فقه الدعوة إلى الله (٦)
وعودة الناس إلى الدين والعمل به والدعوة إليه لها أصول، ويتم ذلك بما يلي:التأليف.
ثم التعريف.
ثم التكليف.
فنؤلف قلوب الناس بالثناء عليهم، وذكر محاسنهم، وإنزالهم منازلهم، ونهدي لهم ما يحبون، ونكرمهم ونحترمهم ونوقرهم، وبذلك يحبوننا، فيسمعون كلامنا، ويتأثرون بصفاتنا، ويرغبون في ديننا.
ثم نبين لهم عظمة الله، وعظمة أسمائه وصفاته ليعظموه، ثم نبين كثرة نعمه على عباده، وجميل إحسانه إليهم، خاصة هذا الدين الذي منَّ الله به على عباده، ليشكروه ويطيعوه ليزيدهم من فضله.
ثم نبين حاجة البشرية الماسة للدين ليسعدوا في الدنيا والآخرة ثم نبين فضائل الدعوة إلى الله، وفضل الخطوات في سبيل الله، وجهود الأنبياء في نشر دين الله، ونرغب الناس في جهد الأنبياء.
فإذا عرف الناس ذلك جاءت عندهم الرغبة في العمل بالدين والدعوة إليه، والصبر على ذلك.
فإذا قام المسلم بالدعوة إلى الله زاد إيمانه، ونزلت الهداية على العباد، وجاءت عنده الرغبة في التضحية في سبيل الله بنفسه وماله، وأوقاته وشهواته، وبلده وأولاده، وكل ما يملك كما فعل ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه: {لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)} [التوبة: ٨٨، ٨٩].
ثم تأتي في قلبه رحمة الناس، والشفقة عليهم، والإحسان إليهم، والدعاء لهم، ثم يرى عياناً مظاهر رحمة الله لعباده، وفضله عليهم.
وأهم أصول دعوة الأنبياء التي تنزل بسببها الهداية:
الإيمان واليقين، والتقوى والإخلاص، والاستقامة على أوامر الله، والتوكل على الله، والصبر على كل أذى، والعفو والصفح، والرحمة والشفقة، وامتثال أوامر الله في جميع الأحوال، والقيام بالدعوة إلى الله، وعدم سؤال الناس الأجرة عليها.
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله عنهم يدعون إلى الله بالعزة؛ لعلمهم أن الله معهم وهو مولاهم، ويمشون بالانكسار والتواضع؛ لعلمهم أن الهداية بيد الله وأنهم لا يملكون شيئاً، ويرحمون الناس ويشفقون عليهم، ويرفقون بهم، لعلهم يهتدون فينجون من عذاب الله؛ لأنهم يعلمون ما لا يعلمون.
ولم يبدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - في معالجة تقاليد الجاهلية من خمر وزنى وميسر وربا من أول الأمر؛ لأنها إنما تقوم على جذور اعتقادية فاسدة، فعلاجها من فوق السطح قبل علاج جذورها جهد ضائع.
وإنما بدأ - صلى الله عليه وسلم - من شهادة أن (لا إله إلا الله).
وطالت فترة إنشاء لا إله إلا الله في القلوب حتى بلغت ثلاثة عشر عاماً في مكة، تم فيها تعريف الناس بإلههم الحق، وتعبيدهم له، وتطويعهم لسلطانه، وتذكير الناس بنعم الله على عباده، وبيان ثواب أهل الطاعة، وعقاب أهل المعصية، واطمأنت القلوب وأسلمت نفسها لله.
حتى إذا خلصت نفوسهم لله، وأصبحوا لا يجدون لأنفسهم خيرة إلا ما يختاره الله، وجاءت فيهم محبة الله ورسوله ودينه، واستعدت نفوسهم للطاعة وتنفيذ أوامر الله، بدأت التكاليف بما فيها الشعائر التعبدية وتفصيل أحكامها وأوقاتها ومقاديرها في المدينة.
وعندئذ بدأت تنقية رواسب الجاهلية في العبادات والمعاملات والمعاشرات والأخلاق.
بدأت في الوقت الذي يأمر الله بأمر فيطيع العباد بلا جدال، بل نزلت أوامر الدين في المدينة كالمطر فاستقبلوها بالطاعة التامة، وتلذذوا بأدائها وتنفيذها، وقالوا سمعنا وأطعنا لله ورسوله؛ لأنهم أسلموا وجوههم لله، فلا يختارون إلا ما اختاره الله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)} [الأحزاب: ٣٦].
ولما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة صار الناس ثلاثة أصناف: إما مؤمن.
وإما كافر.
وإما منافق يظهر الإسلام ويبطن الكفر، بخلاف ما كانوا وهو بمكة، فلم يكن هناك منافق، ولم يكن من المهاجرين منافق، وإنما كان النفاق في المدينة في قبائل الأنصار.
فإن مكة كانت قبل الفتح بيد الكفار وهم زعماؤها، فلا يؤمن ويهاجر إلا من هو مؤمن، والمدينة آمن بها أهل الشوكة والزعامة، فصار للمؤمنين بها عزة ومنعة بالأنصار، فمن لم يظهر الإسلام من الكفار انكشف أمره، وبطل كيده ومكره، فظهر النفاق، واحتاج المنافقون إلى إظهار الإيمان وشعائره مع أن قلوبهم لم تؤمن: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)} [التوبة: ١٠١].
وجميع العبادات مركبة على الرخص، فبدل الوضوء التيمم عند الحاجة، والفطر بدل الصيام في السفر، وقصر الصلاة وجمعها في السفر، والصلاة للمريض قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنب.
وهكذا.
{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)} [الشرح: ٥، ٦].
أما الدعوة فهي مركبة على العزيمة كما قال سبحانه: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)} [الحج: ٧٨].
وقال سبحانه: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)} [الفرقان: ٥٢].
وحاجة البشرية للدين أعظم من حاجتهم للطعام والشراب، بل أعظم من الهواء والتنفس؛ لأنهم بفقد الهواء والتنفس يفقدون الحياة الدنيا، وبفقد الدين يخسرون الدنيا والآخرة، وأي خسران فوق هذا؟
{وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩)} [النساء: ١١٩].
فلا بدَّ من الانتشار في الأرض لإبلاغ دين الله، ونشر السنن والأحكام بين الناس، ومقاتلة من يصد عن سبيل الله، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
كما قال سبحانه: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)} [التوبة: ٤١].
ومن أجل ذلك دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الله في كل مكان، وعرض دعوته وما جاء به من الدين على أهل مكة.
وأهل الموسم.
وأهل الطائف.
وأهل المدينة.
وأنذر الناس كافة.
والعالمين قاطبة.
وجاهد بنفسه، وغزا بنفسه، وأرسل البعوث والسرايا لإعلاء كلمة الله ونشر دينه، وقمع المعتدين، ودفع عدوان الظالمين.
وكذلك فعل الصحابة معه، ومن بعده، فساروا في مشارق الأرض ومغاربها دعاة إلى الله، مبلغين دين الله، معلمين سنن رسول الله، مجاهدين في سبيل الله، لا يخافون في الله لومة لائم.
ومضوا في هذا السبيل داعين إلى الله، مجاهدين في سبيل الله، في مشارق الأرض ومغاربها، حتى مات أكثرهم في غير مكان مولده، فعلوا ذلك كله امتثالاً لأمر ربهم: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)} [إبراهيم: ٥٢].
فعقبة بن نافع مات في الجزائر.
وأبو لبابة في تونس.
وأبو أيوب الأنصاري في أسطنبول.
وأبو طلحة الأنصاري في جزائر الروم.
وقثم بن عباس في سمرقند.
وقتيبة بن مسلم الباهلي في فرغانة.
وعبد الرحمن الغافقي في فرنسا.
والنعمان بن مقرن في نهاوند.
وعلي بن أبي طالب في الكوفة.
والبراء بن مالك في تستر.
والحارث بن هشام في اليرموك.
وأبو عبيدة في الأردن.
وعبد الله بن رواحة في مؤتة.
وخالد بن الوليد في حمص.
وسلمان الفارسي في المدائن.
وبلال في دمشق.
وأنس بن مالك في البصرة.
وجعفر بن أبي طالب في مؤتة.
وعبد الرحمن بن سمرة في خراسان.
وعمرو بن العاص في مصر.
وشرحبيل بن حسنة في الأردن.
وسهيل بن عمرو في الشام، وغير هؤلاء كثير.
والعباس بن عبد المطلب عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له عشرة أبناء، سبعة منهم قبورهم في بلاد شتى وولادتهم في مكة:
الفضل في الشام.
وعبد الله في الطائف.
وعبيد الله في اليمن.
وقثم في سمرقند.
وعبد الرحمن ومعبد في إفريقيا.
وحج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع أكثر من مائة ألف، فلما قال لهم: «لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَإنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أوْعَى لَهُ مِنْهُ» متفق عليه (١).
خرجوا بأموالهم وأنفسهم لإعلاء كلمة الله، ونشر دين الله، وإزاحة الباطل من الأرض، وما دفن منهم في المدينة إلا ما يقارب عشرة آلاف، والباقون ماتوا مجاهدين مسافرين مبلغين لدين الله في أنحاء الأرض، فرضي الله عنهم أجمعين: {لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)} [التوبة: ٨٨، ٨٩].
وكانت الدعوة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة اجتماعية على كل فرد كالعبادة، ثم بقيت العبادة اجتماعية، وتحولت الدعوة إلى أفراد من الأمة، واقتصرت على قلة من الناس، فتأثرت عقيدة الأمة، وفسد يقينها، واهتز أمنها، وكثرت جراحها.
فضعف الإيمان.
وبسبب ضعف الإيمان ضعفت الطاعات.
ثم ضعف العلم والذكر والتذكير.
ثم تأثرت الأخلاق.
ثم تغيرت المعاشرات.
وساءت المعاملات.
وتغيرت النيات.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد من التأثر والنقص والضعف، بل أخذ مكان كل صفة ضدها عند كثير من المسلمين:
فكان مكان قوة الإيمان ضعف الإيمان.
ومكان قوة الأعمال ضعف الأعمال.
ومكان حسن الأخلاق سوء الأخلاق.
ومكان الدعوة إلى الله الدعوة إلى الأموال والأشياء.
ومكان جهد الدين جهد الدنيا.
حتى ظهر في الأمة من يأمر بالمنكر، وينهى عن المعروف على كافة المستويات.
وركب أكثر الأمة مراكب اللهو واللعب والغفلة والاشتغال بالدنيا كما هو واقع صريح في العالم الإسلامي، فضلاً عن العالم الجاهلي.
واقتحم كثير من المسلمين المعاصي والفواحش علانية بلا مبالاة ولا خوف ولا حياء.
فهل تُترك هذه الجراح تنزف المعاصي والذنوب والكبائر التي تغضب الله وتسبب سخطه، وتوجب لعنته، وتحل بنا نقمته؟ وهل تترك الأمة تسير وراء الشياطين والمجرمين بلا هدى إلى جهنم؟.
وإذا كان العالم الآن ما يقارب سبعة مليارات إنسان، أكثرهم بلا إيمان ولا هدى، ويموت منهم يومياً أكثر من ثلاثمائة ألف إنسان إلى جهنم؛ لأنهم كفار يعيشون كالبهائم والشياطين بلا هدى.
فمن المسئول عن هؤلاء؟، ومن المسئول عن التقصير في دعوتهم إلى الله؟، وماذا خسرت البشرية لما قصرنا في إبلاغها الدين؟ إن مسؤولية البشرية كافة يتحملها المسلمون كافة، فقد اجتباهم الله، وأكمل لهم الدين، وأتم عليهم النعمة، وأخرجهم للناس بأعظم دين، وأشرف وظيفة كما قال سبحانه:
{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: ١١٠].
إن لكل مسلم أخوين:
أخ في الدين والنسب وهو المسلم.
وأخ في النسب لا في الدين وهو الكافر، ولكل منهما حق عليه.
فحق المسلم النصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وحق الكافر دعوته إلى الله، والعمل بشرع الله.
والدعوة إلى الله واجبة على كل فرد من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، بل هي أول واجب وأعظم واجب بعد الإيمان والعبادة على جميع الأمة وفي جميع الأحوال لكل الناس، فمن تركها وشغل نفسه بغيرها فهو آثم مقصر في وظيفته، ومسؤول عن تقصيره.
والله عزَّ وجلَّ يحتج على الحكام والملوك إذا تركوا الدعوة بسليمان عليه الصلاة والسلام، فلم يشغله ملكه عن الدعوة إلى ربه.
ويحتج سبحانه على الفقراء إذا تركوا الدعوة بمحمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام.
ويحتج على الأغنياء إذا تركوا الدعوة إلى الله بأغنياء الصحابة كأبي بكر وعمر، وعثمان وغيرهم رضي الله عنهم.
ويحتج على المرضى إذا تركوا الدعوة إلى الله بأيوب - صلى الله عليه وسلم -.
وهكذا.
والناس مختلفون في قدراتهم ووظائفهم فمنهم الملك، ومنهم الوزير، ومنهم التاجر، ومنهم الطبيب، وهذه الوظائف الصغرى وقتها قليل، ومنافعها محدودة، فلا تعطى كل الوقت وكل الفكر وكل العمل.
أما الوظيفة الكبرى لكل مسلم ومسلمة مهما كان فهي مركبة من أمرين:
الأول: عبادة الله.
الثاني: الدعوة إلى الله.
ففي الأولى إصلاح النفس.
وفي الثانية إصلاح الغير.
وكل عمل فيما سوى ذلك فهو خسران محقق على صاحبه كما قال سبحانه: {وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)} [العصر: ١ - ٣].
فهاتان النسبتان لازمتان لكل مسلم ومسلمة في جميع الأحوال.
وقد قسم الله الغني الكريم أرزاق العباد، وجعل لها أسباباً دينية ودنيوية تنال بها، فطلب المعاش وكسب الرزق لا مانع منه، بل هو فريضة بعد أداء فرائض الدين.
ولكن نقوم بالكسب بجوارحنا، ونعتمد على الله في حصوله بقلوبنا، فإن الله هو الرازق الذي لا رازق سواه.
فنقوم بالكسب وفي قلوبنا دائماً العبودية لله، بامتثال أوامر الله في التجارة، والدعوة إلى الله في كل وقت.
فالإسلام حق لكل فرد في الأمة، والناس محتاجون إليه، ولا بدَّ من عرضه عليهم، فالإسلام لكي يقبله الناس لا بدَّ من إحسان عرضه على الناس في مساجدهم وبيوتهم وأسواقهم عن طريق العبادات.
وحسن المعاملات.
وجميل المعاشرات.
وحسن الأخلاق.
وبيان عظمة ربهم وجلاله ليعظموه.
وذكر نعمه وآلائه ليشكروه.
وتذكيرهم بإحسانه وفضله ليحبوه ويحمدوه.
وبيان شرعه وأحكامه ليتقربوا به إليه.
وذكر منازل أهل الطاعة في الجنة ليقبلوا على الطاعات.
وذكر منازل أهل المعصية في النار ليحذروا معصيته.
وبيان الفضائل والسنن والآداب قولياً وعملياً ليعبد الناس ربهم على بصيرة.
ويقبلوا على طاعته محبين له معظمين له.
وعلينا أن نتكلم مع الناس حسب عواطفهم وحاجتهم لا حسب عواطفنا، فكل من لزم عملاً أو سلك طريقاً هو في الغالب مقتنع به خيراً كان أو شراً.
فالكافر والعاصي يبين له حسن عمله، ويبين له الأحسن منه، ويذكر بمحاسنه وجميل أفعاله، ويكرم ويدعى له، ويذكر بربه ونعمه.
وبمثل هذه الأخلاق ينشرح صدره، ويتأثر قلبه، وينفتح عقله، فيستعد لسماع الحق وقبوله والعمل به والدعوة إليه: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)} [فاطر: ٨].
وهل الدعوة إلا توجيه الناس إلى ربهم ودينه بالتي هي أحسن.
ونقلهم بالحكمة والرحمة من الشرك إلى التوحيد.
ومن الكفر إلى الإيمان.
ومن الباطل إلى الحق.
ومن القبيح إلى الحسن.
ومن الحسن إلى الأحسن.
فالدعوة أم الأعمال، والعبادة من ثمراتها، والعبادة خاصة بالنفس، والدعوة عامة للبشرية، ولذلك بين الله أصول الدعوة في القرآن مفصلة؛ لأنها وظيفة الأمة الكبرى.
ولكن يعرض للداعي إلى الله عقبات تعوقه أو تثبطه أو تقطعه، فلا بدَّ من معرفتها، ومعرفة علاجها، والحذر منها، وهي خطوات الشيطان التي يسلكها ليضل الخلق عن الحق، ويصرفهم عن الدين.
فأولاً إذا قام الداعي بالدعوة إلى الله جاءه العدو الألد (اليأس) ففتت من همته لما يراه من سعة مساحة الكفر، وكثرة الطغاة والعصاة.
وعلاجه بقوله سبحانه: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)} [الحديد: ١٧].
ثم يشن (حب الظهور) هجومه، فيهوي بضرباته على رأس الهمة ويطرحها على الأرض، فيحترق العمل لفقده الإخلاص.
وعلاجه بقوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)} [المائدة: ٨].
ثم يبرز إلى الميدان مفسد الأعمال وهادم البنيان (داء الاستعجال)، فتنقلب الأعمال على عقبيها لعدم استوائها ووضعها في غير محلها.
وعلاجه بقوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)} [آل عمران: ٢٠٠].
ثم يتصدى للدعوة (الرأي الشخصي المستبد) الذي يبدد أعمال الإنسان وأعمال الجماعة، ويسبب رفع نصرة الله عنهم، وتمكين الأعداء منهم.
ثم يبرز (التفكير الانفرادي) فيهتم بنفسه، ويهمل غيره، فلا يتماسك له بناء، ولا تثمر له شجرة، وإنما خير الناس أنفعهم للناس وعلاج ذلك كله بقوله سبحانه: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: ٢].
ثم يخرج إلى الساحة عدو آخر ماكر وهو (التقليد) فيجد الفرصة سانحة لتقليد الكسالى والقاعدين، وبه يقصم ظهر الهمة، فيكثر القاعدون، فتتراكم الظلمات، وتزداد الجهالات، وتنبت البدع، وتختفي السنن.
وعلاجه بقوله سبحانه: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)} [التوبة: ٤١].
ثم يلوح العدو الغدار وهو (التسويف) الناجم عن العجز وفقدان الثقة بالنفس، فينشأ معه تأجيل الأعمال الصالحة الأخروية من اليوم إلى الغد، ثم ينسيه الشيطان إياها.
وعلاجه بقوله سبحانه: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)} [آل عمران: ١٣٣].
ثم يدخل الساحة العدو الملحد وهو (التدخل فيما هو موكول أمره إلى الله).
وعلاجه بقوله سبحانه: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)} [الشورى: ١٥].
فليس للعبد أن يتأمر على سيده، وإنما واجبه تنفيذ أوامر سيده وطاعة مولاه.
وأخيراً يقبل داء (حب الراحة والدعة) الذي هو أم المصائب وعلاجه بقوله سبحانه: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)} [النجم: ٣٩ - ٤١].
وهذه الدار دار المجاهدة والعمل، والناس في جهاد إما لدينهم وإما لدنياهم، وأحسن الجهاد ما ثمرته كبيرة نافعة باقية، وهو الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)} [العنكبوت: ٦٩].
وإذا كان الداعي يدعو الناس إلى الله، فالعالم يعلم الناس كيف يعبدون الله، وكما أن كل مسلم مأمور بالعبادة، فهو كذلك مأمور بالدعوة.
والناس محتاجون إلى الداعي الذي يدعوهم إلى الله، وإلى العالم الذي يعلمهم أحكام دينهم.
والفرق بين الدعوة والإفتاء:
أن الفتوى خاصة بمن اختارهم الله لذلك من العلماء والفقهاء الذين مكنهم من العلم بالسنن والأحكام، وأعطاهم القدرة على الحفظ، ووفقهم للفقه في الدين، فهؤلاء العلماء يعلمون الناس، ويجيبون من سأل عن الأحكام ومشكلات المسائل.
وكثير من الصحابة كانوا يخافون من الفتوى ويتدافعونها مع غزارة علمهم وكمال معرفتهم بدينهم، ولم يكن فيهم مفت إلا قلة كابن عمر وابن عباس، وعلي ومعاذ، وابن مسعود رضي الله عنهم.
أما الدعوة إلى الله فهي عامة لكل فرد من الأمة رجالاً ونساءً، فالدعوة لعموم الناس، والنصيحة لعموم المسلمين، والفتوى خاصة بالعلماء.
ومن الناس من اختلط عليه الأمر فظن أن الدعوة خاصة بالعلماء والفتوى مباحة لكل أحد، وهذا بلاء عظيم، وقول على الله بلا علم، وذلك قرين الشرك، بل هو أخطر منه كما قال سبحانه: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)} [الأعراف: ٣٣].
فلنسأل القرآن لينكشف الصواب، ويتميز الحق من الباطل.
ففي الفتوى نسأل العلماء كما قال سبحانه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)} [النحل: ٤٣].
والدعوة وظيفة كل فرد من الأمة كما قال سبحانه: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)} [يوسف: ١٠٨].
والعبادة واجبة على كل فرد من الأمة كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)} [البقرة: ٢١].
فعلينا القيام بثلاثة أمور:
الأول: أن نجعل حياتنا تابعة لحياة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الثاني: أن نقوم بجهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالدعوة إلى الله لعموم البشرية.
الثالث: أن نقيم الأمة على جهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الدعوة إلى الله، كما أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابة على ذلك من أول يوم.
والدعوة إلى الله وإن كانت إحساناً للبشرية، فهي في نفس الوقت حقهم الذي يجب إيصاله إليهم وإبلاغهم إياه: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)} [إبراهيم: ٥٢].
والأمة لما تركت الدعوة إلى الله ضعف فيها الإيمان، وقلت الطاعات، وكثرت المعاصي، وجاء فيها صفتان من صفات اليهود والنصارى:
الأولى: الاهتمام بجمع الأموال بأي وسيلة، وفي كل وقت، وشغل الفكر والبدن بذلك كاليهود الذين لعنهم الله.
الثانية: الاهتمام بتكميل الشهوات وإضاعة الأوامر، وشغل الفكر والبدن بذلك كالنصارى الذين ضلوا عن الحق.
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٦٧) واللفظ له، ومسلم برقم (١٦٧٩).
مختارات

