أهل التكليف (٢)
وقد خلق الله عزَّ وجلَّ آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وصوره في أحسن تقويم، وأعطاه خصائصه الإنسانية عند خلقه، وذلك كله تشريفًا له على غيره من المخلوقات.
وأعلن الله بذاته العلية الجليلة العظيمة، ميلاد هذا الكائن الإنساني، في مجمع حافل بالملأ الأعلى من الملائكة، ومعهم إبليس، كما قال سبحانه: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤)} [ص: ٧١ - ٧٤].
وإبليس من الجن لا من الملائكة كما قال سبحانه: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)} [الكهف: ٥٠].
والجن خلق غير الملائكة.
فالملائكة خلقهم الله من نور.
والجن خلقهم الله من نار.
والبشر خلقهم الله من تراب.
فأما الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فقد سجدوا مطيعين منفذين لأمر الله، هذه طبيعتهم، وهذه وظيفتهم.
وبهذا السجود من الملائكة ظهرت كرامة آدم على الله، كما ظهرت الطاعة المطلقة من الملائكة، فسجدوا لآدم إكرامًا واحترامًا، وإظهارًا لفضل آدم.
وأما إبليس فقد امتنع عن تنفيذ أمر الله سبحانه، وهو يعلم أن الله ربه وخالقه، ومالك أمره، وأمر الكون كله.
فهذه ثلاثة نماذج من خلق الله.
أهل الطاعة المطلقة والتسليم التام لله، وهم الملائكة.
وأهل العصيان المطلق والاستكبار المقيت، وهم إبليس وذريته.
وطبيعة ثالثة هي الطبيعة البشرية، وهم آدم وذريته.
فأما الطبيعة الأولى فهي خالصة لله بالتسليم المطلق: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)} [التحريم: ٦].
وأما الطبيعتان الأخريان، الإنسان والشيطان، فلهما شأن آخر.
فأما إبليس فجعل له رأيًا مع النص، وجعل لنفسه حقًا في أن يحكم نفسه وفق ما يرى، مع وجود الأمر من ربه.
وحين يوجد النص القاطع والأمر الجازم ينقطع النظر، وتتعين الطاعة التامة للآمر سبحانه، ولكن إبليس أبى أن يسجد لربه حين أمره بالسجود: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)} [الأعراف: ١٢].
وإبليس لعنه الله لم يكن ينقصه أن يعلم أن الله هو الخالق المالك الرازق، الذي يدبر الكون ويصرفه، ولا يقع شيء في الوجود إلا بإذنه وقدره، ولكنه لم يطع الأمر كما صدر إليه ولم ينفذه، بمنطق من عند نفسه، فكان جزاؤه العاجل الذي تلقاه لتوه: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)} [الأعراف: ١٣].
إن علم إبليس بالله لم ينفعه، واعتقاده بوجوده لم ينفعه، وكذلك كل من يتلقى أمر الله، ثم يجعل لنفسه نظرًا في قبوله أو رده.
فإبليس خالف الأمر، وعصى الآمر سبحانه، فكفر وأبى واستكبر، من أجل ذلك طرد الله إبليس من الجنة، وطرده من رحمة الله، وحقت عليه اللعنة، وكتب عليه الصغار: {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)} [ص: ٧٧، ٧٨].
ولكن إبليس الشرير العنيد لا ينسى أن آدم هو سبب الطرد والغضب واللعنة له، ولا يستسلم لمصيره البائس دون أن ينتقم منه، ثم ليؤدي وظيفة الشر الذي تمحضت في آدم وذريته.
فماذا قال إبليس لربه؟: {قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)} [الأعراف: ١٤، ١٥].
لقد سأل إبليس ربه أن ينظره إلى يوم البعث، وهو يعلم أن هذا الذي يطلبه لا يقع إلا بإرادة الله وقدره.
وقد أجابه الله إلى طلبه في الإنظار لحكم عظيمة، ولكن إلى يوم الوقت المعلوم، وحكمة الله تقتضي ابتلاء العباد ليتبين الصادق من الكاذب، ومن يطيعه ممن يطيع عدوه، فلما حصل إبليس على قضاء الله له بالبقاء الطويل، أعلن في تبجح خبيث، ينبئ عن شر كامن فيه فماذا قال؟:
{قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)} [الأعراف: ١٦، ١٧].
إنه سيرد على تقدير الله له الغواية، وإنزالها به بسبب معصيته وتبجحه، بأن يغوي ذلك المخلوق الذي كرمه الله، والذي بسببه كانت مأساة إبليس ولعنه وطرده.
لقد أعلن إبليس أنه سيقعد لآدم وذريته على صراط الله المستقيم، يصد عنه كل من يهم منهم باجتيازه، وذلك الطريق هو طريق الإيمان والطاعات المؤدي إلى رضا الله، وأنه سيأتي البشر من كل جهة، من بين أيديهم، ومن خلفهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم، وذلك للحيلولة بينهم وبين الإيمان بالله وطاعته.
وقعد إبليس لآدم وذريته على الطريق لإغوائهم، فلا يعرفون الله ولا يشكرونه، اللهم إلا القليل الذي يفلت، ويستجيب لربه.
فالسبب الحقيقي لقلة شكر البشر لربهم، حيلولة إبليس دونه، وقعوده على الطريق إليهن وصد الناس عنه.
وقد نبهنا الله على ما قال إبليس، وعزم على فعله، لنأخذ منه حذرنا، ونستعد لعدونا، ونحترز منه بعلمنا بالطرق التي يأتي إلينا منها.
فليستيقظ العبد للعدو الكامن فيه، والذي يدفعه عن الهدى، وليأخذ حذره منه: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)} [فاطر: ٦].
لقد أجيب إبليس إلى طلبه، لأن مشيئة الله اقتضت أن يترك الإنسان يشق طريقه بما ركب في فطرته من استعداد للخير والشر، وبما وهبه من عقل راجح، وبما أمده من التذكير والتحذير، والتبشير والإنذار على أيدي الرسل، فيختار الهداية أو الضلال، وتحق عليه سنة الله، وتحقق مشيئة الله بالابتلاء، سواء اهتدى أو ضلَّ.
وحين أسكن الله آدم وزوجه الجنة حذرهما من الشيطان بقوله: {فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)} [طه: ١١٧].
وبعد أن كشف إبليس عن عداوته لآدم وذريته، وما أبطنه من الكيد لهم، أعلن الله عن طرد إبليس طردًا لا معقب له، وأوعده ومن تبعه من البشر بملء جهنم منهم: {قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)} [الأعراف: ١٨].
فأخرج الله الشيطان من الجنة، لأنها دار الطيبين الطاهرين، فلا تليق بأخبث خلق الله وأشرهم وأنجسهم.
فخرج منها صاغرًا ذليلاً مذمومًا مدحورًا، جزاءً على كفره وكبره وعجبه، ويوم القيامة يملأ الله النار بإبليس وأتباعه من الجن والإنس.
ومن يتبع الشيطان من البشر، قد يتبعه في معرفته بالله، واعتقاده بألوهيته، ثم في رفض حكم الله وقضائه في منهج الحياة، وادعاء أن له الحق في رفض حكم الله، وقبوله أو عدم قبوله وفق هواه، كما أنه قد يتبعه ليضله عن الاهتداء إلى الله أصلاً.
لقد جعل الله بحكمته لإبليس وقبيله فرصة الإغواء، وجعل لآدم وذريته فرصة الاختيار للهدى أو الضلال، تحقيقًا للابتلاء الذي قضت مشيئة الله أن تأخذ به هذا الكائن الإنساني، وتجعله به خلقًا منفردًا في خصائصه، لا هو ملك، ولا هو شيطان، لأن له دورًا آخر في هذا الكون، ليس هو دور الملك، ولا هو دور الشيطان.
وبعد طرد الشيطان من الجنة، أمر الله آدم وزوجه أن يسكن الجنة، لتتم بذلك تربية الله لهما، وإعدادهما لدورهما الأساسي، الذي خلق الله له هذا الكائن، وهو دور الخلافة في الأرض فقال سبحانه: {وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩)} [الأعراف: ١٩].
لقد أذن الله لهما بالمتاع الحلال، ووصاهما بالامتناع عن المحظور، ليتدرب الإنسان على ضبط رغباته وشهواته، ويستعلي بإرادته على هذه الرغبات والشهوات، فيظل حاكمًا لها، لا محكومًا بها كالحيوان، وهذه خاصية الإنسان التي يفترق بها عن الحيوان.
ولما سكن آدم وزوجه الجنة، بدأ إبليس يؤدي دوره الذي تمحض له، فهذا الإنسان كرمه الله فخلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وهو الذي أخرج إبليس بسببه من الجنة، وطرد من الملأ الأعلى.
هذا الكائن الإنساني مزدوج الطبيعة، مستعد للخير والشر على السواء، وفيه أماكن ضعف معينة يقاد منها، ما لم يلتزم بأمر الله فيها، ومن هذه الثغرات تمكن إصابته، ويمكن الدخول إليه، ويمكن جره وإغواؤه.
إن لهذا الإنسان شهوات معينة يمكن إثارتها، ومن شهواته يمكن أن يقاد، وراح إبليس يداعب هذه الشهوات فماذا فعل؟: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠)} [الأعراف: ٢٠].
فجاء إبليس إليهما، ووسوس لهما من ناحية رغائبهما العميقة، ليوقعهما في الشر والغواية، وارتكاب المحظور، مستغلاً أماكن الضعف الفطرية في الإنسان، وهذا الضعف يمكن اتقاؤه بالإيمان والذكر، حتى لا يكون للشيطان سلطان على المؤمن الذاكر، ولا يكون لكيده الضعيف من تأثير.
ولكن الشيطان داعب رغائب الإنسان الكامنة فيه، إنه يحب أن يكون خالدًا لا يموت، ويحب أن يكون له ملك غير محدد بالعمر القصير.
فأغراهما بالملك الخالد.
والعمر الخالد.
وهما أقوى شهوتين في الإنسان.
وعلى قراءة (ملَكين) بفتح اللام يكون الإغراء بالخلاص من قيود الجسد كالملائكة مع الخلود.
ولما كان الشيطان الرجيم يعلم أن الله قد نهاهما عن هذه الشجرة، وأن هذا النهي له ثقله في نفوسهما وقوته، فقد استعان على زعزعته، إلى جانب مداعبة شهواتهما، بتأمينهما من هذه الناحية، فحلف لهما بالله إنه لهما ناصح، وفي نصحه صادق: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)} [الأعراف: ٢١].
ونسي آدم وزوجه تحت تأثير الشهوة الدافعة، والقسم المخدر، أنه عدوهما الذي لا يمكن أن يدلهما على خير، وأن الله أمرهما أمرًا عليهما طاعته، سواء عرفا علته أم لم يعرفاها، وأنه لايكون شيء إلا بقدر من الله.
فإذا كان لم يقدر لهما الخلود والملك الذي لا يبلى فلن ينالاه، نسيا هذا كله، فماذا فعل الشيطان بهما؟.
{فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)} [الأعراف: ٢٢].
لقد تمت الخدعة، وآتت ثمرتها المرة، لقد أنزلهما الشيطان بهذا الغرور من طاعة الله إلى معصيته، فأنزلهما من رتبتهما العالية التي هي البعد عن الذنوب والمعاصي إلى مرتبة دنيا، حيث دلاهما بغرور إلى المعصية.
فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما، وشعرا الآن أن لهما سوآت مواراة عنهما، سوأة المعاصي، وسوأة العورات.
فرآهما الرب يجمعان من ورق الجنة ليسترا به عوراتهما، التي يخجل الإنسان فطرةً من تعريها: {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)} [الأعراف: ٢٢].
وسمع آدم وزوجه هذا العتاب والتأنيب من ربهما على المعصية، وعلى إغفال النصيحة، وعلى طاعة العدو.
وبعد هذا العتاب تكشف الجانب الآخر من طبيعة هذا الإنسان، وهو أنه ينسى ويخطئ، إن فيه ضعفًا يدخل منه الشيطان، إنه لا يلتزم دائمًا، ولا يستقيم دائمًا، ولكنه يدرك خطأه، ويعرف زلته، ويندم على معصيته.
ويطلب العون من ربه والمغفرة، إنه يتوب ولا يلج في المعصية كالشيطان، ولا يكون طلبه من ربه هو العون على المعصية، إنه يعلم أنه لا حول له ولا قوة إلا بعون الله ورحمته، وإلا كان من الخاسرين.
فماذا قال آدم وزوجه: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)} [الأعراف: ٢٣].
قالا: فعلنا الذنب الذي نهيتنا عنه، وظلمنا أنفسنا باقتراف الذنب، وقد فعلنا سبب الخسار إن لم تغفر لنا بمحو أثر الذنب وعقوبته، وترحمنا بقبول التوبة والمعافاة من أمثال هذه الخطايا، فغفر الله لهما ذلك، وتاب عليهما: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)} [طه: ١٢١، ١٢٢].
وهنا تكون التجربة الأولى.
والامتحان الأول.
والتربية الكبرى.
قد تمت.
وتكشفت خصائص الإنسان الكبرى.
وعرفها آدم وذاقها.
وذاق ألم عقوبتها.
واستعد بهذا التنبيه، وهذا الامتحان، لمزاولة اختصاصه في الخلافة في الأرض، وللدخول في المعركة التي لا تهدأ أبدًا مع عدوه الشيطان، الذي كشر عن عداوته من قبل، وهو مستمر على طغيانه، غير مقلع عن عداوته وعصيانه.
وبعد ذلك جاء أمر الله لآدم وإبليس.
{قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)} [الأعراف: ٢٤، ٢٥].
لقد أهبطوا جميعًا إلى الأرض، آدم وزوجته، وإبليس وقبيله، هبطوا ليصارع بعضهم بعضًا، ويعادي بعضهم بعضًا، ويجاهد بعضهم بعضًا، ولتدور المعركة بين طبيعتين وخليقتين مختلفتين:
إحداهما ممحضة للشر.
والأخرى مزدوجة الاستعداد للخير والشر.
وليتم الابتلاء، ويجري قدر الله بما شاء، وكتب على آدم وذريته:
أن يستقروا في الأرض، ويمكنوا فيها، ويستمتعوا بما فيها إلى حين.
وكتب عليهم أن يحيوا فيها، ثم يموتوا فيها، ثم يخرجوا منها، فيبعثوا ليعودوا إلى ربهم، فيدخلهم جنته أو يدخلهم ناره، كل حسب عمله.
لقد أعلن الله ميلاد هذا الكائن الإنساني في حفل كوني كان شهوده الملأ الأعلى من الملائكة: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤)} [ص: ٧١ - ٧٤].
وأعلن كذلك خلافته في الأرض منذ خلقه فقال: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)} [البقرة: ٣٠].
فما أعظم الكرامة التي خص الله بها هذا الإنسان؟.
وما أعظم الدور الذي أعطاه بارئه له؟.
فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه، لأمر عظيم لا يصلح له إلا مخلوق عظيم.
إن هذا الإنسان يتعامل مع ربه تعاملاً مباشرًا:
فهو الذي خلقه الله بيده.
وهو الذي أعلن الله ميلاده في الملأ الأعلى، وفي الكون كله.
وأسكنه الجنة يأكل منها حيث يشاء ليربيه.
ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره.
وعلمه أساس المعرفة بتعليمه الأسماء كلها.
وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها.
وأودعه الاستعدادات الخاصة التي تميزه عن غيره.
وأرسل له الرسل منه بهداه.
وكتب على نفسه الرحمة أن يقبل عثرته ويقبل توبته.
فما أعظم نعم الله على بني آدم، وما أجل احتفاء الله بهم: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)} [الإسراء: ٧٠].
ثم هذا الإنسان يتعامل مع الملأ الأعلى:
أسجد الله له الملائكة.
وجعل منهم حفظة عليه.
كما جعل منهم من يبلغ الرسل وحيه.
وأنزلهم على أهل الاستقامة يبشرونهم ويثبتونهم.
وأنزلهم على المجاهدين في سبيل الله ينصرونهم ويبشرونهم كذلك.
وسلطهم على الذين كفروا يقتلونهم ويستلون أرواحهم في تأنيب وتعذيب.
ويسلمون على المؤمنين في الجنة.
ويقومون على عذاب الكفار في النار.
وما أكثر ما بين الملائكة والبشر من تعامل في الدنيا والآخرة.
ويتعامل الإنسان كذلك مع الجن صالحيهم وشياطينهم، فله مع الشيطان أحوال وجولات، كما له مع صالحي الجن معاملات.
فهم يسمعون منه.
ويؤمنون بما يدعوهم إليه.
ويطيعونه فيما يأمرهم به، كما ذكر الله عن تسخير الجن لسليمان - صلى الله عليه وسلم -: {وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢)} [سبأ: ١٢].
كذلك هو يتعامل ويستفيد من هذا الكون، فهو الخليفة في هذه الأرض عن الله، الذي سخر له قواها وطاقاتها وأرزاقها، وأعطاه الاستعداد لفتح ما شاء الله من مغاليق أسرارها، وهو يتعامل مع جميع الأحياء فيها.
والإنسان بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك إلى العلو والمعالي.
إنه يعرج إلى السموات العلى، ويتجاوز مراتب الملائكة، حين يخلص عبوديته لله وحده، ويترقى فيها إلى منتهاها وأعلاها.
كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة، حين يتخذ إلهه هواه، ويتمرغ في الوحل الحيواني، أو الكيد الشيطاني، وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السموات والأرض في عالم الحس، وأبعد مدىً.
والإنسان مع تفرده في هذه الخصائص ضعيف في جوانب تكوينه، حتى ليمكن قيادته إلى الشر، والارتكاس إلى الدرك الأسفل من خطام شهواته.
وهو ينحط إلى أسفل سافلين، حين يبعد عن هدى الله، ويستسلم لهواه، أو يستسلم لعدوه العنيد، الذي أخذ على عاتقه إغواءه في جميع الأوقات من جميع الجهات.
وقد اقتضت رحمة الله به، أن لا يتركه لفطرته وحدها، ولا لعقله وحده، بل أرسل إليه الرسل للإنذار والتبشير والتذكير، لينجو من شهواته بالتخلص من هواه، والفرار إلى الله، والنجاة من عدوه الذي يخنس ويتوارى عند ذكره لربه، وتذكر رحمته وغضبه، وثوابه وعقابه، وهذه كلها مقويات لإرادته، حتى يستعلي على ضعفه وشهواته.
وقد كان أول تدريب له في الجنة بابتلائه بما يحل وما يحرم، لتقوية هذه الإرادة، وإبرازها في مواجهة الإغراء والضعف.
ومن رحمة الله به كذلك أن جعل باب التوبة مفتوحًا له في كل لحظة، فإذا نسي ثم تذكر.
وإذا عثر ثم نهض.
وإذا غوي ثم تاب.
وجد الباب مفتوحًا له.
وقبل الله توبته.
وأقال عثرته.
وغفر ذنوبه.
ودخله جنته.
فإذا استقام على الصراط المستقيم، بدل الله سيئاته حسنات، وضاعف له ما شاء.
لقد نسي آدم وأخطأ، ثم تاب واستغفر، وقد قبل الله توبته وغفر له، وهذه سنة الله لآدم وذريته: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)} [البقرة: ٣٧].
وقد خلق الله في الإنسان ثلاث قوى:
قوة العقل.
وقوة الغضب.
وقوة الشهوة.
وأعلى هذه القوى القوة العقلية التي يختص بها الإنسان دون سائر الدواب، وتشاركه فيه الملائكة.
فالملائكة عقول بلا شهوات.
والبهائم شهوات بلا عقول.
والبشر ركب الله فيهم عقولاً.
وجعل لهم شهوات.
فالمؤمن الذي يغلب عقله شهوته خير من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله فالبهائم خير منه.
ثم خلق الله في الإنسان القوة الغضبية لدفع المضرة، ثم القوة الشهوية لجلب المنفعة.
وبحسب هذه القوى الثلاث، انقسمت الأمم التي هي أفضل الجنس الإنساني، وهم العرب والفرس والروم، وكل ما ساواهم تبع لهم.
فهذه الأمم الثلاث هي التي ظهرت فيها الفضائل الإنسانية فغلب على العرب القوة العقلية النطقية، فهم عرب من الإعراب، وهو البيان والإظهار.
وغلب على الفرس القوة الغضبية، من الدفع والمنع والاستعلاء والرياسة.
واشتق اسمها من وصفها، فقيل فرس، يقال فرسه إذا قهره وغلبه.
وغلب على الروم القوة الشهوية من الطعام والشراب والنكاح ونحو ذلك.
واشتق اسمها من وصفها، فالروم هو الطلب والشهوة.
وهذه الصفات الثلاث غالبة على هذه الأمم الثلاث.
فالعرب أفضل الأمم.
ثم تليها الفرس، لأن القوة الدفعية أرفع.
ثم تليها الروم.
وباعتبار هذه القوى كانت الفضائل ثلاثاً:
فضيلة العلم والإيمان التي هي كمال القوة العقلية.
وفضيلة الشجاعة التي هي كمال القوة لغضبية، وكمال الشجاعة هو الحلم.
وفضيلة السخاء والجود، الذي هو كمال القوة الطلبية، فإن السخاء يصدر عن اللين والسهولة.
وباعتبار القوى الثلاث كانت الأمم الثلاث، المسلمون.
واليهود.
والنصارى.
فالمسلمون فيهم العقل والعلم والاعتدال في الأمور، فإن معجزة نبيهم هي علم الله وكلامه، وهم الأمة الوسط.
واليهود فيهم القسوة، ولهذا أضعفت فيهم القوة الشهوية، حتى حرم الله عليهم من المطاعم والملابس ما لم يحرم على غيرهم، وأمروا من الشدة والقوة بما أمروا به، وغالب معاصيهم من باب القسوة والشدة والظلم لا من باب الشهوة.
والنصارى فيهم الرحمة واللين، ولهذا أضعفت فيهم القوة الغضبية، فنهوا عن الانتقام والانتصار، ولم تضعف فيهم القوة الشهوية، فلم يحرم عليهم من المطاعم ما حرم على من قبلهم، بل أحل لهم بعض الذي حرم على من قبلهم.
وظهر في النصارى من الأكل والشرب والشهوات ما لم يظهر في اليهود، وفيهم من الرأفة والرحمة والرقة ما ليس في اليهود.
وغالب معاصيهم من باب الشهوات لا من باب الغضب.
والطبيعة البشرية كلما التوت وانحرفت عن التوحيد والطاعات، إلى الشرك والمعاصي، تحتاج إلى رادع وزاجر يزجرها عما يهلكها، ويردها إلى بارئها.
فطبيعة بني إسرائيل بعدما أفسدها طول الذل والعبودية لفرعون، أرسل الله موسى - صلى الله عليه وسلم - لإنقاذها من عبودية فرعون، الذي كان من المفسدين، إلى عبودية رب العالمين.
فجاءت كل الأوامر من الله لبني إسرائيل مصحوبة بالتشديد والتوكيد تربيةً لهذه الطبيعة التي ارتخت والتوت، وانحرفت عن الاستقامة والجد كما قال سبحانه عن موسى - صلى الله عليه وسلم -: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥)} [الأعراف: ١٤٥].
ومثل طبيعة بني إسرائيل، كل طبيعة تعرضت لمثل ما تعرضوا له من طول العبودية والذل لغير الله من الطغاة، فبدت عليها أعراض الالتواء والاحتيال، والأخذ بالأسهل تجنبًا للمشقة، كما هو ملحوظ في واقع كثير من الجماعات البشرية في زماننا هذا، والتي تهرب من العقيدة، لتهرب من تكاليفها، وتسير سائمة هائمة مع القطعان الضالة، لأن السير معها لا يكلفها شيئًا.
إن هذا الإنسان عجيب في خلقه.
عجيب في فكره.
عجيب في أعماله.
إنه لا يذكر الله إلا في ساعة العسرة، ولا يثوب إلى فطرته وينزع عنها ما غشاها من شوائب وانحرافات إلا في ساعة الكربة.
فإذا أمن هذا الإنسان فإما النسيان.
وإما الطغيان.
أو كلاهما.
إلا من اهتدى فبقيت فطرته سليمة حية مستجيبة في كل آن، مجلوة بجلاء الإيمان: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)} [العنكبوت: ٦٥].
والبغي من المحرمات المهلكات، سواء كان بغيًا على النفس، خاصة بإيرادها موارد الهلكة، أو كان بغيًا على الناس بظلمهم.
وأعظم البغي وأشده، وأبشعه وأشنعه، البغي على ألوهية الله سبحانه، واغتصاب الربوبية ومزاولتها في عباده ظلمًا وعدوانًا.
والناس حين يبغون هذا البغي، يذوقون عاقبته في حياتهم الدنيا، قبل أن يذوقوا جزاءه في الآخرة: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)} [يونس: ٢٣].
يذوقون هذه العاقبة فسادًا في الحياة كلها.
فلا يبقى أحد لا يشقى به.
ولا تبقى إنسانية ولا كرامة ولا فضيلة لا تضار به.
فالناس إما أن يخلصوا دينهم لله.
وإما أن يتعبدهم ويذلهم الطغاة.
فما أحسن أن يطيع العبد ربه الذي خلقه.
ولا يتعرض لسخطه بمعصيته: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)} [النساء: ٦٦ - ٦٨].
وإذا كان الذين لا يؤمنون بهذا الحق عميًا، فإنه لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله ورسوله، ويؤمن بأن هذا القرآن وحي من عند الله، أن يتلقى في أي شأن من شئون الحياة عن أعمى: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ
(١٩)} [الرعد: ١٩].
إنه لا يجوز لمسلم قط يعرف هدى الله، ويعرف هذا الحق الذي جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقعد مقعد التلميذ، الذي يتلقى من أي إنسان لم يستجب لهذا الهدى، ولم يعلم أنه الحق، فهو أعمى بشهادة الله سبحانه، فكيف يطلب هداية الطريق من أعمى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)} [الحج: ٤٦].
وأعجب العجب أن بعض الناس يزعمون أنهم مسلمون، ثم يأخذون منهج الحياة البشرية عن اليهود والنصارى، أو عن فلان أو فلان، من الذين يقول الله عنهم أنهم عمي.
إن حياة الناس لا تصلح إلا بأن يتولى قيادتها المبصرون للحق، المهتدون به، أولو الألباب الذين يعلمون أن ما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - هو الحق، والذين يسيرون على هدى الله وحده، والذي يصوغ الحياة كلها وفق منهجه وهديه.
إنها قطعًا لا تصلح بالقيادات الجاهلية الفاجرة، الضالة العمياء، التي تخالف منهج الله الذي ارتضاه للبشرية قاطبة.
إن جميع تلك المذاهب والنظم من صنع العمي، الذين لا يعلمون أن ما أنزل على محمد من ربه هو الحق وحده، وما سواه باطل، ولا تلتزم من ثم بعهد الله وشرعه، ولا تستقيم في حياتها على منهجه وهديه.
وآية هذا وبرهانه القاطع الساطع هو هذا الفساد الطامي، الذي يغشى ويعم وجه الأرض اليوم، لا في بلاد الكفار فحسب، بل في ديار المسلمين كذلك.
ومتى تبصر البشرية طريقها؟.
ومتى تسعد في حياتها؟.
ومتى ترضي ربها؟
والخلافة في هذه الأرض للعمي: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)} [الرعد: ٢٥].
واأسفاه.
لقد شقيت البشرية وقتًا طويلاً وهي تتخبط بين شتى المناهج.
وشتى الأوضاع.
وشتى الشرائع.
بقيادة أولئك العمي.
الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
ويحسبون أنهم على شيء.
وهم ليسوا على شيء.
إن الإنسان لا يكون سويًا ولا مأمونًا ولا صالحًا، حتى يسير على منهج الله الذي خلقه من تراب، ونفخ فيه من روحه.
والتوازن بين خصائص العناصر الطينية في الإنسان، والعناصر العلوية، هو الأفق الأعلى، الذي يطلب إليه أن يبلغه، وهو الكمال البشري المقدر له.
فليس مطلوبًا من الإنسان أن يتخلى عن طبيعة أحد عنصريه ومطالبه ليكون ملكًا، أو ليكون حيوانًا، وليس واحد منهما هو الكمال المنشود للإنسان، ولا الحكمة التي خلق الله من أجلها الإنسان.
مختارات

