فقه الدعوة إلى الله (٥)
وأعظم أصول الدعوة:
نفي المخلوق واثبات الخالق الذي بيده كل شيء.
ونفي جميع الطرق وإثبات طريقة النبي - صلى الله عليه وسلم - في جميع الأحوال والأعمال.
وتوجيه الناس من الدنيا إلى الآخرة.
ومن العادات والتقاليد إلى السنن النبوية.
ومن تكميل الأموال والشهوات إلى تكميل الإيمان والأعمال الصالحة.
ومن محبوبات النفس إلى محبوبات الرب.
ومن جهد الدنيا إلى جهد الدين.
ومن جهد غير الرسول إلى جهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وندعو إلى الله بيقين النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذات الله وأسمائه وصفاته.
ونجتهد على الناس بنية النبي - صلى الله عليه وسلم - لهداية العالم كله إلى يوم القيامة.
ونقوم في جميع الأحوال بأعمال النبي - صلى الله عليه وسلم - حيثما كنا.
ونؤدي جميع الأعمال بطريقة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا نفعل إلا ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أمر به أو أقره أو شرعه.
فإذا فعلنا ذلك وقمنا بالدعوة بهذه الأصول الأربعة:
يقين النبي.
ونية النبي.
وأعمال النبي.
وطريقة النبي.
جاء الابتلاء من الله لتكميل تربية العبد، وامتحان صدقه وصبره كما حصل للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من الجوع والخوف والأذى، والسب والشتم والاستهزاء، والمكر والكيد وغير ذلك.
فلما صبروا لله واستقاموا على دينه، وتوكلوا على ربهم، وامتثلوا أوامره، بدل الله أحوالهم، وأذهب عنهم الجوع والخوف والمرض، وأعزهم ونصرهم، واستخلفهم في الأرض، وخذل أهل الباطل، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وأكمل الله الدين، وأتم النعمة كما قال سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: ٣].
فخلف هذه الأمور الأربعة من العباد.
أربع كرامات من رب العباد وهي:
نصرة الله عزَّ وجلَّ.
والتمكين في الأرض.
ونزول الهداية.
والفوز بالجنة والنجاة من النار.
فدين الإسلام عند الله عظيم، ومكانة المسلم كذلك عند الله عظيمة.
ومسؤولية المسلم تجاه الدين عظيمة، والواجب على كل مسلم ومسلمة أربع مسؤوليات:
تعلم الدين.
والعمل بالدين.
وتعليم الدين.
وإبلاغ الدين.
فتعلم الدين والعمل بالدين للإنسان نفسه، ليعرف المسلم شرع ربه، ويقوم بامتثال أوامر الله ورسوله، ويؤدي ذلك بعلم، وتعليم الدين والتذكير بمواعظه لعموم المسلمين ليفعلوا الطاعات ويجتنبوا المعاصي.
وإبلاغ الدين حق واجب على المسلم يؤديه لعموم الناس ليدخلوا في الدين وتقوم عليهم الحجة كما قال سبحانه: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)} [إبراهيم: ٥٢].
وجهد النبي - صلى الله عليه وسلم - كان على الكفار ليهتدوا ويدخلوا في الإسلام، وعلى المؤمنين بالتذكير والتعليم والوعظ ليستقيموا على أوامر الله عزَّ وجلَّ كما قال سبحانه: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)} [النحل: ١٢٥].
وقال سبحانه: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)} [الذاريات: ٥٥].
وجهدنا الآن ينبغي أن يكون على المسلمين أولاً لتكون حياتهم كحياة الأنبياء والصحابة، وأخلاقهم كأخلاق الأنبياء والصحابة، ويقينهم كيقين الأنبياء والصحابة، وهذا تذكير لا تبليغ.
فإذا قامت الأمة على الجهد، واستقامت على أوامر الله، وجاءت فيها الصفات التي يحبها الله، والأعمال التي أمر بها الله، سهل عليها تبليغ الدين للناس كافة بالأقوال والصفات والأعمال كما قال سبحانه: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)} [فصلت: ٣٣].
وبسبب ترك الدعوة حلت بالمسلمين المصائب، وكثرت المعاصي، وظهرت فيهم صفات اليهود والنصارى، فارتد بعضهم عن الإسلام، وولى الدين ظهره، واتبع سنن اليهود والنصارى الذين حذرنا الله منهم بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)} [آل عمران: ١٠٠، ١٠١].
وأول ما خرج من الأمة اليقين على ذات الله وأسمائه وصفاته.
ثم خرجت طاعة الله ورسوله، وجاءت طاعة النفس والشيطان والكفار.
ثم خرج الدين من حياة جمهور كبير من المسلمين.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - أول ما علم الأمة بعد التوحيد والإيمان أوامر الجهد للدين والدعوة إليه في مكة من أول يوم، ثم علمهم في المدينة بعد الهجرة أحكام الدين.
ولكن الأمة الآن نسيت وتركت الجهد للدين، وجهلت أوامر الجهد التي فصلها الله في القرآن في قصص الأنبياء، وبينها الرسول عملياً ففقدت الدين وأقبلت على الدنيا:
تجمع الأموال.
وتتمرغ في الشهوات.
وتضيع الأوقات باللهو واللعب: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)} [الأنعام: ٤٤].
وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أصول دعوة الكفار بالترتيب: الدعوة إلى الله.
فإن لم يستجيبوا طالبناهم بالجزية.
فإن أبوا قاتلناهم.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «.
ِإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاثِ خِصَالٍ (أوْ خِلالٍ)، فَأيَّتُهُنَّ مَا أجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإسْلامِ، فَإِنْ أجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأخْبِرْهُمْ أنَّهُمْ، إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أبَوْا أنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأخْبِرْهُمْ أنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ، إِلا أنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ» أخرجه مسلم (١).
والصحابة رضي الله عنهم كانت أمامهم الدعوة إلى الله أصالة، فإذا لم يقبل الناس الدعوة طالبوهم بدفع الجزية، فإن أبوا قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
ثم جاء بعد من قدم القتال على الدعوة فخاف الملوك والكفار، ورفعت النصرة من الله، فتوجهت القلوب إلى الأسباب والأشياء، وصار المسلمون كالكفار في الاعتماد على الأسباب فغلب من أسبابه أقوى.
وصار المسلمون الآن أذلة لتغير اليقين والترتيب وكثرة المعاصي والذنوب، وقوة أسباب الأعداء، ولا يرفع الله عنهم هذا الذل حتى يرجعوا إلى الدين ويستقيموا عليه ويدعوا إليه كما قال سبحانه: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)} [الأعراف: ٩٦].
ومسؤولية الأنبياء وأتباعهم أعظم مسؤولية، فالرؤساء والعامة يتفكرون للأحوال الدنيوية وحلها قبل الموت.
بينما فكر الأنبياء كيف تصلح أحوال البشرية كلها قبل الموت وبعد الموت.
وإذا كان العالم سبب لبقاء أعمال الدين، فإن الداعي سبب لبقاء الدين، فبسبب ترك تعليم الدين انتشرت في الأمة البدع، وعم الجهل، وصار كثير من المسلمين يقترف المحرمات، ويترك الطاعات، ويعبد الله على جهل وضلال، فهذا تقصير العالم.
وبسبب ترك الدعوة حلت بالأمة عقوبات ومصائب، وتسلط أهل الشر والباطل، فأقفلت كثير من المساجد، والتي لم تقفل عطلت عن أعمال المسجد من العبادة والدعوة والتعليم، وبقيت مكاناً تؤدى فيها الصلاة ثم تقفل.
وملئت الأسواق بالسلع، وأماكن اللهو بالملاهي، وأماكن اللعب بالألعاب، وغشى الناس أسواق الفساد والشهوات وأماكن اللهو واللعب، واشتغلوا بالدنيا عن الدين، رجالاً ونساءً، ليلاً ونهاراً.
وخلت كثير من المساجد من جهد الدعوة إلا ما رحم ربك، فأغلقت إلا لصلاة فريضة، ولما خلت المساجد من الأعمال تبعتها البيوت فصارت خالية من الأعمال إلا ما رحم ربك، مملوءة بالأشياء المباحة والمحرمة التي تصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
خلت المساجد من حلقات الذكر والتعليم، والشورى والتفكر لهداية البشرية، وخلت البيوت كذلك وجلس الناس مجالس الغيبة والنميمة.
واللهو واللعب.
وتكميل شهوات النفس.
وتشاوروا ماذا يأكلون؟، وماذا يبنون؟، وماذا يعملون؟، وكم يربحون؟.
وصاروا يتعلمون ما يقيمون به دنياهم، وتتلمذ كثير منهم على أيدي من غضب الله عليهم ولعنهم من اليهود والنصارى، فجاؤوا بحياة اليهود والنصارى وأفكارهم وأعمالهم، ووضعوها في صحن الإسلام وسفرته، ودعوا الناس إليها باسم العلم، فقعد الناس عليها وهم مطمئنون، يتلذذون بطعمها وحلاوتها، ولو كانت تغضب الله، وتوجب لعنته، وتجلب سخطه، وتسبب عقوبته: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)} [المائدة: ٧٨، ٧٩].
وصار الفكر والعمل عند هؤلاء بالإجماع كيف تزيد الأموال والأشياء، لا كيف يزيد الإيمان والأعمال، وماذا يريد الناس لا ماذا يريد الله.
وصارت حياة اليهود والنصارى وسائر الكفار تنقل إلينا، بل تفرض علينا، وحياتنا وديننا لا تنقل إليهم، ولا تعرض عليهم.
وبدأ كثير من المسلمين يخرجون من الدين بسبب ضعف الإيمان واليقين، وقلة العلماء والدعاة والمصلحين، والكفار ينفرون من الدين، فزادت الدنيا ونقص الدين، وتعلق كثير من الناس بالمخلوق، وأعرضوا عن الخالق ودينه وشرعه.
وإذا قامت الدعوة فتحت أبواب الدخول في الدين، وإذا فقدت الدعوة فتحت أبواب الخروج من الدين، وبدأ يخرج اليقين من الإيمان والأعمال، إلى اليقين على الأموال والأسباب والأشياء.
وإذا قامت الدعوة إلى الله فتحت مداخل الخير كلها، فيدخل الإيمان واليقين والإخلاص، ويدخل الصبر والعفو والإحسان، وتدخل الرحمة والشفقة والتقوى، ويدخل الكفار والعصاة في الهداية والطاعة.
ويجتمع الناس على الحق والهدى.
وإذا لم تقم بالدعوة فتحت مداخل الشر كلها، فيدخل كل شر بكل لون، في كل وقت، ولكل نفس، وإذا دخل كل شر خرج كل خير، فيخرج من الإنسان كل شيء جميل.
يخرج الإيمان واليقين والتقوى، والأعمال الصالحة، والأخلاق الحسنة، حتى في النهاية يخرج الناس من دين الله أفواجاً كما دخلوه أفواجاً.
والفقه في الدين والإنذار بالدعوة متلازمان، ومن غلب هذا على ذاك، أو ترك هذا من أجل ذاك، فقد ضل عن الصواب، وكان كمن له رِجلٌ أطول من الأخرى، فلا يستقيم له المشي: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)} [التوبة: ١٢٢].
وقال سبحانه: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)} [الشورى: ١٥].
والله تبارك وتعالى بحكمته ابتلى عباده الذين يدعون إلى الله بثلاثة أصناف من الناس، وكل صنف له أتباع، وله من الكلام والدعوة ما يناسبه:
الأول: من عرف الحق فعاداه حسداً وبغياً كاليهود، أو عرف الحق وضل عنه كالنصارى كما قال سبحانه: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)} [البقرة: ١٠٩].
الثاني: الرؤساء وأهل الأموال، الذين فتنتهم دنياهم وشهواتهم، لما يعلمون أن الحق يقيدهم بأوامره، ويمنعهم من كثير مما أحبوه وألفوه، كما قال سبحانه: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)} [القصص: ٥٠].
الثالث: الذين نشأوا في باطل وجدوا عليه أسلافهم، يظنون أنهم على حق وهم على باطل، وهؤلاء هم الأكثرون: {إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)} [الصافات: ٦٩، ٧٠].
وهؤلاء: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)} [البقرة: ١٧٠].
والدعوة إلى الله كما أنها مسئولية الأمة كلها فهي كذلك حاجة الأمة كلها، فالدعوة إلى الله سبب للهداية كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)} [العنكبوت: ٦٩].
والدعوة إلى الله أمان للأمة من العذاب والهلاك كما قال سبحانه: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)} [هود: ١١٧].
وكما أن العبادة أمر الله يجب امتثاله من كل مسلم كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)} [البقرة: ٢١].
فكذلك الدعوة أمر الله يجب القيام به من كل مسلم كما قال سبحانه: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)} [النحل: ١٢٥].
وعلى الداعي حين يقوم بالدعوة إلى الله أن يتعرف على المدعوين، وأن يراعي أحوالهم، فالله سبحانه جعل مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق، والناس ثلاثة أقسام:
الأول: من إذا عرض عليه الحق اعترف به واتبعه، فهذه يدعى بالحكمة بحسن بيان الحق ومقاصد الشرع.
الثاني: من إذا سمع الحق اعترف به، لكنه لا يسرع لقبوله والعمل به، فهذا يحتاج مع البيان إلى الموعظة الحسنة بالترغيب في الجنة، والتحذير من النار، ليعلم ثواب الطاعات فيقبل عليها، ويعلم عقوبة المعاصي فيحذر منها، وينشرح صدره للعمل الصالح.
الثالث: من إذا عرض عليه الحق لا يعترف به ولا يقبله، بل يرده بالشبهات، فهذا يجادل بالتي هي أحسن حتى تزول شبهته.
وقد بين الله ذلك كله بقوله سبحانه: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)} [النحل: ١٢٥].
والدين لا ينتشر ولا يحفظ إلا بأمرين:
الدعوة إلى الله.
والجهاد في سبيل الله.
فالدعوة أولاً لعموم الناس، ثم الجهاد في سبيل الله لمن عاند وأبى إلا الكفر أو آذى المسلمين أو اعتدى عليهم كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله عنهم.
وهذا واجب المسلمين في كل زمان ومكان، فاتباع المهاجرين والأنصار ليس فقط بأداء العبادات وترك المحرمات.
بل يكون مع ذلك الاقتداء بهم في الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله كما قال سبحانه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)} [الأنفال: ٣٩، ٤٠].
وجميع طبقات الأمة محتاجون إلى الدعوة إلى الله:
فالكفار والمشركون يُدعون إلى الدخول في الإسلام والخروج من الكفر.
والمبتدعة والعصاة يُدعون إلى الله ببيان أحكام الدين الصحيحة، والترغيب في الأعمال الصالحة، والترهيب من الأعمال السيئة لعلهم يتوبون.
والعباد يحتاجون إلى الدعوة ليزيد إيمانهم، ولتحسن أعمالهم، ولتتحرك قلوبهم لدعوة غيرهم.
والعلماء يحتاجون إلى الدعوة ليعملوا بعلمهم، وينشروا علمهم في الأمة.
وعامة المؤمنين يدعون إلى الله ليزيد إيمانهم ويكمل، فيتوبوا من ذنوبهم، ويحسنوا أعمالهم، ويحفظوا إيمانهم لئلا ينقص.
فليس أحد يستغني عن الدعوة إلى الله والتذكير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح والإرشاد، لا المؤمن ولا الكافر، ولا العالم ولا الجاهل، ولا المطيع ولا العاصي.
وكل يدعو بحسب حاله.
وكل يُدعى بحسب حاله.
وإذا قمنا بالدعوة إلى الله يجب أن نخرج من قلوبنا عاطفة الانتقام من الناس مهما فعلوا بنا وآذونا.
فالمريض إذا زاد مرضه واشتد أحياناً يضرب الطبيب الذي يعالجه، والطبيب يشفق عليه ويواصل علاجه، ويسهر من أجله.
وهكذا أعداء الأنبياء وأعداء المسلمين بسبب شدة مرضهم وجهلهم يسبون الأنبياء والدعاة والمسلمين ويؤذونهم ويقاتلونهم، والأنبياء وأتباعهم كلما زاد الأعداء في أذاهم زادوا شفقة عليهم، ودعوا الله لهم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)} [آل عمران: ١٥٩].
ولما كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس تَوَّجها الله بتاجين:
أحدهما: صفة الأمة: وهو تاج الإيمان، والعبادات، والمعاملات والمعاشرات والأخلاق.
الثاني: عمل الأمة: وهو تاج الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنصح للخلق.
والأمة إذا تركت الدين فقد قطعت صلتها بالله، وأحلت بنفسها عقاب الله.
وإذ تركت الدعوة إلى الله خرج الدين من حياتها، وجاء الفساد في الأمة وفي العالم كله.
وانتشر الظلام مكان النور.
والشرك مكان التوحيد.
والمعاصي مكان الطاعات.
وأوجب ذلك غضب الله وسخطه ولعنته كما قال سبحانه: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)} [المائدة: ٧٨، ٧٩].
وإن آفة أهل العلم والدعوة حين يقصدون بعملهم غير وجه الله من طلب مال أو جاه أو منصب، فحينئذ يصبح الدين حرفة وتجارة خاسرة لا عقيدة حارة دافعة.
فهنا يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، ويأمرون بالخير ولا يفعلونه، ويدعون إلى البر ويهملونه، وينهون عن الشر ويقتحمونه، فهؤلاء قد ضلوا وأضلوا، وهم يحسبون أنهم على شيء: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)} [البقرة: ١٦].
وكثير من المسلمين يجهل أنه مكلف بالدعوة إلى الله، وبعضهم اكتفى بالعبادة عن الدعوة، وبعضهم اشتغل بالعلم وتعليمه، وبعضهم يؤدي العبادات، وجل وقته للشهوات، وبعضهم ليس معه من الدين إلا اسمه فلا عبادة ولا دعوة، والناس في ذلك طبقات ودرجات، ولكي يعرف كل إنسان ربه ودينه وأعمال رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ويعرف أنه مسؤول عن الدين ونشره في العالم، ولكي يعود إلى ربه ويتوب إليه، ويحب دينه، ويرى جهد رسوله، لا بدَّ من تكوين بيئة صالحة يرى فيها المسلم أعمال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: من العبادات والدعوة والتعليم والآداب والسنن القولية والفعلية، وحسن المعاشرات والأخلاق.
فإذا دخل في هذه البيئة الصالحة زاد إيمانه، وتغير فكره، وحسنت أعماله، وأقبل على الطاعات، وترك المعاصي، وصار عابداً داعياً، معظماً لربه، ممتثلاً لأوامره، شاكراً لنعمه، محسناً إلى خلقه، كما حصل ذلك كله في المدينة في المسجد النبوي، وفي بيوت النبي، وفي بيوت أصحاب النبي، فكل من دخل تلك الأماكن تأثر بما فيها من الإيمان والأعمال، واكتسب السنن والأحكام والآداب، فعمل بها داعياً إليها كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)} [التوبة: ١١٩].
وقال سبحانه: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)} [التوبة: ١٢٢].
ولا بدَّ من التدرج في إيصال هذه الأصول لكل إنسان، ولكل جاهل، ولكل ضال، ولكل عاص، ولكل معاند، ولكل مستكبر، فلما تكونت بيئة الإيمان والأعمال الصالحة في المدينة جاءت الوفود تعلن إسلامها وطاعتها لله ورسوله، ثم دخل الناس في دين الله أفواجاً.
(١) أخرجه مسلم برقم (١٧٣٠).
مختارات

