فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١)
قال الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)} [آل عمران: ١١٠].
وقال الله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)} [آل عمران: ١٠٤].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ رَأى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أضْعَفُ الإِيمَانِ» أخرجه مسلم (١).
المعروف: هو التوحيد والإيمان والطاعات وكل خير.
والمنكر: هو الشرك والكفر والمعاصي وكل شر.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سهمان من سهام الإسلام، وهما وظيفة الأنبياء والرسل، وقد شرف الله بهما هذه الأمة، فهم خير الأمم إذا قاموا بذلك.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم أصول الدين، وهما وظيفة الأمة، فهما واجبان على كل مسلم ومسلمة كما قال الله عزَّ وجلَّ: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)} [آل عمران: ١٠٤].
والمسلم يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن هذه وظيفته التي شرفه بها ربه، وكلفه بها، ووعده على ذلك الثواب العظيم والأجر الجزيل.
والمسلم يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر امتثالاً لأمر الله ورسوله: إما رجاء الثواب الذي يحصل له عند القيام بهما.
وإما خوف العقاب على تركهما.
وتارة الغضب لله على انتهاك محارمه.
وتارة النصيحة للمؤمنين والرحمة لهم وإنقاذهم مما وقعوا فيه من التعرض لعقوبة الله.
وتارة يحمل العبد على القيام بهما إجلال الله وتعظيمه ومحبته، وأنه أهل أن يطاع ويذكر ويشكر.
وتارة لرؤية الشيطان يتلاعب بالعباد، ويسوقهم إلى المعاصي والفواحش فيغار الإنسان عليهم.
والواجب شكر الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والدعاء لهم، وإكرامهم والوقوف معهم، فمن نبهك على وجود عقرب في بدنك، أو أهدى إليك هدية فعليك أن تشكره، وترضى عنه، وتدعو له، لا أن تمتعض منه.
وعلى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يصبر على إهانة الناس له: فإن كانت إهانتهم تعود لكوني مشاركاً في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأحيل ذلك الشخص إلى مُنزل القرآن، الذي استخدمني في هذه المهمة، فهو عزيز حكيم.
وإن كان كلامه من نوع تحقير وإهانة لشخصي بالذات، فهذا أيضاً لا يخصني، وإنما أنا كالأسير، وإهانة الأسير تعود إلى مالكه، فهو الذي يدافع عنه كما قال الرجل الصالح الناصح لقومه: {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥)} [غافر: ٤٤، ٤٥].
ويجب على من يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
أولاً: العلم بالمعروف والمنكر، والتمييز بينهما، والعلم بحال المأمور، وحال المنهي.
ثانياً: الرفق بالناس حال أدائهما، فالله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، وما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه، واللين يقطع أعظم مما يقطع السيف.
ثالثاً: الحلم والصبر على الأذى من الناس كما قال سبحانه: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)} [المزمل: ١٠].
فلا بدَّ من هذه الثلاثة:
العلم قبل الأمر والنهي.
والرفق معه.
والصبر بعده.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كلاهما لازم، لكن الأمر بالمعروف قبل النهي عن المنكر، والأمر بالمعروف هو الأصل، وبه يستقيم الناس على الدين، فإذا ركب الناس الفواحش، وغشوا المحرمات، وتركوا الطاعات، وأقبلوا على المعاصي، وجب تغيير هذه المنكرات كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ رَأى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أضْعَفُ الإِيمَانِ» أخرجه مسلم (١).
ولتغيير المنكر ثلاث درجات:
الأولى: تغيير المنكر باليد، وهذا خاص بولي الأمر، أو من ينيبه عنه، إذ جعل الله له القوة والسلطان والجاه، وخضوع الرعية له.
فكل من مكنه الله في الأرض لزم عليه تغيير المنكر باليد، وذلك يشمل حاكم الدولة، والقاضي في محكمته، والقائد في جيشه، والمدير في مصلحته، والأب في منزله.
الثانية: تغيير المنكر باللسان، وهذا خاص بالعلماء والدعاة، ويكون بالقول الحسن، والكلمة الطيبة، والموعظة الحسنة، يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله، لا يخشى في الله لومة لائم.
الثالثة: تغيير المنكر بالقلب، وهذا أضعف الإيمان، وآخر المراتب، وهو في الوقت نفسه مهم جداً، ولذا يجب على كل مسلم ومسلمة من العامة والخاصة، ولا يسقط عن المكلف في كل زمان ومكان.
والإنكار بالقلب يكون كالتالي:
بغض المعصية التي رآها أو سمعها.
التمني وهو أن يتمنى أن لو يستطيع أن يزيل هذا المنكر بيده أو لسانه.
والدعاء بأن يدعو الله أن يزيل هذا المنكر، وأن يهدي قلب صاحبه إلى الصراط المستقيم.
وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أربعة أحوال:
فتارة يصلح الأمر.
وتارة يصلح النهي.
وتارة يصلح الأمر والنهي.
وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي.
وأما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقاً، وينهى عن المنكر مطلقاً، وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن حتى يتبين له الحق.
والمنافع التي يجب على المسلم بذلها نوعان:
منها ما هو حق المال كالزكاة الواجبة في الأموال لحاجة الفقراء والمساكين ونحوهم.
ومنها ما هو واجب لحاجة عامة الناس إليها، فإن بذل منافع البدن تجب عند الحاجة كتعليم العلم، وإفتاء الناس، وأداء الشهادة، والحكم بينهم بالعدل، والجهاد في سيبل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنقاذ الإنسانية من مهلكة ونحو ذلك.
وقد أمرنا الله عزَّ وجلَّ أن نأمر بالمعروف ونحبه ونرضاه ونحب أهله، وأمرنا أن ننهى عن المنكر ونبغضه ونسخطه ونبغض أهله ونجاهدهم،
ففي المخلوقات والصفات والأعمال ما نبغضه ونسخطه ونكرهه، وفيها ما نحبه ونرضاه، وكل ذلك بقضاء الله وقدره.
وإذا كان الله يبغض السيئ منها ويكرهه وهو المقدر لها فكيف لا يكرهها من أمره الله أن يكرهها ويبغضها؟.
وقد أمر الله عباده بكل ما يحبه ويرضيه، ونهاهم عما يبغضه ويسخطه كما قال سبحانه: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)} [الحجرات: ٧].
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقتضي سلطة تأمر وتنهى، والأمر والنهي غير الدعوة، فالدعوة بيان، والأمر والنهي سلطان، وقد جمع الله بينهما في قوله سبحانه: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)} [آل عمران: ١٠٤].
(١) أخرجه مسلم برقم (٤٩).
مختارات

