فقه الهداية (٢)
وللحصول على الهداية لا بد من الجهد، والجهد في الدين على ثلاثة أقسام:
١ - جهد على النفس فقط، وهذا جهد الصالحين.
٢ - جهد على النفس والقرابة أو العشيرة أو القوم، وهذا جهد المرسلين.
٣ - جهد على النفس وعلى عموم البشرية وهذا أعلاها وهو جهد سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - وهو مطلوب من كل مسلم ومسلمة.
وكل عبد مضطر إلى أن يهديه الله الصراط المستقيم، فعليه أن يطلب الهداية من ربه، فإنه لا نجاة من العذاب ولا وصول إلى السعادة إلا بهذه الهداية.
فمن فاتته فهو إما من المغضوب عليهم، الذين عرفوا الحق ولم يعملوا به وإما من الضالين الذين عرفوا الحق وضلوا عنه، وهذا الهدى لا يحصل إلا بهدى الله: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)} [الأعراف: ١٧٨].
والصراط المستقيم: أن يفعل العبد في كل وقت ما أُمر به في ذلك الوقت من علم وعمل، ويجتنب ما نهي عنه، فهو محتاج لحصول ذلك له إلى طلب الهداية في كل وقت، والحاجة إلى الهدى أعظم من الحاجة إلى طلب النصر والرزق.
وأعظم نعم الله على عباده نعمة الهداية إلى الدين، والذي يستخدمه الله لدينه والدعوة إليه، هو الذي لم تبق عنده أي عاطفة غير عاطفة الهداية، فلا تكون عاطفته الكبرى إلا للدين وهداية الناس، ولكن هذه العاطفة لا تأتي إلا بالتضحية بكل شيء من أجل إعلاء كلمة الله.
وكمال التضحية من أجل الدين يتم بسبعة أمور:
التضحية بالنفس.
والأهل.
والوقت.
والمال.
والجاه.
والدار.
والشهوات.
كما فعل ذلك الأنبياء والصحابة.
فمن ضحى بكل ذلك من أجل الدين هداه الله وجعله سبباً لهداية الناس كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)} [العنكبوت: ٦٩].
ومن رحمة الله بعباده ولطفه بهم أن جعل طرق الهداية كثيرة متنوعة، لتفاوت عقول الناس وأذهانهم وبصائرهم.
فمنهم من يهتدي فوراً بنفس ما جاء به وما دعا إليه الرسول أو الداعي من غير أن يطلب منه برهاناً خارجاً عن ذلك، كحال الكُمَّل من الصحابة كالصديق - رضي الله عنه -.
ومنهم من يهتدي بمعرفته بحال الرسول أو الداعي، وما فطر عليه من كمال الأخلاق والأوصاف والأفعال، وأن عادة الله ألا يخزي من قامت به تلك الأوصاف كما قالت خديجة رضي الله عنها للرسول - صلى الله عليه وسلم - حين قال لها: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي».
فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلا وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ اللهُ أبَدًا، إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ.
متفق عليه (١).
وهذه المقامات من الإيمان عجز عنها أكثر الخلق فاحتاجوا إلى الخوارق والآيات المشهودة بالحس فآمن كثير منهم عليها، وأضعف الناس إيماناً من كان إيمانه صادراً عن المظهر أو النصر، وأضعف من هؤلاء إيماناً من إيمانه إيمان العادة والمنشأ فهذا دين العوائد، وهو أضعف شيء.
وخواص الأمة ولبابها لما شهدت عقولهم حسن هذا الدين وكماله وجلالته، وشهدت قبح ما خالفه ونقصه، خالط الإيمان به ومحبته بشاشة قلوبهم، وهذا الضرب من الناس هم الذين استقرت أقدامهم على الإيمان، وهم أبعد الناس عن الارتداد عنه، وأحقهم بالثبات عليه إلى يوم لقاء الله.
والأمانة التي أبت السموات والأرض أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، هي أمانة الهداية والمعرفة، والإيمان بالله عن قصد وإرادة، وجهد واتجاه.
فكل ما عدا الإنسان ألهمه ربه الإيمان به، والاهتداء إليه، ومعرفته وعبادته وطاعته، بغير جهد منه، ولا قصد، ولا إرادة، ولا اتجاه.
والإنسان وحده هو الذي وكله الله إلى فطرته، وإلى عقله، وإلى معرفته، وإلى إرادته، وإلى إتجاهه، وإلى جهده الذي يبذله للوصول إلى الله بعون من الله.
وهذه أمانة حملها، وعليه أن يؤديها أول ما يؤدي من الأمانات كما قال سبحانه: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)} [الأحزاب: ٧٢].
وقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: ٥٨].
والهداية: هي العلم بالحق مع قصده، وإيثاره على غيره، فالمهتدي هو العامل بالحق المريد له، والهداية أعظم نعم الله على العبد، ومن أجل هذا أمرنا الله عزَّ وجلَّ أن نسأله الهداية إلى الصراط المستقيم كل يوم وليلة في صلواتنا الخمس والنوافل.
فالعبد محتاج إلى معرفة الحق الذي يرضي الله في كل حركة ظاهرة وباطنة، فإذا عرفه فهو محتاج إلى من يلهمه قصد الحق، فيجعل إرادته في قلبه، ثم إلى من يقدره ويعينه على فعله.
ومعلوم أن ما يجهله العبد أضعاف ما يعلمه، وأن كل ما يعلمه أنه حق لا تطاوعه نفسه على إرادته، ولولا إرادته لعجز عن كثير منه، فهو مضطر كل وقت إلى هداية تتعلق بالماضي والحال والمستقبل.
أما الماضي: فهو محتاج إلى محاسبة نفسه عليه، إن كان محسناً شكر الله عليه، وإن كان مسيئاً فيتوب إلى الله منه ويستغفره.
وأما الهداية في الحال: فهي مطلوبة منه، فإنه ابن وقته، فيحتاج أن يعلم ما هو متلبس به من الأفعال هل هو صواب؟ أم خطأ؟.
وأما المستقبل: فحاجته إلى الهداية منه أظهر، ليكون سيره على الطريق الصحيح.
ومن أحاط علماً بحقيقة الهداية وحاجة العبد إليها، علم أن الذي لم يحصل له منها أضعاف ما حصل له، وأنه في كل وقت محتاج إلى هداية متجددة لا سيما والله تعالى خالق أفعال القلوب والجوارح، فالإنسان كل وقت محتاج إلى أن يخلق الله له هداية خاصة، وصرف الموانع التي تمنع موجب الهداية.
فالوساوس والخواطر وشهوات الغي في قلبه كل منها مانع من وصول أثر الهداية إليه، فإن لم يصرفها الله عنه لم يهتد هدىً تاماً.
وحاجة العبد إلى هداية الله له مقرونة بأنفاسه، وهي أعظم حاجة للعبد.
والهداية لها أربع مراتب:
المرتبة الأولى: الهداية العامة، وهي هداية كل مخلوق من الحيوان والآدمي إلى مصالحه التي يقوم بها أمره كما قال سبحانه: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)} [الأعلى: ١ - ٣].
وحين قال فرعون لموسى: من ربكما يا موسى؟: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)} [طه: ٥٠].
فخلق الله المخلوقات ثم هداها إلى ما خلقت له من الأعمال، فخلق الشمس وهداها للإنارة، والأرض للإنبات، وخلق الرجلين وهداهما للمشي، وخلق العينين وهداهما للإبصار، وخلق الأذنين وهداهما للسمع، وخلق اللسان وهداه للكلام.
وهكذا.
المرتبة الثانية: هداية البيان والدلالة والإرشاد إلى الحق، وهي التي أقام الله بها الحجة على العباد، وأرسل بها رسله، وأمر بها عباده كما قال سبحانه: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧)} [فصلت: ١٧].
وقال سبحانه لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)} [الشورى: ٥٢].
وهذه لا تستلزم الهداية التامة.
المرتبة الثالثة: هداية التوفيق والإلهام، وهي الموجبة للاهتداء كما قال سبحانه: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)} [القصص: ٥٦].
المرتبة الرابعة: الهداية في الآخرة إلى طريق الجنة أو إلى طريق النار، كما قال سبحانه عن أهل الجنة: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)} [الأعراف: ٤٣].
وقال سبحانه عن أهل النار: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢)} [الصافات: ٢٢].
وأكمل الناس هداية أعظمهم جهاداً، وأفرض الجهاد: جهاد النفس.
وجهاد الهوى.
وجهاد الشيطان.
وجهاد الدنيا.
فمن جاهد هذه الأربعة في الله هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته، ومن ترك هذا الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطل من الجهاد.
ولا يتمكن العبد من جهاد عدوه في الظاهر إلا إذا جاهد هذه الأعداء في الباطن، فمن نُصر عليها نُصر على عدوه، ومن نُصرت عليه نُصر عليه عدوه.
وقد علق سبحانه الهداية بالجهاد الذي لا ينقطع كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)} [العنكبوت: ٦٩].
والواجب على الأمة ووظيفتها دعوة الناس إلى الله، وتعليمهم أحكام دينهم، ولكن لا يلزم من ذلك حصول الهداية، فإن ذلك وغيره بيد الله، ولا يلزم من العلم بكون الشيء سبباً لمصلحة العبد وسروره أن يقبله، أو يستجيب له، فقد يمنعه مانع من قبوله والعمل بمقتضاه وذلك لأسباب كثيرة، فللهداية موانع أهمها:
الأول: ضعف معرفة العبد وقلة إدراكه.
الثاني: عدم الأهلية، فقد يعرف الإنسان الشيء، لكن المحل غير قابل للتزكية، فإذا كان القلب قاسياً حجرياً لا يقبل التزكية ولا تؤثر فيه النصائح أو كان مريضاً لم ينتفع بكل علم يعلمه.
الثالث: محبة الأهل والعشيرة، فيرى أنه إذا اتبع الحق وخالفهم أبعدوه وطردوه عنهم، وأخرجوه من بين أظهرهم، وهذا سبب بقاء كثير من الخلق على الكفر بين قومهم وأهلهم.
الرابع: محبة الدار والوطن، فيرى أن في دخوله في الإسلام خروجه عن داره ووطنه إلى دار الغربة.
الخامس: من تخيل أن في الإسلام ومتابعة الرسول إزراءً وطعناً على آبائه وأجداده وذماً لهم، وهذا هو الذي منع أبا طالب وأمثاله عن الإسلام.
السادس: متابعة من يعاديه من الناس للرسول، وسبقه إلى الدخول في دينه، فتحمله هذه العداوة له على معاداة الحق وأهله، وهذا كما جرى لليهود مع الأنصار، فلما أسلم الأنصار حملتهم معاداتهم لهم على البقاء على كفرهم.
السابع: قيام مانع وهو إما حسد أو كبر، وهو داء الأولين والآخرين، وهو الذي منع إبليس من الانقياد للأمر، وهو الذي منع اليهود ومنع أبا جهل وعبد الله بن أبي من الإسلام، فهؤلاء لم يرتابوا في صدق النبي - صلى الله عليه وسلم -، لكن حملهم الكبر والحسد على الكفر به.
الثامن: مانع الرياسة والملك، فقد لا يكون في قلبه حسد ولا كبر، ولكن يضن بملكه ورياسته كحال هرقل، وملك القبط، وهو داء فرعون.
التاسع: مانع الشهوة والمال، وهو الذي منع كثيراً من أهل الكتاب وغيرهم من الإيمان خوفاً من ذهاب أموالهم ومآكلهم التي تصير إليهم من قومهم، كالأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله.
العاشر: مانع الإلف والعادة والمنشأ، فإن العادة قد تقوى حتى تغلب على حكم الطبيعة، فيتربى على شيء، ثم يأتيه العلم وهلة واحدة يريد إزالتها وإخراجها من قلبه وأن يسكنه مكانها فيعسر عليه الانتقال عنه، وهذا هو الغالب على الأمم.
والدعوة إلى الله أقوى سبب لحصول الهداية، فكما نجتهد لكسب المعاش كذلك علينا أن نجتهد لكسب الإيمان، وقد خلقنا الله في دار الأسباب، فجعل الماء سبباً للإرواء، والطعام سبباً للشبع، فكذلك جعل سبحانه الدعوة سبباً لحصول الهداية للداعي والمدعو.
ولكن سببية إرواء الماء ليست يقينية فقد يروي وقد لا يروي، ولكن محال أن يجتهد الإنسان جهد الدعوة ولا تحصل له الهداية، والهداية: هي لزوم الصراط المستقيم، والتأثر من الله وعدم التأثر من غيره، فنعتقد أن المخلوقات كلها صغيرها وكبيرها من النملة حتى جبريل لا تنفع ولا تضر إلا بأمر الله وإذنه وإرادته.
وكما أن النملة لا طاقة لها إلا بأمر الله، فكذلك جبريل لا قوة له إلا بأمر الله.
وقوة فكر الهداية للأمة ثمرة قوة الإيمان، فكلما كان الإيمان قوياً كانت أعمال الدين من عبادة ودعوة قوية.
فإذا زاد الإيمان زادت العبادات وقويت.
وإذا زاد الإيمان تفكرت جميع الأمة لهداية كل فرد من الأمة، فإن نقص تفكرت الأمة للأمة بوجه عام.
فإن نقص تفكر الفرد وحده لهداية الأمة.
فإن نقص لم يتفكر الفرد أو الأمة لهداية الفرد أو الأمة.
وهذه أدنى الدرجات، والأولى أعلاها، وعليها كان الصحابة رضي الله عنهم.
وأوسع الخلق فكراً في الهداية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد كان فكره يدور على ثماني دوائر، فكان يفكر ويسعى في هداية نفسه.
وأهله.
وعشيرته.
وقومه.
وقريته.
وما حولها.
والناس.
والعالم.
ففكره لنفسه وأهله كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)} [التحريم: ٦].
وفكره لعشيرته كما قال سبحانه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)} [الشعراء: ٢١٤].
وفكره لقومه كما قال سبحانه: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)} [السجدة: ٣].
وفكره للناس وفكره لقريته وما حولها كما قال سبحانه: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الأنعام: ٩٢].
كما قال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)} [سبأ: ٢٨].
وفكره للعالم كما قال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)} [الأنبياء: ١٠٧].
وحتى يأتي فينا فكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأعماله، لا بدَّ أن نفكر دائماً في كل وقت في هداية أنفسنا.
وأهلنا.
وعشيرتنا.
وقومنا.
وقريتنا.
ومملكتنا.
والناس.
والعالم.
ونقوم بالدعوة.
وندعو الله لنا ولغيرنا بالهداية.
وهذا كما أنه وظيفتنا ومسؤوليتنا فبه يزيد إيماننا، وتزداد أعمالنا، ويزيد أجرنا وثوابنا، وبه تكون عزتنا ونصرتنا: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)} [العنكبوت: ٦٩].
فهذه الثمانية تبدأ بالنفس، وتنتهي بالعالم، وعلى قدر النية يكون الثواب والأجر، فإنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى.
وحتى يزداد الفكر والهم والعمل لا ننظر كم عملنا؟ بل ننظر كم لم نعمل مما نستطيع؟.
ولا ننظر كم قام بالدعوة والتعليم والعبادة؟.
بل ننظر كم لم يقم بذلك من الناس؟.
ولا ننظر كم اهتدى؟، بل ننظر كم لم يهتدِ؟ كم لم يتب؟.
وحتى يقبلنا الله ويستخدمنا لدينه لا بدَّ أن نخرج من مراد النفوس إلى مراد الملك القدوس.
ومن دائرة الأقوال إلى دائرة الأعمال.
ومن اليقين على المخلوق إلى اليقين على الخالق.
ومن العادات والتقاليد إلى السنن والآداب الإسلامية.
ومن حب الأموال والأشياء إلى حب الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
وحب الإيمان والأعمال الصالحة.
ومن جهد الدنيا إلى جهد الدين وجهد المرسلين.
ومن الدعوة إلى الأموال والأشياء إلى الدعوة إلى الإيمان والأعمال.
وإذا تغير الفكر، تغير العمل، وتغيرت النتائج: {أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)} [السجدة: ١٩،٢٠].
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٣) واللفظ له، ومسلم برقم (١٦٠).
مختارات

