باب ذكر جماعة من أنبياء بني إسرائيل من بعد موسى (١)
قال ابن جرير في "تاريخه": لا خلافَ بينَ أهلِ العلم بأخبار الماضين وأمور السالفين من أمتنا وغيرهم أن القيِّم بأمور بني إسرائيل بعد يوشع كان كالب بن يوفنا -يعني أحد أصحاب موسى ﵇ وهو زوج أخته مريم، وهو أحد الرجلين اللذين ممن يخافون الله، وهما يوشع وكالب، وهما القائلان لبني إسرائيل حين نكلوا عن الجهاد: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة ٢٣] قال ابن جرير ثمّ من بعده كان القائم بأمور بني إسرائيل حِزْقيل بن بوذي، وهو الذي دعا الله فأحيا الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت.
* * *
[قصة حزقيل]
قال الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢٤٣].
قال محمد بن إسحاق عن وهب بن مُنَبّه: إن كالب بن يوفنا لما قبضه الله إليه بعد يوشع خلف في بني إسرائيل حِزقيل بن بوذي، وهو ابن العجوز، وهو الذي دعا للقوم الذين ذكرهم الله في كتابه -فيما بلغنا- ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ قال ابن إسحاق: فروا من الوباء، فنزلوا بصعيد من الأرض ففال لهم الله: موتوا، فماتوا جميعًا، فحظروا عليهم حظيرة دون السباع فمضت عليهم دهور طويلة، فمر بهم حزقيل ﵇ فوقف عليهم متفكرًا، فقيل له: أتحب أن يبعثهم الله وأنت تنظر؟ فقال:نعم.
فأُمِر أن يدعو تلك العظام أن تكتسي لحمًا، وأَن يتصل العصبُ بعضه ببعض، فناداهم عن أمر الله له بذلك، فقام القوم أجمعون وكبّروا تكبيرة رجلٍ واحدٍ وقال أسباط، عن السدّي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود وعن أناس من الصحابة في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ قالوا: كانت قرية يقال لها: دَاوَرْن قِبَل واسط وقَع بها الطاعون فهرب عامة أهلها، فنزلوا ناحية منها، فهلك من بقى في القرية وسَلِم الآخرون فلم يمت منهم كثير، فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين، فقال الذيت بقوا: أصحابُنا هؤلاء كانوا أحزم منا، لو صنعنا كما صنعوا بقينا، ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن معهم.
فوقع في قابل فهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفًا، حتى نزلوا ذلك المكان، وهو واد أفيَح (١)، فناداهم ملك من أسفل الوادي وآخرُ من أعلاه: أن موتوا، فماتوا حتى إذا هلكوا، وبقيت أجسادهم مرَّ بهم نبي يقال له: حِزقيل، فلما رآهم وقف عليهم فجعل يتفكّر فيهم ويلوي شدقيه وأصابعه، فأوحى الله إليه: تريد أن أُريك كيف أحييهم؟ قال: نعم.
وإنما كان تفكره من قدرة الله عليهم.
فقيل له: نادِ، فنادى يا أيتها العظام إن الله لأمرك أن تجتمعي، فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى كانت أجسادًا من عظام، ثمّ أوحى الله إليه أن نادِ: يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحمًا، فاكتست لحمًا ودمًا، وثيابها التي ماتت فيها.
ثم قيل له: ناد، فنادى: أيتها الأجساد إن الله يأمرك أن تقومي، فقاموا.
قال أسباط: فزعم منصور عن مجاهد أنّهم قالوا حين أُحيوا: سبحانك اللهم ويحمدك لا إله إلا أنت، فرجعوا إلى قومهم أحياء يُعرفون أنهم كانوا موتى، سَحْنَةً (٢) الموت على وجوههم، لا يلبسون ثوبًا إلا عاد كفنًا وسخًا حتى ماتوا بآجالهم التي كُتبت لهم.
وعن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف.
وعنه: ثمانية آلاف.
وعن أبي صالح: تسعة آلاف.
وعن أبن عباس أيضًا: كانوا أربعين ألفًا.
وعن سعيد بن عبد العزيز: كانوا من أهل أذْرِعات (٣).
وقال ابن جريج عن عطاء: هذا مَثَل، يعني أنه سيق مثلًا مبينًا أنه.
"لن يغنى حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ"، وقول الجمهور أقوى إن هذا وقع
وقد روى الإمام أحمد، وصاحبا "الصحيح" من طريق الزُّهري عن عبد الحميد بن عبد الرحمن ابن زيد بن الخطاب، عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن عباس أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج إلى الشام حتى إذا كان بسَرْع لقِيَه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام.
فذكر الحديث، يعني في مشاورته المهاجرين والأنصار، فاختلفوا عليه، فجاءه عبد الرحمن بن عوف، -وكان متغيّبًا ببعض حاجته- فقال: إن عندي من هذا علمًا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا كانَ بأرْضٍ وأنْتُم بها فَلا تَخْرُجُوا فِرارًا مِنْه، وإذا سَمِعْتُم بهِ بأرضٍ فلا تَقْدموا عَلَيه" فحمِدَ اللهَ عمرُ ثم انصرف.
وقال الإمام حدّثنا حجاج ويزيد المعنى قالا: حدثنا ابن أبي ذِئْب، عن الزهري، عن سالم، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، أن عبد الرحمن بن عوف أخبر عُمر وهو في الشام عن النبي ﷺ: "إنّ هذا السقمَ عُذِّبَ بهِ الأُمَمُ قَبْلَكُم، فإذا سَمِعْتُم بهِ في أرْضٍ فلا تَدْخُلُوها، وإذا وَقَع بأرْضٍ وأنْتُم بها فَلَا تَخْرُجُوا فِرارًا مِنه".
قال: فرجع عمر من الشام.
وأخرجاه من حديث مالك عن الزهري، بنحو.
قال محمد بن إسحاق، ولم يذكر لنا مدة لبث حزقيل في بني إسرائيل، ثمّ إن الله قبضه إليه، فلما قُبض نسي بنو إسرائيل عهد الله إليهم، وعظمت فيهم الأحداث، وعبدوا الأوثان، وكان في جملة ما يعبدونه من الأصنام صنم يسمونه بعلًا، فبعث الله إليهم إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران.
قلت: لم يذكر ابن عساكر ترجمة حزقيل في "تاريخه"وقد قدّمنا قصة إلياس تبعًا لقصَّة الخضر لأنهما يُقرنان في الذكر غالبًا، ولأجل أنها بعد قصة موسى في سورة الصّافات، فتعجلنا قصته لذلك.
والله أعلم.
قال محمد بن إسحاق فيما ذُكر له عن وهب بن منبه قال:ثمّ تنبأ فيهم بعد إلياس وصيُّه اليسع بن أخطوب.
وهذه قصّة اليسع.
وقد ذكره الله تعالى مع الأنبياء في سورة الأنعام [الآية: ٨٦]في قوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
وقال تعالى في سورة ص: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾ [الآية: ٤٨].
قال إسحاق بن بشر أبو حذيفة: أخبرنا سعيد، عن قتادة،عن الحسن قال: كان بعد إلياس اليسع ﵉، فمكث ما شاء الله أن يمكث، يدعوهم إلى الله مستمسكًا بمنهاج إلياس وشريعته، حتى قبضه الله ﷿ إليه، ثمّ خلف فيهم الخلُوف، وعظمت فيهم الأحداث والخطايا، وكثرت الجبابرة، وقتلوا الأنبياء، وكان فيهم ملك جبار ) عنيدٌ طاغ.
ويقال: إنه الذي تكفّل له ذو الكفل إن هو تاب ورجع دخل الجنة،فسُمّي: ذا الكِفل.
قال محمد بن إسحاق: هو اليسع بن أخطوب.
وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في حرف الياء من "تاريخه": اليسع وهو الأسباط بن عدي بن شوتلم بن أفراييم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل.
ويقال: هو ابن عم إلياس النبي ﵉.
ويقال: كان مستخفيًا معه بجبل قاسيون من ملك بَعْلَبَك، ثم ذهب معه إليها، فلما رُفع إلياس خلفه اليسع في قومه، وتنبَّاه الله بعده.
ذكر ذلك عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب بن منبه.
قال: وقال غيره: وكان الأسباط ببانياس.
ثم ذكر ابن عساكر قراءة من قرأ (اليسع) بالتخفيف وبالتشديد، ومن قرأ (واللَّيْسَعَ) وهو اسم واحد لنبي من الأنبياء.
قلت: وقد قدمنا قصة ذي الكفل بعد قصة أيوب ﵉،لأنه قد قيل: إنه ابن أيوب.
فالله أعلم.
فصْلٌ
قال ابن جرير وغيره: ثم مرج أمر بني إسرائيل، وعظمت منهم الخطوب والخطايا، وقتلوا من
قتلوا من الأنبياء، وسلَّط الله عليهم بدل الأنبياء ملوكًا جبّارين يظلمونهم ويسفكون دماءهم، وسلّط الله عليهم الأعداء من غيرهم أيضًا، وكانوا إذا قاتلوا أحدأمن الأعداء يكون معهم تابوت الميثاق الذي كان في قُبة الزمان -كما تقدم ذِكره- فكانوا ينصرون ببركته وبما جعل الله فيه من السكينة، والبقية مما ترك آل موسى وآل هارون، فلما كان في بعض حروبهم مع أهل غزّة وعسقلان غلبوهم عليه وقهروهم على أخذه، فانتزعوه من أيديهم.
فلما علم بذلك مَلِك بني إسرائيل في ذلك الزمان مالت عنقُه فمات كمدًا،وبقي بنو إسرائيل كالغنم بلا راعٍ حتى بعث الله فيهم نبيًا من الأنبياء يقال له: شمويل، فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكًا ليقاتلوا معه الأعداء، فكان من أمرهم ما سنذكره مما قصَّ الله في كتابه.
قال ابن جرير: فكان بين وفاة يوشع بن نون إلى أن بعث الله ﷿ شمويل بن بالي أربعمئة سنة وستون سنة.
ثم ذكر تفصيلها بمدد الملوك الذين ملكوا عليهم وسماهم واحدًا واحدًا، تركنا ذِكرهم قصدًا.
(١) الأفيح: كل موضع واسع.
(٢) السحنة: الهيئة واللون والحال.
(٣) مدينة في اْطرإف الشام، تبعد عن دمشق نحو (١٠٠) كيلو متر جنوبًا تعرف اليوم ب: درعا.
مختارات

