فقه الدعوة إلى الله (١١)
والدعاة بين البشر صنفان:
دعاة إلى الحق.
ودعاة إلى الباطل.
فدعاة الحق هم الأنبياء والرسل وأتباعهم من المؤمنين الذين يدعون إلى الله، ودعاة الباطل هم إبليس وذريته وأتباعه من شياطين الإنس والجن.
وهؤلاء.
وهؤلاء.
كلهم قائمون بالدعوة إلى يوم القيامة.
هؤلاء يدعون إلى الجنة.
وهؤلاء يدعون إلى النار.
حتى إذا بلغ الأجل، واكتمل من شاء الله من عدد أهل الجنة، وعدد أهل النار، انقطع الميلاد والنسل.
وقد علم الله من يصلح للجنة والكرامة.
وعلم من يصلح للنار والإهانة، ولكن لإقامة الحجة أرسل الله رسلاً من الإنس والشياطين إلى هؤلاء وهؤلاء كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)} [النحل: ٣٦].
وقال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)} [مريم: ٨٣].
واصطفى الله سبحانه من الناس من يدعو إليه من الأنبياء والرسل وأتباعهم كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)} [السجدة: ٢٣، ٢٤].
وجعل من أهل الشر من يدعو إلى النار كما قال سبحانه في آل فرعون: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١)} [القصص: ٤١].
وقال سبحانه عن الكفار: {أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)} [البقرة: ٢٢١].
فإبليس وذريته باقون دعاة إلى الباطل، إلى النار، إلى يوم القيامة.
أما الرسل والأنبياء فماتوا، وختمهم الله بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فمات، ولكن الله جعل أمته خير أمة أخرجت للناس نائبة عنه، ومبلغة لدين الحق إلى يوم القيامة كما قال سبحانه: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)} [يوسف: ١٠٨].
فللحق دعاة.
وللباطل دعاة.
وللجنة دعاة.
وللنار دعاة.
وللدنيا دعاة.
وللآخرة دعاة.
{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)} [الروم: ١٤ - ١٦].
فلينظر العبد من أي الدعاة هو؟.
وعلى أي طريق يسير؟.
وإلى أي دار يعمل ويدعو؟.
إن الواجب على الأمة أن تتعلم حياة النبي، وجهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في آن واحد.
والدين خطوتان: خطوة للعبادة، وخطوة للدعوة، ولا بدَّ لكل مسلم أن يخطوهما.
ونشر الدين يحتاج إلى خطوات المجتهدين.
وبكاء الخاشعين.
ومداد العلماء.
ودماء الشهداء.
وأخلاق الأتقياء.
وبسبب ترك الدعوة إلى الله ضعف الإيمان، وصارت الأمة تخاف من بطش الرؤساء والأمراء، ولا تخاف من بطش الله.
والمطلوب من المسلم استعمال جميع الصلاحيات والطاقات لنشر الهداية والدعوة إلى الله، ولكن الأعداء جعلوا الرجل والمرأة ماكينات للاستمتاع والشهوات، والله يريد منهما أن يكونا محلاً للإيمان والأعمال الصالحة، ونشر الهداية.
ومزاج المسلم الطاعة، وكل مشاكل العالم جميعها تعود إلى عدم الطاعة، والطاعة لا تأتي إلا بالإيمان، والإيمان لا يأتي إلا بالدعوة.
وكثير من الناس في العبادة كالصلاة يحرص على الصف الأول، وفي الدعوة لم يفكر أن يمشي خطوة فضلاً عن خطوات والتضحية بالأموال والأوقات، فمتى يظهر الحق ويزول الباطل، وتظهر الفضائل وتدبر الرذائل، وأحوال أكثر المسلمين هكذا؟.
ومتى تفتح أبواب الهداية وأكثر المسلمين قعود عن الدعوة إلى الله، مشغولون بالدعوة إلى الأموال والأشياء؟.
وبسبب ترك الدعوة إلى الله حرمنا الحزن على الكفار، ثم حرمنا الحزن على العصاة، ثم انتقلت إلينا صفاتهم.
ولما كانت الأمة قائمة بالدعوة إلى الله كان كل يوم يظهر الحق، ويزهق الباطل، ويدخل الناس في الدين، وبسبب دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة دخل الناس في دين الله أفراداً، وبعد كمال التضحية دخلوا في دين الله أفواجا كما قال سبحانه: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)} [النصر: ١ - ٣].
والصحابة رضي الله عنهم خرجوا من مكة إلى المدينة لنشر الهداية، وتعليم الدين، ونحن نخرج من بيوتنا وديارنا لطلب الدنيا وإكمال الشهوات، ولا نخرج لنشر الهداية، وإبلاغ الدين، وتعليم أحكامه، فكيف نكون رحمة للعالمين؟.
إن رحمة الله لنا مشروطة برحمة جميع خلق الله.
والمطلوب من المسلم أن يعيش حياته تحت أوامر الله، لا تحت هواه وشهواته، فللدين أوامر، ولجهد الدين أوامر، وكلاهما مطلوب من المسلم، فالصلاة من الدين ولها أوامر، والدعوة إلى الله من الدين ولها أوامر.
فعلى المسلم أن يقوم بالدعوة بكل قوة.
وبكل طاقة.
وفي كل وقت.
لكن مع هذا يدعو الله.
ويستغفر الله.
ويتوكل على الله.
وإذا قامت الدعوة على الأصول الشرعية جاء الإيمان والتقوى، وحسن الخلق، ونزلت الهداية والرحمة على الأمة.
والله عزَّ وجلَّ أعطانا الاستعداد الكامل للقيام بالدعوة والعبادة كما جاءت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكن أكثر المسلمين ترك الدعوة إلى الله؛ لأنه صار قانعاً بالعمل الصالح.
ونشر الدين.
ونصرة الدين.
وإظهار الدين.
وحفظ الدين.
كل ذلك بيد الله وحده، لكن نحن مأمورون بالدعوة والجهد للدين.
فالعابد فقط ميدانه نفسه.
والداعي ميدانه كل الناس.
والبحر لا يقارن بالقطرة، والجبل لا يقارن بالذرة، والشمس لا تقارن بالشمعة.
ومن العجب أننا نقطع صلاة الفريضة لإنقاذ نفس من السقوط في حفرة أو بحر أو نار، وهذا واجب، لكننا تركنا ما هو أعظم منه، وهو ترك ملايين البشر يتردون في أودية الكفر والفسوق والعصيان في كل لحظة، ويذهبون إلى نار جهنم بعد موتهم.
والصحابة لما قدموا جهد الدين على جهد الدنيا جاءت المنافع والبركات والفتوحات، ونزلت الهدايات، ونحن لما قدمنا جهد الدنيا على جهد الدين جاءت إلينا الذلة، وحلت بنا المصائب، وانتشرت فينا المعاصي.
ولحل مشاكل الأمة يجب علينا سؤال القرآن والحديث لنأخذ العلاج منهما، لكن المصيبة أن الذي بيده كل شيء أكثر الناس معرضون عنه، غير مستعدين للتعامل معه، وطاعة أوامره: {فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)} [الانشقاق: ٢٠، ٢١].
إن الأمة إذا لم تسلك طريق الأنبياء والمرسلين لم يبق لها إلا حياة البهائم والطواغيت والشياطين.
إن الداعي إلى الله إذا قام بالدعوة حصل له لأجر والهداية وإن لم يستجب الناس، فإن استجابوا له فله مثل أجرهم: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)} [العنكبوت: ٦٩].
إن وظيفة الدعوة إلى الله كوظيفة الملك، وبقية الوظائف كوظيفة الخدم، والمصيبة أن أكثر الناس اشتغل بوظيفة الخدم عن وظيفة الأنبياء والمرسلين، ويطمع مع ذلك بمنازل الأنبياء والصديقين.
ومن المؤسف حقاً أن الإنسان يجتهد في معرفة استخدام كل آلة؛ لأنه يعرف قيمتها ومنافعها، ولا يعرف كيف يستخدم نفسه الاستخدام السليم الذي يرضي به مولاه، وذلك لجهله بخالقها وقيمتها ومنافعها وما أعده الله لها.
ومحبة الدنيا تخرج من القلب عظمة الله وعظمة الدين، وإذا قمنا بجهد الدعوة جاءت في قلوبنا عظمة الله وعظمة دينه، وسهل علينا امتثال أوامر الله عزَّ وجلَّ، ولا يستطيع الداعي إخراج عظمة غير الله من قلوب الناس حتى يخرج عظمة غير الله من قلبه.
وقد يضعف إيمان أهل الحق فيرون الباطل له صولات وجولات، ويعظم ذلك في نفوسهم، لما يرونه من بطش أهل الباطل، وشدة إعراضهم، وتتابع أذاهم للمؤمنين.
وهنا لا بدَّ للمؤمنين من الصبر والدعاء، ولهذا أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالصبر على أذى الكفار، وأمره أن يتعوض عن ذلك ويستعين عليه بالتسبيح بحمد ربه ليحصل له الرضا من ربه، ويطمئن قلبه، وتقر عينه بعبادة ربه، كما قال سبحانه: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)} [طه: ١٣٠].
وقال سبحانه: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)} [الحجر: ٩٧ - ٩٩].
والدعوة إلى الله أعظم وظائف المسلم، ولا بدَّ عند القيام بها من الحكمة، فيؤخذ الناس باللين والرفق لا بالشدة والعنف، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - تلين في الدعوة، وبسبب لينه في صلح الحديبية صار الأمان والاختلاط بين المسلمين والمشركين.
فرأى المشركون في المسلمين صفات جذبتهم إلى الدين:
الإيمان.
والعبادات.
والمعاملات.
والمعاشرات.
والأخلاق.
فدخلوا في الإسلام طائعين راغبين.
ففي السنة السادسة من الهجرة كان صلح الحديبية، والمسلمون منذ تسع عشرة سنة كانوا لا يزيدون على ألف وخمسمائة إلا قليلاً، وبعد الصلح دخل الناس في دين الله أفواجاً.
فكان فتح مكة بعد سنتين في السنة الثامنة من الهجرة والمسلمون يزيدون على عشرة آلاف، ثم بعد سنتين في السنة العاشرة عام غزوة تبوك كان المسلمون أكثر من ثلاثين ألفاً.
ثم بعد سنة في السنة الحادية عشرة حج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - من المسلمين أكثر من مائة وعشرين ألفاً من المسلمين.
ولما أكمل الله أصول الدين وأحكامه.
وأصول الدعوة وأحكامها.
حمَّل الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأمة مسئولية الدين في حجة الوداع، وأمرهم بأن يبلغ الشاهد منهم الغائب، ثم قبض الله رسوله بعد كمال الدين وتمام النعمة ودخول الناس في دين الله أفواجاً كما قال سبحانه: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)} [النصر: ١ - ٣].
وبقيت على الأمة من بعده مسئوليات أربع:
تعلم الدين.
والعمل بالدين.
وتعليم الدين.
والدعوة إلى الدين.
والداعي إذا ذهب إلى الأمصار والقرى للدعوة إلى الله حصلت بسببه مصلحتان:
الأولى: مصلحة الداعية بوجود البيئة التي يزيد فيها إيمانه، وتحسن أعماله، وتعينه على امتثال أوامر الله.
الثانية: مصلحة الأمة بوجود بيئة الإيمان والعلم والأعمال، فيتأثرون بها، ويرون أحوالها ويستفيدون من مواعظها.
وجهد الدعوة يمشي ويعطي ثماره بستة أمور:
باليقين والتوكل.
والهدوء والتدرج.
والتيسير والتبشير.
والرفق واللين.
والإلفة والمحبة.
والتوقير والإكرام.
ولا بدَّ من الحكمة في دعوة البشر، والحكمة لا تأتي إلا بالطلب الصادق من العبد، وحزنه على معاصي البشر، والرغبة في زوالها، وهيجان القلب بمحبة نجاة الناس من عذاب جهنم، والاستعانة بالله والاستغاثة به، وامتلاء القلب برحمة الناس.
ولا بدَّ من استعمال كل الأوقات للدعوة إلى الله، فكل شيء له وقت محدد إلا الدعوة فهي كل وقت، فالصلاة لها وقت، والصوم له وقت، والحج له وقت، والجهاد له وقت، أما الدعوة والذكر فلهما كل وقت، ولكن لا نترك التجارة، ولا جهد التجارة، لكن نؤخر ذلك حتى يعود الناس إلى الله.
مختارات

