فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٢)
والإصلاح درجات تبدأ:
أولاً: بإصلاح النفس وتزكيتها بالأخلاق العالية، لتكون زهرة فواحة بالروائح الطيبة، من لم يقترب منها تأثر برائحتها الطيبة.
ثانياً: ثم إصلاح المجتمع، حتى تنتقل هذه الأخلاق الكريمة إلى المجتمع فرداً فرداً، فتدخل البيوت، وتتجمل بها الأسر، وتتزين بها القبائل.
ثالثاً: ثم إصلاح الدولة، ليكون حكامها ووزراؤها وعمالها وتجارها هم نواة هذا المجتمع الذي آمن بالله ورسوله، وامتثل أوامر الله ورسوله في كل حال.
فإصلاح أحوال المملكة لا يتم إلا بعد إصلاح النفس ثم إصلاح المجتمع، وقد ربى النبي - صلى الله عليه وسلم - النفوس في مكة، فلما آمنت واستعدت للطاعة نزلت الأحكام وقامت الولاية في المدينة.
وقد بعث الله عزَّ وجلَّ هذه الأمة كما بعث الأنبياء بالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتبشير والإنذار، والتعلم والتوجيه كما قال سبحانه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: ١١٠].
وكثيراً ما يقع ثناء الناس على البناء والأصباغ دون الأساس؛ لأنه لا يرى، ولا قيمة للبناء لولا الأساس.
وكذلك كثيراً ما يثني الناس على العالم أو الداعية، وينسون الأنبياء والرسل الذين هم سبب الهداية، بل ينسون ربهم الذي أرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، وهداهم صراطه المستقيم، فلا يذكرونه ولا يحمدونه، فاعتبروا يا أولي الأبصار؟.
وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبين على كل مسلم ومسلمة فهل للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟.
والله يقول: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)} [البقرة: ٤٤].
ويقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)} [الصف: ٢، ٣].
والجواب: نعم.
فإن المسلم مأمور بشيئين:
أحدهما: فعل الطاعات وترك المعاصي.
والثاني: أمر غيره بفعل الطاعات وترك المعاصي.
وكمال العبد بالقيام بهما معاً، والإخلال بأحد الأمرين لا يقتضي الإخلال بالآخر.
ومعنى الآيتين تنبيه وتحذير للمسلمين لعدم الجمع بينهما فعل المحرم، ونهي الناس عنه، فهذا لا يليق بالعامل، فضلاً عن المسلم، فضلاً عن العالم أو الداعي إلى الله.
ومن آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التعريف، فإن الجاهل يقدم على الشيء لا يظنه منكراً فإذا عرف أقلع عنه، فيجب تعريفه بلطف.
ومنها ستر العيوب والقبائح: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» أخرجه مسلم (١).
وفي الجهر بذكر العيوب والسيئات مفسدتان كبيرتان:
الأولى: أن ذلك يجلب العداوة والبغضاء بين من يجهرون بالسوء، ومن ينسب إليهم هذا السوء، وقد يفضي إلى جحد الحقوق، وسفك الدماء.
الثانية: أن الجهر بالسوء بين الناس يؤثر في نفوس السامعين، فيقتدي بعضهم بعض، فيجهر بالسوء مثله، أو يقلد فاعل السوء في عمله، والجهر بالسوء مباح للمظلوم للضرورة كما قال سبحانه: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨)} [النساء: ١٤٨].
والمعروف قسمان:
ظاهر كالصلاة والزكاة ونحوهما.
وباطن كالإيمان والتوحيد ونحوهما.
والمنكر قسمان:
ظاهر كالقتل والزنا والفواحش.
وباطن كالشرك والكبر والنفاق.
وإنكار المنكر له أربع حالات:
الأولى: أن يزول ويخلفه ضده.
الثانية: أن يقل وإن لم يزُل بجملته.
الثالثة: أن يزول ويخلفه مثله.
الرابعة: أن يزول ويخلفه ما هو شر منه.
فالأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة.
وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإنكار المنكر وتغيير المنكر ليحصل بذلك من المعروف ما يحبه الله ورسوله.
فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه، وأبغض إلى الله ورسوله منه، فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإن ذلك أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر.
وقد استأذن الصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلهم؟.
فقال: «لا، مَا أقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ» أخرجه مسلم (٢).
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ رَأى مِنْ أمِيرِهِ شَيْئاً يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْراً فَمَاتَ، إِلا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» متفق عليه (٣).
ومن تأمل ما جرى على الإسلام من الفتن الصغار والكبار رآها من إضاعة هذا الأصل العظيم، وعدم الصبر على منكر، فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه.
وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرى بمكة أكبر المنكرات وألوان الشرك في أول بعثته ولم يستطع تغييرها بيده مع بغضه لها.
بل لما فتح مكة، وصارت دار إسلام عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك مع قدرته عليه خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك، لقرب عهدهم بالجاهلية.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «يا عائشة: لَوْلا أنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ؛ لأمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأدْخَلْتُ فِيهِ مَا أخْرِجَ مِنْهُ، وَألْزَقْتُهُ بِالأرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيّاً وَبَابًا غَربيّاً، فَبَلَغْتُ بِهِ أسَاسَ إِبْرَاهِيمَ» متفق عليه (٤).
ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد، لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه من سفك الدماء واضطراب الأمن.
فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة، إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - كالرماية وسباق الخيل ونحوهما.
وإذا رأيت الكفار المقاتلين يشربون الخمر فلا تنكر عليهم؛ لأن الله عزَّ وجلَّ إنما حرم الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية، وأخذ الأموال، وهكذا.
وقد وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب الحرج والمشقة، وحصول الفتن، وتكليف ما لا سبيل إليه، وما يُعلم أن الشريعة لا تأتي به.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة الأنبياء والرسل، ووظيفة هذه الأمة، والقيام بها من أشرف الأعمال، فلا بدَّ لمن يقوم بهما من العلم لئلا يقع فيما حرم الله، ويوقع عباد الله فيما حرم الله، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إفتاء عملي بدون سؤال، تثيره أحوال الناس وفشو المعاصي بينهم.
ولا بدَّ من سلطة في الأرض وجماعة تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فالدعوة إلى الله تعود بالناس إلى خالقهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صيانة للمؤمنين لئلا يقعوا فيما حرم الله، وليقبلوا على ما يحبه الله ويعرفونه ويدعون إليه كما قال سبحانه: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)} [آل عمران: ١٠٤].
ومنهج الله في الأرض إيمان وعمل، وبناء وتكوين، وأمر ونهي، وليس مجرد وعظ وإرشاد وبيان فقط فهذا شطر.
والشطر الآخر الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لتستقيم الحياة البشرية على منهج الله، وتصان حياة الجماعة الخيرة من أن يعبث بها كل ذي هوى، وكل ذي شهوة، وكل ذي مصلحة.
والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكليف ليس بالهين ولا باليسير إذا نظرنا إلى طبيعته وما يتطلبه من جهد وصبر وبذل، وإلى اصطدامه بشهوات الناس ونزواتهم، ومصالح بعضهم ومنافعهم، وغرور بعضهم وكبريائهم.
وفيهم الجاهل الغافل.
وفيهم الجبار الغاشم.
وفيهم الحاكم المتسلط.
وفيهم الهابط الذي يكره الصعود.
وفيهم المسترخي الذي يكره الاشتداد.
وفيهم المنحل الذي يكره الجد.
وفيهم الظالم الذي يكره العدل.
وفيهم المنحرف الذي يكره الاستقامة.
وفيهم من يكره المعروف.
وفيهم من يحب المنكر ويفعله وينشره ويدافع عنه.
ولا يمكن أن تفلح الأمة، بل لا تفلح البشرية قاطبة إلا أن يسود فيها المنهج الإلهي، ويكون المعروف معروفاً، والمنكر منكراً محارباً، وهذا ما يقتضي سلطة للخير وللمعروف تأمر وتنهى وتطاع.
ومن ثم فلا بدَّ من جماعة تتلاقى على الإيمان بالله والأخوة في الله، لتقوم على هذا الأمر العسير الشاق بقوة الإيمان والتقوى، ثم بقوة الحب والإلفة، وهؤلاء هم المفلحون كما قال سبحانه: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)} [آل عمران: ١٠٤].
والله عزَّ وجلَّ بقدر ما كلف هذه الأمة بهذا الواجب العظيم، أكرمها في نفس الوقت ورفع مكانها ومقامها، وأفردها بمكان خاص لا تبلغ إليه أمة أخرى كما قال سبحانه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)} [آل عمران: ١١٠].
فهذه الأمة أخرجها الله للناس لتكون طليعة، ولتكون لها القيادة بما أنها خير أمة، والله يريد أن تكون القيادة والإمامة للخير لا للشر في هذه الأرض إلى أن تقوم الساعة، ومن ثم فهي تمثل حياة الأنبياء والرسل، ولا ينبغي لها أن تتلقى من غيرها من أمم الجاهلية، إنما يجب عليها أن تعطي هذه الأمم مما لديها، وأن يكون لديها دائماً ما تعطيه:
من الاعتقاد الصحيح.
والفكر الصحيح.
والنظام الصحيح.
والعلم الصحيح.
والعمل الصحيح.
والخلق المليح.
فهذا الواجب يحتم عليها أن تكون في الطليعة دائماً وفي مركز القيادة دائماً، وفي منبر التوجيه والإرشاد دائماً.
وأول متطلبات هذا المكان أن تدعو الناس إلى خالقهم، وأن تقوم على صيانة حياة البشرية من الشر والفساد، وأن تكون لها القوة التي تمكنها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي خير أمة أخرجت للناس بعملها في حفظ الحياة البشرية من المنكر، وإقامتها على المعروف، مع الإيمان الذي يحدد المعروف والمنكر، لتتحقق الصورة الحسنة التي يحب الله أن تكون الحياة عليها، ويتحقق مراد الله من خلقه، وتحصل للبشرية السعادة في الدنيا والآخرة.
وعلى الأمة المسلمة أن تتضامن فيما بينها، وأن تتعاون على البر والتقوى، وأن تتواصى بالحق، وأن تهتدي بهدى الله الذي جعل منها أمة مستقلة منفصلة عن الأمم غيرها، ولا يضرها بعد ذلك أن يضل الناس حولها ما دامت قائمة على الدين والهدى.
وليس معنى هذا أن تتخلى الأمة المسلمة عن تكاليفها في دعوة الناس كلهم إلى الهدى، والهدى هو دينها وشريعتها.
فإذا هي أقامت نظامها في الأرض، بقي عليها أن تدعو الناس كافة إليه، وأن تحاول هدايتهم إليه.
وبقي عليها أن تباشر القوامة على الناس كافة، لتقيم العدل بينهم، ولتحول بينهم وبين الضلال والجاهلية التي منها أخرجتهم.
وكون الأمة المسلمة مسؤولة عن نفسها أمام الله لا يضيرها من ضل إذا اهتدت، وذلك لا يعني أنها غير محاسبة على التقصير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بينها أولاً ثم في الأرض جميعاً.
وأول المعروف وأعظمه الإسلام لله، وتحكيم شرعه في كل شيء، وأول المنكر وأعظمه الكفر بالله، وتحكيم غير شرعه في خلقه.
فعلى المسلم أن يدري ويعلم أن هذا الدين لا يقوم إلا بجهد وجهاد، ولا يصلح إلا بعلم وعمل ونصح.
ولا بدَّ لهذا الدين من أهل يبذلون جهدهم لرد الناس إليه، وإقامتهم عليه، وإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ولتقرير ألوهية الله في الأرض، ولإقامة شريعة الله في الأرض، وإقامة الناس عليها.
لا بدَّ من جهد بالحسنى حتى تنتشر الهداية في البشرية، وبالقوة حين تكون القوة الباغية في طريق الناس هي التي تصدهم عن الهدى، وتعطل دين الله أن يعمل به في ملكه.
وبذلك تبرأ ذمة المؤمنين، وينال الظالم جزاءه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)} [المائدة: ١٠٥].
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٦٩٩).
(٢) أخرجه مسلم برقم (١٨٥٥).
(٣) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٧٠٥٤) واللفظ له، ومسلم برقم (١٨٤٩).
(٤) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (١٥٨٦)، واللفظ له، ومسلم برقم (١٣٣٣).
مختارات

