خلق السموات والأرض، والذي يخلق يملك ويحكم، فلماذا لا يستجيبون له وهم يعلمون أنه لا شريك له؟.
{وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)} [النساء: ١٢٥].
والله سبحانه القادر على كل شيء.
ومشيئته مطلقة في الخلق والإبداع.
وفي التغيير والتبديل.
وفي التصريف والتدبير.
وقوله الحق سواء في القول الذي يقول به للخلق كن فيكون.
أو في القول الذي يأمر به بالاستسلام له وحده.
أو في القول الذي يخبر به عن الماضي والحاضر والمستقبل.
أو القول الذي يخبر به عن الخلق والنشأة.
أو في القول الذي يخبر به عن نفسه وأسمائه وصفاته وأفعاله.
قوله الحق في هذا كله، وهو سبحانه خالق كل شيء: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)} [الأنعام: ٧٣].
فهذا الرب.
وهذا الإله.
وهذا الملك.
وهذا القوي.
أولى أن يستسلم له وحده من يشركون به ما لا ينفع ولا يضر من خلقه، ومن يتبعون قول غيره.
وهو سبحانه عليم بكل شيء، يعلم الغيب المحجوب كما يعلم هذا الكون المشهود، عالم الغيب والشهادة، الذي لا تخفى عليه خافية من أمر العباد، ولا يند عنه شأن من شؤونهم.
فأولى لهم أن يسلموا له، ويعبدوه، ويتقوه.
وهو سبحانه الحكيم الخبير الذي يصرف أمر الكون الذي خلقه، وأمور العباد الذين يملكهم في الدنيا والآخرة بالحكمة والخبرة.
فأولى للعباد أن يسلموا له، ويستسلموا لتوجيهه وشرعه، ويفيئوا إلى هداه وحده، ويخرجوا من التيه والضلال إلى نور الهدى والإيمان: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)} [لقمان: ٢٢ - ٢٤].
والله عزَّ وجلَّ هو الذي خلق الخلق، ولو شاء أن يلزمهم الهدى لألزمهم، ولكنه سبحانه خلق الإنسان بهذا الاستعداد للهدى وللضلال، وتركه يختار طريقه، ويلقى جزاء اختياره في حدود المشيئة المطلقة التي لا يقع في الكون إلا ما تجري به، ولكنها لا ترغم إنساناً على الهدى أو الضلال.
وخلق الله الإنسان على هذا النحو لحكمة يعلمها، وليؤدي دوره في هذا الوجود كما قدره الله له باستعداداته وتصرفاته: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)} [الأنعام: ١٤٩].
ولو حشر الله كل شيء في هذا الكون يواجه الناس، ويدعوهم إلى الإيمان، فإنهم لا يؤمنون إلا أن يشاء الله، والله سبحانه لم يشأ لبعض الناس؛ لأنهم لا يجاهدون في الله ليهديهم إليه، وهذه هي الحقيقة التي يجهلها أكثر الناس عن طبائع القلوب.
إنه لا ينقص الذين يلجون في الضلال أنه لا توجد أمامهم دلائل وبراهين، إنما الذي ينقصهم آفة في القلب، وعطل في الفطرة، أدى إلى رد الحق.
والهدى جزاء لا يستحقه إلا الذين يتجهون إليه، ويجاهدون في الله من أجل الحصول عليه كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)} [العنكبوت: ٦٩].
والله وحده علام الغيوب، العليم بما في القلوب، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا الذين يملكهم في الدنيا والآخرة بالحكمة والخبرة.
فأولى للعباد أن يسلموا له، ويستسلموا لتوجيهه وشرعه، ويفيئوا إلى هداه وحده، ويخرجوا من التيه والضلال إلى نور الهدى والإيمان: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)} [لقمان: ٢٢ - ٢٤].
والله عزَّ وجلَّ هو الذي خلق الخلق، ولو شاء أن يلزمهم الهدى لألزمهم، ولكنه سبحانه خلق الإنسان بهذا الاستعداد للهدى وللضلال، وتركه يختار طريقه، ويلقى جزاء اختياره في حدود المشيئة المطلقة التي لا يقع في الكون إلا ما تجري به، ولكنها لا ترغم إنساناً على الهدى أو الضلال.
وخلق الله الإنسان على هذا النحو لحكمة يعلمها، وليؤدي دوره في هذا الوجود كما قدره الله له باستعداداته وتصرفاته: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)} [الأنعام: ١٤٩].
ولو حشر الله كل شيء في هذا الكون يواجه الناس، ويدعوهم إلى الإيمان، فإنهم لا يؤمنون إلا أن يشاء الله، والله سبحانه لم يشأ لبعض الناس؛ لأنهم لا يجاهدون في الله ليهديهم إليه، وهذه هي الحقيقة التي يجهلها أكثر الناس عن طبائع القلوب.
إنه لا ينقص الذين يلجون في الضلال أنه لا توجد أمامهم دلائل وبراهين، إنما الذي ينقصهم آفة في القلب، وعطل في الفطرة، أدى إلى رد الحق.
والهدى جزاء لا يستحقه إلا الذين يتجهون إليه، ويجاهدون في الله من أجل الحصول عليه كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)} [العنكبوت: ٦٩].
والله وحده علام الغيوب، العليم بما في القلوب، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا فهم لا يملكون جميعاً أن يحدثوا شيئاً إلا بإذن الله، وفق مشيئته التي جرت بتلك السنن في تصريف العباد، ولكن المؤمنين يطابقون ويجمعون في القدر المتروك لهم للاختيار بين الخضوع القهري، المفروض عليهم في ذوات أنفسهم وفي تكوينهم العضوي، وبين الخضوع الاختياري الذي يلتزمونه بأنفسهم بناء على المعرفة والهدى والاختيار.
وبذلك يعيشون في سلام مع أنفسهم ذاتها؛ لأن الجانب القهري فيها والجانب الاختياري يتبعان ناموساً واحداً ورباً واحداً، فالمؤمنون بالله أعقل العقلاء.
وأما العصاة والكفار فهم مقهورون على اتباع ناموس الله الفطري الذي يقهرهم، ولا يملكون أن يخرجوا عنه في تكوينهم الجسمي، بينما في الجانب الذي ترك لهم الاختيار فيه هم ناشزون على سلطان الله المتمثل في منهجه وشرعه، شاذون عن طاعة الله من بين سائر الخلق.
وهم أشقياء في انفصام شخصيتهم، وهم بعد هذا كله في قبضة الله لا يعجزونه في شيء، ولا يحدثون شيئاً إلا بقدره وإذنه، فالسلطان كله لله، وهم أعجز أن يكون لهم في ذواتهم سلطان، فكيف يكون لهم على المؤمنين سلطان، فلا يؤذون أولياء الله إلا بما شاء الله بإذن الله: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: ١٠٢].
وحواس بعض الناس وجوارحهم مطموسة الاتصال بعقولهم وقلوبهم، فيسمعون ولا يعقلون ما سمعوا.
وينظرون ولا يميزون ما نظروا.
فهي معطلة لا تؤدي حقيقة وظيفتها، فهؤلاء في النار كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)} [الأعراف: ١٧٩].
والأسماع والأبصار والعقول بيد الله وحده، ولكن الله سن سنة وترك الخلق لمقتضى السنة، وأعطاهم الأسماع والأبصار والعقول ليهتدوا بها، فإذا هم عطلوها حقت عليهم سنته التي لا تتخلف ولا تحابي أحداً، ولقوا جزاءهم عدلاً.
فلا يضيق الداعي إذا كذبه الناس وهو يدعوهم إلى الحق، ولا يتألم من العناد الصفيق بعد تكرار البيان والإعلام، فليس إباؤهم عن تقصير منه في الجهد، ولا قصور فيما معه من الحق.
ولكن هؤلاء كالصم الذين لا يسمعون، والعمي الذين لا يبصرون، وما يفتح العيون والآذان إلا الله، فهو شأن خارج عن طبيعة الدعوة، والداعية داخل في اختصاص الله سبحانه وحده.
فكل عبد من عباد الله لا قدرة له خارج مجال العبودية ولو كان رسولاً، فالأمر كله لله الواحد القهار في الدنيا والآخرة، وفي العالم العلوي وفي العالم السفلي: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران: ١٥٤].
والله جل جلاله أعلم بعباده من أنفسهم، فهو الذي يحكم على العباد بأن هذا مهتد وهذا ضال: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)} [القلم: ٧].
وهو سبحانه الهادي الذي أنزل الهدى، وهو صاحب الحق في وزن الناس به، وتقرير من هو المهتدي، ومن هو الضال: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)} [النجم: ٣٢].
والهداية إلى الإيمان نعمة كبرى بل هي أجل النعم، لا يعرفها إلا من ذاقها، فهي تنشئ في القلب حياة بعد الموت، وتطلق فيه نوراً بعد الظلمات.
حياة يعيد بها تذوق كل شيء، وتصور كل شيء، بحس آخر لم يكن يعرفه قبل هذه الحياة، ونوراً يبدو كل شيء تحت أشعته جديداً كما لم يبدُ من قبل قطّ لذلك القلب الحي هو الذي نوره الإيمان كما قال سبحانه: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)} [الأنعام: ١٢٢].
فالقلوب إذا لم يدخلها الإيمان والهدى فهي ميتة مظلمة، فإذا دخل الإيمان في القلوب اهتزت وتحركت بالذكر والعبادة والطاعة لمولاها، فاطمأنت بذكره، وأنست بقربه، وتلذذت بعبادته، وأشرقت أرواح المؤمنين بهذا النور وأضاءت، وفاض منها النور تمشي به في الناس، تهدي الضال، وتلتقط الشارد، وتطمئن الخائف، وتكشف معالم الطريق للبشر، وتحقق مراد الله في أرضه وعباده.
فهل يستوي هذا الحي الذي أنار الله قلبه بالإيمان، بميت جاثم في الظلمات؟.
والهدى والرشاد هما غاية كمال العبد، وبهما سعادته وفلاحه.
والراشد المهدي هو الذي زكت نفسه بالعلم النافع، والعمل الصالح، وهو صاحب الهدى ودين الحق.
والناس في هذا أربعة أقسام:
الأول: مهتد في علمه، راشد في قصده وعمله، وهؤلاء ورثة الأنبياء، وصفوة الله من عباده، وهم وإن كانوا الأقلين عدداً، فهم الأكثرون عند الله قدراً.
الثاني: ضال في علمه، غاو في قصده وعمله، وهؤلاء أشر الخلق، وهم مخالفو الرسل والأنبياء.
الثالث: مهتد في علمه، غاو في قصده وعمله، وهؤلاء هم الأمة الغضبية اليهود، ومن تشبه بهم ممن عرف الحق ولم يعمل به.
الرابع: ضال في علمه، وقصده الخير، لكنه يتعبد على جهل وهو لا يشعر كالنصارى ومن تشبه بهم ممن ضل عن معرفة الحق.
وأكمل الخلق في الهداية والرشد هم الأنبياء، وأكمل الأنبياء في ذلك سيدهم وأفضلهم محمد - صلى الله عليه وسلم -، الذي زكى الله عقله وقلبه ولسانه وكتابه ودينه كما قال سبحانه: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)} [النجم: ١ - ٤].
ولا يمكن أن تحصل الهداية لأحد من البشر إلا بالوحي الذي أرسل الله به رسله، فالناس لا يهتدون إلى حقائق الإيمان بمجرد عقولهم دون نصوص الوحي.
وعقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكمل عقول أهل الأرض على الإطلاق، فلو وزن عقله بعقولهم لرجحها، وهو قبل الوحي لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان كما قال سبحانه: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)} [الشورى: ٥٢].
فإذا كان أعقل الخلق على الإطلاق إنما حصل له الهدى بالوحي كما قال سبحانه: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)} [سبأ: ٥٠].
فكيف يحصل لمن دونه الاهتداء إلى حقائق الإيمان بالعقل دون الوحي؟.
ونعم الله على العباد كثيرة، وأجلها وأعظمها نعمة الهداية إلى الحق، وواجب العباد الثناء على ربهم المنعم بها، والثناء نوعان:
عام: وهو وصف ربه بالجود والكرم، والبر والإحسان، وسعة العطاء.
والخاص: التحدث بنعمه، والتحدث بنعمه نوعان:
أحدها: التحدث بذكر نعمه المادية من الأرزاق والأولاد والأموال ونحوها، والإخبار بوصولها من جهته.
الثاني: التحدث بنعمه الروحية وهي الدين، بالدعوة إلى الله، وتبليغ دينه، وتعليم الأمة، وكلاهما نعمة مأمور بشكرها والتحدث بها كما قال سبحانه: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)} [الضحى: ١١].
إن الكفر انقطاع عن الحياة الحقيقية الأزلية الأبدية التي لا تفنى، فهو موت، وهو انعزال عن الخالق المالك للوجود كله فهو موت، وهو انطماس في أجهزة الاستقبال والاستجابة فهو موت.
والكفر حجاب للروح عن المعرفة والاطلاع فهو ظلمة، وختم على الجوارح والمشاعر فهو ظلمة، وتيه في أودية الضلال فهو ظلمة.
وما الكافر؟.
وما المشرك؟.
إن هو إلا نبتة ضالة لا وشائج لها في تربة هذا الوجود ولا جذور.
وكيف تكون حاله إذا نسيه ربه وأعرض عنه؟.
وما هو مصيره إذا قدم على ربه بمعاصيه؟.
ما الذي يمسك به في الظلمات، والنور حوله يفيض؟.
الذي يمسك به أن هناك تزييناً للكفر والظلمة، فقد أودع الله في فطرة هذا الإنسان الاستعداد المزدوج لحب النور، وحب الظلام، وابتلاه باختيار الظلمة أو النور.
فإذا اختار الإنسان الظلمة زينت له، ولج في الظلام حتى لا يخرج منه، ثم إن هناك شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، ويزينون للكافرين ما كانوا يعملون: {كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)} [الأنعام: ١٢٢].
والقلب الذي ينقطع عن الحياة والإيمان والنور يسمع في الظلمة للوسوسة، ولا يحس ولا يميز الهدى من الضلال في ذلك الظلام العميق.
والقلب الطيب كالأرض الطيبة، والقلب الخبيث يشبه الأرض الخبيثة، فكلاهما القلب والتربة منبت زرع، ومأتى ثمر.
القلب ينبت نوايا ومشاعر، واتجاهات وعزائم، وأعمالاً بعد ذلك وآثاراً في واقع الحياة.
والأرض تنبت زرعاً وثمراً مختلفاً أكله وألوانه، ومذاقاته وأنواعه: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)} [الأعراف: ٥٨].
فالهدى والآيات، والمواعظ والنصائح، تنزل على القلب كما ينزل الماء على التربة، فإن كان القلب طيباً كالبلد الطيب تفتح واستقبل، وزكا وفاض بالخير والبركات، وإن كان القلب فاسداً شريراً كالذي خبث من البلاد والأماكن استغلق وقسا، وفاض بالشر والنكر والفساد، وإخراج الشوك والأذى كما تخرج الأرض النكدة ذلك.
وإذا انحرف الناس عن التوحيد والإيمان أغواهم الشيطان، وزين لهم ما انحرفوا إليه، فصار وليهم الذي يشرف عليهم ويصرفهم.
ولما ضل أهل الجاهلية عن التوحيد وانحرفوا عنه.
وضل أهل الكتاب عما جاءهم من العلم.
وانحرفوا وبدلوا وكتموا.
واختلفوا في دينهم.
أرسل الله رسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم - لينقذ البشرية من الشرك والكفر.
ويبين لهم الحق من الباطل.
ويفصل فيما وقع بينهم من خلاف في عقائدهم وكتبهم.
وليكون هدى ورحمة لمن يؤمنون به: {تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)} [النحل: ٦٣،٦٤].
فوظيفة الكتاب الأخير والرسالة الأخيرة هي الفصل فيما شجر من خلاف بين أصحاب الكتب السابقة وطوائفهم، إذ الأصل هو التوحيد، وعبادة الله وحده لا شريك له.
وكل ما طرأ على التوحيد من شبهات، وكل ما شابه من شرك في صورة من الصور، كله باطل جاء القرآن ليجلوه وينفيه، وليكون هدى ورحمة لمن استعدت قلوبهم للإيمان وتفتحت لتلقيه.
والهداية إلى الإيمان فضل من الله تبارك وتعالى يمن به على من يعلم أنه يشكر عليه ويقوم بحقه كما قال سبحانه: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)} [الحجرات: ١٧].
وبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين كما قال سبحانه: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)} [السجدة: ٢٤].
فهؤلاء علماء بالشرع وطرق الهداية، مهتدون في أنفسهم، يهدون غيرهم بذلك الهدى، فهم في أرفع الدرجات بعد درجة النبوة والرسالة وهي درجة الصديقين.
وإنما نالوا هذه الدرجة العالية بالصبر على التعلم والتعليم، والدعوة إلى الله، والأذى في سبيله، وكف النفس عن المعاصي والاسترسال في الشهوات.
ووصلوا في الإيمان إلى درجة اليقين، وهو العلم التام الموجب للعمل، وإنما وصلوا إلى اليقين؛ لأنهم تعلموا علماً صحيحاً، وأخذوا المسائل من أدلتها المفيدة لليقين.
والهدى فضل من الله على عبده، فمن اهتدى بهدي الله بأن علم الحق وتفهمه وآثره على غيره فلنفسه، والله تعالى غني عن عباده، ومن ضل عن الهدى فإن أعرض عن العلم بالحق أو عن العمل به، فإنما يضل على نفسه، ولا يضر الله شيئاً كما قال سبحانه: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨)} [يونس: ١٠٨].
والله عزَّ وجلَّ هو الهادي، وهداه في كتابه المنزل، الذي لا طريق يوصل إلى الله إلا منه؛ لأنه لا طريق يوصل إليه إلا توفيقه، والتوفيق منه للإقبال على كتابه، فإذا لم يحصل هذا فلا سبيل إلى الهدى كما قال سبحانه: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)} [الزمر: ٢٣].
والله سبحانه كما يمد الظالمين في ضلالهم، ويزيدهم حباً للضلالة عقوبة لهم على اختيارهم على الهدى كما قال سبحانه: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)} [الصف: ٥].
كذلك يزيد الله المهتدين هداية من فضله عليهم ورحمته، والهدى يشمل العلم النافع والعمل الصالح، فكل من سلك طريقاً في العلم والإيمان والعمل الصالح زاده الله منه، وسهله عليه، ويسره له، ووهب له أموراً أخر لا تدخل تحت كسبه: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)} [مريم: ٧٦].
مختارات

