قصة موسى عليه السلام (٧)
قائلًا ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ أي: هذا الذي تطلبونه وتريدونه، بدل هذه النعم التي أنتم فيها، حاصلٌ لأهل الأمصار الصغار والكبار، موجودٌ بها، وإذا هبطتم إليها، أي:ونزلتم عن هذه المرتبة التي لا تصلحون لمنصبها، تجدون بها ما تشتهون وما ترومون مما ذكرتم من المآكل الدَّنِيَّةِ والأغذية الرديّة، ولكني لست أجيبكم إلى سؤال ذلك هاهنا، ولا أبلّغكم ما تعنتم به من المنى، وكل هذه الصفات المذكورة عنهم الصادرة منهم تدلّ على أنّهم لم ينتهوا عما نهوا عنه، كما قال اللّه تعالى ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ [طه: ٨١] أي: فقد هلك، وحُقّ له - واللّه - الهلاكُ والدمار.
وقد حلّ عليه غضب الملك الجبّار، ولكنه تعالى مزج هذا الوعيد الشديد بالرجاء لمن أنابَ وتاب، ولم يستمر على متابعة الشيطان المريد، فقال: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢].
* * *
سؤال الرُّؤية
قال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالآتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥) سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٤٢ - ١٤٧].
قال جماعةٌ من السّلَف، منهم ابن عباس ومَسْروقٌ ومجاهد الثلاثون ليلةً: هي شهر ذي القعدة بكماله، وأُتِمَّت أربعين ليلةً بعشر ذي الحجة، فعلى هذا يكون كلام اللّه له يوم عيد النّحر، وفي مثله أكمل اللّه ﷿ لمحمد ﷺ دينه، وأقام حججه وبراهينه.
والمقصود أنّ موسى ﵇ لما استكمل الميقات وكان فيه صائمًا، يقال: إنّه لم يستطعم بطعام، فلما كَمُلَ الشهر أخذ لِحاء شجرةٍ (١) فمضغه ليطيب ريح فمه، فأمر اللّه أن يُمْسِك عشرًا أخرى فصارت أربعين ليلةً.
ولهذا ثبت في الحديث ) أن خُلُوف فم الصائم أطيب عند اللّه من ريح المسك فلما عزم على الذهاب استخلف على شعب بني إسرائيل أخاه هارون المحبّب المبجّل الجليل، وهو ابن أمّه وأبيه ووزيره في الدعوة إلى مُصْطَفِيه، فوصّاه وأمره، وليس في هذا لِعُلُوّ منزلته في نبوته منافاةٌ.
قال اللّه تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ أي: في الوقت الذي أُمِر بالمجيء فيه، ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ أي: كلّمه اللّه من وراء الحجاب إلا أنّه أسمعه الخطابَ، فناداه، وناجاه، وقرّبه، وأدناه، وهذا مقامٌ رفيعٌ، ومعقلٌ منغٌ، ومنصبٌ شريفٌ، ومنزلٌ منيفٌ، فصلوات اللّه عليه تَتْرى، وسلامه عليه في الدنيا والأخرى.
ولما أُعطي هذه المنزلةَ العليَّة، والمرتبة السّنية، وسمع الخطاب، سأل رفعَ الحجاب، فقال للعظيم الذي لا تُدركه الأبصارُ، القويِّ البرهان: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾.
ثم بيّن تعالى أنّه لا يستطيع أن يثبت عند تجَلِّيه ﵎، لأن الجبل الذي هو أقوى وأكبر ذاتًا، وأشد ثباتًا من الإنسان لا يثبت عند التجلّي من الرحمن.
ولهذا قال:﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾.
وفي الكتب المتقدّمة أن اللّه تعالى قال له: يا موسى إنّه لا يراني حيٌّ إلا ماتَ، ولا يابسٌ إلا تَدَهْدَه ).
وفي الصحيحين عن أبي موسى، عن رسول اللّه ﷺ أنّه قال: "حِجَابُهُ النُّوْرُ".
وفي رواية: "النار.
لَوْ كَشَفَه لأَحْرَقَتْ سُبُحاتُ وَجْهِهِ ما انْتَهَى إلَيْهِ بَصَره من خلقه".
وقال ابن عباس في قوله تعالى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ذاك نورُه الذي هو نورُه، إذا تجلّى لشيءٍ لا يقوم له شيء، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قال مجاهد ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾: فإنه أكبر منك، وأشدّ خلقًا، فلما تجلّى ربّه للجبل فنظر إلى الجبل لا يتمالك، وأقبل الجبل فدُكَّ على أوله، ورأى موسى ما يصنع الجبل، فخر صَعِقًا.
وقد ذكرنا في "التفسير" ما رواه الإمام أحمد، والترمذي وصحّحه، وابنُ جرير والحاكم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت - زاد ابن جرير وليث - عن أنس: أن رسول اللّه ﷺ قرأ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال: هكذا بإصبعه ووضع النبي ﷺ الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر، فساخ الجبل.
لفظ ابن جرير.
وقال السُّدِّي عن عكرمة، وعن ابن عباس: ما تجلّى - يعني من العظمة - إلّا قدر الخنصر، فجعل الجبل دكًا، قال: ترابًا ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ أي: مَغْشِيًّا عَلَيه.
وقال قتادة: ميتًا.
والصحيح الأول؛ لقوله ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾ فإن الإفاقة إنما تكون عن غشي.
قال ﴿سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهٌ وتعظيمٌ وإجلالٌ أن يراه بعظمته أحدٌ ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ أي: فلستُ أسأل بعد هذا الرؤيةَ ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنّه لا يراك حيٌّ إلا مات، ولا يابس إلا تَدَهْدَه.
وقد ثبت في "الصحيحين" من طريق عمرو بن يحيى بن عُمارة بن أبي حسن المازني الأنصاري، عن أبيه، عن أبي سعيد الخُدري قال: قال رسول اللّه ﷺ: "لا تُخَيّرُوني مِنْ بَيْنِ الأَنْبياءَ، فإنَّ النَّاسَ يُصعَقُوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ فَأَكُوْنُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيْقُ، فإذا أَنا بِمُوْسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ فلا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلي أم جُوْزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّوْرِ" لفظ البخاري.
وفي أوله قصة اليهودي الذي لطم وجهه الأنصاريُّ حين قال:
لا والذي اصطفى موسى على البشر، فقال رسول الله: "لا تخيِّروني مِن بين الأنبياءِ".
وفى "الصحيحين" من طريق الزُّهْرى، عن أبي سلمة وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، بنحوه وفيه: "لا تُخَيِّروني عَلَى مُوسى" وذكر تمامه.
وهذا من باب الهضم والتواضع، أو نهي عن التفضيل بين الأنبياء على وجه الغضب والعصبية، أو ليس هذا إليكم، بل اللّهُ هو الذي رفع بعضهم فوق بعض درجات، وليس يُنالُ هذا بمجرد الرأي، بل بالتوقيف.
ومن قال: إن هذا قاله قبل أن يعلم أنه أفضل، ثم نُسخ باطّلاعه على أفضليته عليهم كلّهم، ففي قوله نظر؛ لأن هذا من رواية أبي سعيد وأبي هريرة، وما هاجر أبو هريرهّ إلَّا عام حُنَين متأخِّرًا، فيبعد أنّه لم يعلم بهذا إلّا بعد هذا.
والله أعلم.
ولا شك أنّه صلوات اللّه وسلامه عليه أفضل البشر، بل الخليقة.
قال اللّه تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وما كملوا إلا بشرف نبيّهم.
وثبت بالتواتر عنه صلوات اللّه وسلامه عليه أنه قال: "أنا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يوْمَ القِيَامَةِ وَلَا فَخْر"، ثمّ ذكر اختصاصه بالمقام المحمود الذي يغبِطُه به الأوّلون والآخرون الذي تحيد عنه الأنبياء والمرسلون، حتى أولو العزم الأكملون نوحٌ وإبراهيم وموسى وعيسى ين مريم.
وقوله ﷺ: "فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيْقُ فَأَجِدُ مُوسَى باطِشًا بِقائِمَةِ العَرْشِ" أي: آخذًا بِها "فلا أدْرِي أَفَاقَ قَبْلي أَمْ جُوْزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّوْرِ" دليلٌ على أنّ هذا الصعق الذي يحصل للخلائق في عَرَصَات القيامة حين يتجلّى الربُّ لِفَضْل القضاء بيت عباده، فيُصْعَقون من شدّة الهيبة والعَظَمةِ والجلال فيكون أوَّلَهم إفاقةً محمدٌ خاتم الأنبياء ومصطفى ربِّ الأرض والسماء على سائر الأنبياء، فيجد موسى باطشًا بقائمة العرش، قال الصّادق المصدوق: "لا أدْري أَصعق فأفاقَ قَبْلي" أي: كانت صعقته خفيفة، لأنّه قد ناله بهذا السبب في الدنيا صعق، أو جوزى بصعقة الطور، يعني فلم يصعق بالكليّة، وهذا فيه شرفٌ كبيرٌ لموسى ﵇ من هذه الحيثية، ولا يلزم تفضيله بها مطلقًا من كلِّ وجه.
ولهذا نَبَّه رسول الله ﷺ على شرفه وفضيلته بهذه الصّفة، لأن المُسْلِم لمّا ضرب وجه اليهودي حين قال: لا والذي اصطفى موسى على البشر، قد يحصل في نفوس بعض المشاهدين لذلك هضمٌ بجناب موسى ﵇ فبيّن النبي ﷺ فضيلته وشرفه.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالآتِي وَبِكَلَامِي﴾ أي: في ذلك الزمان لا ما قبله، لأن إبراهيم الخليل أفضلُ منه - كما تقدم بيان ذلك في قصة إبراهيم ولا ما بعده لأن محمدًا ﷺ أفضل منهما، كما ظهر شرفه ليلة الإسراء على جميع المرسلين والأنبياء، وكما ثبت أنه قال: "سَأَقُومُ مَقَامًا يَرْغَبُ إليَّ الخَلْقُ حَتَّى إبْرَاهِيم.
وقوله تعالى: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: فخذ ما أَعطمتك من الرسالة والكلام، ولا تسأل زيادة عليه، وكن من الشاكرين على ذلك.
قال اللّه تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وكانت الألواح من جوهرٍ نفيسٍ.
ففي "الصحيح" أن الله كتب له التوراة بيده، وفيها مواعظ عن الآثام وتفصيلٌ لكلِّ ما يحتاجون إليه من الحلال والحرام: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ أي: بعزمٍ ونيّةٍ صادقةٍ قويّةٍ ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ أي: يضعوها على أحسن وجوهها وأجمل محاملها ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: سترون عاقبة الخارجين عن طاعتي المخالفين لأمري المكذِّبين لرسلي.
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ﴾ عن فهمها وتدبُّرها وتعقُّل معناها الذي أريد منها، ودلّ عليه مقتضاها ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ أي: ولو شاهدوا مهما شاهدوه من الخوارق والمعجزات لا ينقادون لاتِّباعها ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ أي: لا يسلكوه ولا يتبعوه ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: صرفناهم عن ذلك لتكذيبهم بآياتنا، وتغافلهم عنها، وإعراضهم عن التصديق بها والتفكّر في معخاها وترك العمل بمقتضاها ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
* * *
قصَّة عِبادتهم العجْل في غيبَة كليم اللّه عنهم.
قال اللّه تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٤٨ - ١٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣)قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠)قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١)قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٨٣ - ٩٨].
يذكر تعالى ما كان من أمر بني إسرائيل حين ذهب موسى ﵇ إلى ميقات ربّه، فمكث على الطور يناجيه ربُّه ويسأله موسى ﵇ عن أشياءَ كثيرةٍ، وهو تعالى يجيبه عنها، فعمد رجلٌ منهم يقال له: هارون السّامري، فأخذ ما كان استعاروه من الحليّ، فصاغ منه عجلًا، وألقى فيه قبضةً من التراب كان أخذها من أثر فرس جبريل حين رآه يوم أغرقَ اللّه فرعونَ على يديه، فلما ألقاها فيه خارَ كما
يخور العجل الحقيقي.
ويقال: إنّه استحال عجلًا جسدًا،أي: لحمًا ودمًا حيًّا يخور.
قاله قتادة وغيره.
وقيل: بل كانت الريح إذا دخلت من دُبره خرجت من فمه فيخور كما تخور البقرة، فيرقصون حوله ويفرحون ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ أي: فنسي موسى ربّه عندنا، وذهب يتطلّبه وهو هاهنا، تعالى اللّه عما يقولون )علوًّا كبيرًا، وتقدّست أسماؤه وصِفاته، وتضاعفت آلاؤه وعِداته.
قال اللّه تعالى مبينًا بطلان ما ذهبوا إليه، وما عوّلوا عليه من إلهية هذا الذي قُصاراه أن يكون حَيوانًا بَهيمًا،وشيطانًا رجيمًا ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ وقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ فذكر أنّ هذا الحيوان لا يتكلّم ولا يردّ جوابًا، ولا يملك ضرًّا ولا نفعًا، ولا يهدي إلى رشدٍ، اتخذوه وهم ظالمون لأنْفُسهم عالمون في أنفسهم بطلان ما هم عليه من الجهل والضلال: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي: ندموا على ما صنعوا ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
ولمّا رجع موسى ﵇ إليهم، ورأى ما هم عليه من عبادة العجل، ومعه الألواح المتضمّنة التوراة، ألقاها،فيقال: إنّه كسرها.
وهكذا هو عند أهل الكتاب )، وأن اللّه أبدله غيرها.
وليس في اللفظ القرآني ما يدلّ على ذلك، إلا أنه ألقاها حين عاين ما عاين.
وعند أهل الكتاب أنّهما كانا لوحين ) وظاهر القرآن أنّها ألواح متعددة، ولم يتأثر بمجرّد الخبر من اللّه تعالى عن عبادة العجل فأمر بمعاينة ذلك.
ولهذا جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن حِبَّاد عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه ﷺ: "لَيْس الخُبْرُ كالمُعَايَنَةِ"، ثمّ أقبل عليهم فعنَّفَهم، ووبَّخهم، وهجَّنهم في صنيعهم هذا القبيح، فاعتذروا إليه بما ليس بصحيح، ﴿حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ تحرَّجوا من تملّك حُليّ آل فرعون وهم أهل حرب، وقد أمرهم اللّه بأخذه وأباحه لهم، ولم يتحرّجوا بجهلهم وقلّة علمهم وعقلهم من عبادة العجل الجسد الذي له خُوار مع الواحد الأحد الفرد الصمد القهَّار.
ثم أقبل على أخيه هارون ﵉ قائلًا له: ﴿يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ أي: هَلَّا لما رأيت ما صنعوا اتَّبعتني فأعلمتني بما فعلوا؟ فقال: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي
إِسْرَائِيلَ﴾ أي: تركتهم وجئتني وأنت قد استخلفتني فيهم: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي
رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
وقد كان هارون ﵇ نهاهم عن هذا الصنيع الفظيع أشدَّ النهي، وزجرهم عنه أتمَّ الزجر.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ أي: إنّما قدّر اللّه أمر هذا العجل وجعله يخور فتنةً واختبارًا لكم ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ أي: لا هذا ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ أي: فيما أقول لكم ﴿وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ يشهد اللّه لهارون ﵇ وكَفَى باللّهِ شَهيدًا، أنّه نهاهم، وزجرهم عن ذلك فلم يطيعوه، ولم يتّبعوه.
ثم أقبل موسى على السّامري ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾ أي: ما حملك على ما صنعت؟ ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أي: رأيت جبريل وهو راكب فرسًا ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ أي: من أثر فرس جبريل.
وقد ذكر بعضهم أنّه رآه وكلّما وطئت بحوافرها على موضعٍ اخضرَّ وأعشبَ، فأخذ من أثر حافرها، فلما ألقاه في هذا العجل المَصُوْغ من الذهب كان من أمره ما كان، ولهذا قال: ﴿فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ وهذا دعاء عليه بأن لا يَمَسَّ أحدًا معاقبة له على مسّه ما لم يكن له مسّه.
هذا معاقبة له في الدنيا، ثم توعّده في الأخرى فقال: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ وقرئ ﴿لَنْ تُخْلِفَهُ﴾ ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾.
قال: فعمد موسى ﵇ إلى هذا العجل فحرّقه بالنار كما قاله قتادة وغيره.
وقيل: بالمبارد، كما قاله علي وابن عباس وغيرهما، وهو نص أهل الكتاب )، ثمّ ذراه في البحر، وأمر بنى إسرائيل فشربوا، فمن كان من عابديه عَلِق على شفاههم من ذلك الرماد منه ما يدل عليه، وقيل: بلّ اصفرّت ألوانهم.
ثئم قال تعالى إخبارًا عن موسى أنّه قال لهم: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾
وهكذا وقع.
وقد قال بعض السلف: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ مسجَّلةٌ لكلِّ صاحب بِدعةٍ إلى يوم القيامة.
ثمّ أخبر تعالى عن حلمه، ورحمته بخلقه، وإحسانه على عبيده في قبوله توبة من تاب إليه بتوبته عليه فقال:﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لكنْ لم يقبلِ اللّهُ توبة عابدي العجل إلا بالقتل كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤] فيقال: إنّهم أصبحوا يومًا وقد أخذ من لم يعبد العجل في أيديهم السيوف، وألقى اللّه عليهم ضَبابًا حتى لا يعرف القريبُ قريبَه ولا النسيب نسيبه، ثمّ مالوا على عابديه فقتلوهم وحصدوهم.
فيقال: إنّهم قتلوا في صبيحةٍ واحدة سبعين ألفا.
ثمّ قال اللّه تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ استدلّ بعضهم بقوله: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾ على أنّها تكسّرت، وفي هذا الاستدلال نظر، وليس في اللفظ ما يدلّ على أنّها تكسّرت.
واللّه أعلم.
وقد ذكر ابن عباس في حديث الفتون - كما سيأتي ) - أن عبادتهم العجل كانت على أثر خروجهم من البحر، وما هو ببعيد؛ لأنهم حين خرجوا ﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾.
وهكذا عند أهل الكتاب أن عبادتهم العجل كانت قبل مجيئهم بلاد بيت المقدس، وذلك أنّهم لما أُمروا بقتل من عبد العجل قَتَلوا في أول يوبم ثلاثة آلاف.
ثمّ ذهب موسى يستغفر لهم فغفر لهم بشرط أن يدخلوا الأرض المقدّسة.
﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٥ - ١٥٧].
ذكر السُّدَي وابن عباس وغيرهما أن هؤلاء السبعين كانوا علماءَ بني إسرائيل، ومعهم موسى وهارون ويوشع وناداب وأبيهو، ذهبوا مع موسى ﵇ ليعتذروا عن بني إسرائيل في عبادة من عبد منهم العجلَ، وكانوا قد أُمروا أن يتطيّبوا ويتطهَّروا ويغتسلوا، فلما ذهبوا معه واقتربوا من الجبل، وعليه
الغمام، وعمود النور ساطعٌ، وصعد موسى الجبل، فذكر بنو إسرائيل أنّهم سمعوا كلام اللّه، وهذا قد وافقهم عليه طائفةٌ من المفسّرين وحملوا عليه قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]، وليس هذا بلازمٍ، لقوله تعالى:﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] أي مبلِّغًا، وهكذا هؤلاء سمعوه مبلَّغًا من موسى ﵇، وزعموا أيضًا أن السبعين رأوا اللّهَ، وهذا غلط منهم، لأنّهم لما سألوا الرؤية أخذتهم الرجفةُ كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥، ٥٦] وقال هاهنا: ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾.
قال محمد بن إسحاق: اختار مُوْسى من بني إسرائيلَ سَبعينَ رجُلًاا لخيِّر فالخيِّر، وقال: انطلقوا إلى اللّه فتوبوا إليه مما صنعتم، وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا، وتطهّروا، وطهِّروا ثيابكم، فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وَقَّته له ربُّه، وكان لا يأتيه إلا بإذنٍ منه وعلم، فقال له طلب مني السبعون أن يسمعوا كلامَ اللّه،فقال: أَفْعَلُ، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشّى الجبلَ كلَّه، ودنا موسى فدخل في الغمام وقال للقوم: ادنوا، وكانْ موسى إذا كلّمه اللّه وقع على جبهته نورٌ ساطعٌ لا يستطيع أحدٌ من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودًا فسمعوه وهو يكلِّم موسى؛ يأمره ) وينهاه، افعل، لا تفعل.
فلما فرغ الله من أمره وانكشفَ عن موسى الغمام، وأقبل عليهم، قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾، وهي الصّاعقة، فالتقت أرواحهم فماتوا جميعًا، فقام موسى يناشد ربّه، ويدعوه، ويرغب إليه ويقول: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ﴾ أي: لا تؤاخذْنا بما فعل السفهاء الذين عبدوا العجل منّا فإنا برآءُ مما عملوا.
وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج: إنّما أخذتهم الرجْفة لأنهم لم ينْهَوا قومهم عن عبادة العجل ).
وقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ أي: اختبارُك وابتلاؤك وامتحانك، قاله ابن عباس وسعيد بن جُبير وأبو العالية والربيع بن أنس، وغير واحد من علماء السّلف والخلف.
يعني: أنت الذي قدّرت هذا وخلقت ما كان من أمر العجل اختبارًا تختبرهم به، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ أي: اختُبرتم، ولهذا قال:﴿تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ أي: من شئتَ أضللته باختبارك إياه، ومن شئتَ هديته، لك الحكم والمشيئة، ولا مانع ولا رادّ لما حكمت وقضيت ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾
أي: تبنا إليك، ورجعنا، وأنبنا، قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جُبير، وأبو العالية، وإبراهيم التيمي، والضحَّاك، والسُّدّي، وقتادة، وغير واحد.
وهو كذلك في اللغة.
﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: أنا أعذِّب من شئتُ بما أشاء من الأمور التي أخلقها وأقدِّرها ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ كما ثبت في "الصحيحين" عن رسول اللّه ﷺ أنه قال: "إنّ اللّهَ لَما فَرَغَ مِنْ خَلْقِ السَّمواتِ والأرْضِ كَتَبَ كِتابًا فَهُوَ مَوْضُوْعٌ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إنَّ رَحْمَتي تَغْلِبُ غَضَبِي" ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: فسأُوحيها حتمًا لمن اتصف بهذه الصفات ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ الآية.
وهذا فيه تنويه بذكر محمد ﷺوأُمَّته من اللّه لموسى ﵇ في جملة ما ناجاه به، وأعلمه، وأطلعه عليه.
وقد تكلّمنا على هذه الآية وما بعدها في "التفسير" بما فيه كفاية ومقنع، وللّه الحمد والمِنَّة.
وقال قتادة: قال موسى يا رب أجد في الألواح أمّةً خير أمّةٍ أُخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ربّ اجعلهم أمتي، قال: تلك أمّةُ أحمد.
قال: ربِّ إني أجد في الألواح أمّةً هم الآخِرون في الخلق، السابقون في دخول الجنة، ربِّ اجعلهم أمتي.
قال: تلك أمّةُ أحمد.
قال: رب إني أجد في الألواح أمّةً أناجِيْلُهم في صدورهم يقرؤونها وكان مَن قبلهم يقرؤون كتابهم نظرًا حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئًا ولم يعرفوه، وإن اللّه أعطاكم أيتها الأمة من الحفظ شيئًا لم يعطه أحدًا من الأمم، قال: ربّ اجعلهم أمتي: قال: تلك أمّةُ أحمد.
قال: ربِّ إني أجد في الألواح أمّةً يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر ويقاتلون فصول الضَّلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذَّاب فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمّةً أحمد.
قال: ربِّ إني أجد في الألواح أمّةً صدقاتهم يأكلونها في بطونهم، ويؤجَرون عليها، وكان مَن قبلهم إذا تصدَّق بصدقةٍ فَقُبِلتْ منه بعث اللّه عليها نارًا فأكلتها وإن رُدَّت عليه تُرِكت فتأكلها السباع والطير، وإن اللّه أخذ صدقاتكم من غنيِّكم لفقيركم، قال: ربِّ فاجعلهم أمتي،قال: تلك أمّةُ أحمد.
قال ربِّ فإني أجد في الألواح أمّةً إذا هَمَّ أحدهم بحسنة ثمّ لم يعملها كُتبت له حسنةً فإن عملها كُتِبت له عشرُ أمثالها إلى سبعمئة ضعف، قال: ربِّ اجعلهم أمتي، قال: تلك أمّةُ أحمد.
قال: ربِّ إني أجد في الألواح أمّةً هم المشفَّعون المشفوع لهم فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمّةُ أحمد.
قال قتادة فذُكر لنا أن موسى ﵇ نبذ الألواح وقال:اللهم اجعلني من أمّةِ أحمد.
وقد ذكر كثيرٌ من الناس ما كان من مناجاة موسى ﵇، وأوردوا أشياءَ كثيرةً لا أصل لها،
ونحن نذكر ما تيسّر ذِكره من الأحاديث والآثار بعون اللّه وتوفيقه، وحسن هدايته، ومعونته، وتأييده.
قال الحافظ أبو حاتم محمد بن حاتم بن حِبان في "صحيحه: ذِكْرُ سؤال كليم الله ربّه ﷿ عن أدنى أهل الجنة وأرفعهم منزلة: أخبرنا عمر بن سعيد الطَّائي بمَنْبِج، حدّثنا حامد بن يحيى البلخي، حدّثنا سفيان، حَدَّثَنَا مُطَرِّف بن طريف وعبد الملك بن أبْجر - شيخان صالحان - سمعا الشعبيَّ يقول: سمعت المغيرة بن شعبة يقول على المنبر عن النبي ﷺ: "إن موسى ﵇ سأل ربَّهُ ﷿: أيُّ أهل الجنّة أدنى منزلةً؟ قال: رجلٌ يجيء بعد ما يدخل أهل الجنة الجنةَ،فيقال: ادخل الجنة.
فيقول: كيف أدخل الجنة وقد نزل النّاس منازلهم، وأخذوا إخاذاتهم فيقال له: أترضى أن يكون لك من الجنة مثلُ ما كان لملكٍ من ملوك الدنيا؟فيقول: نعم! أي ربّ.
فيقال: لك هذا ومثله ومثله ومثله فيقول: أي ربّ، رضيت.
فيقال له: إنّ لك هذا وعشرة أمثاله، فيقول: أي ربّ، رضيت.
فيقال له: لك مع هذا ما اشتهت نفسك ولذّت عينك.
وسأل ربّه: أيُّ أهل الجنة أرفع منزلة؟ قال: سأحدِّثك عنهم: غرستُ كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
ومصداق ذلك في كتاب الله ﷿: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية [السجدة: ١٧] ".
وهكذا رواه مسلم والترمذي، كلاهما عن ابن أبي عمر، عن سفيان - وهو ابن عيينة - به.
ولفظ مسلم:"فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلوكِ الدُّنْيا؛ فيقولُ: رَضِيْتُ رَبِّ.
فَيَقولُ: لَكَ ذلكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فيقول في الخامسة: رضِيتُ ربِّ.
فيقال: هذا لك وعشرةُ أمثالِه، وَلكَ ما اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ.
فَيَقُولُ: رَضِيْتُ رَبِّ.
قالَ رَبِّ فأعْلاهُم منزلةً؟ قالَ: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر.
قال:ومصداقه من كتاب الله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ".
وقال الترمذي: حسن صحيح قال: ورواه بعضهم عن الشعبي عن المغيرة فلم يرفعه، والمرفوع أصح.
وقال ابن حبان: ذِكْرُ سؤال الكليم ربّه عن خصالٍ سبع.
حدّثنا عبد الله بن محمد بن سِلم ببيت المقدس، حدِّثنا حَرْمَلة بن يحيى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن أبا السَّمْح حدَّثه عن ابن حُجَيْرة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنّه قال: سال مُوسى رَبَّهُ ﷿ عَنْ سِتّ خِصَالِ كانَ
يَظُنُّ أنَّها لَهُ خَالِصَةٌ والسَّابِعَةُ لَمْ يَكُنْ مُوْسَى يُحِبُّها، قال: يا رَبّ أيُّ عِبَادِكَ أتْقَى؟ قالَ: الذي يَذْكُرُ ولا يَنْسى، قال: فأيُّ عِبَادِكَ أَهْدَى؟ قالَ: الذي يَتَّبعُ الهُدَى.
قالَ: فأيُّ عِبادِكَ أحكم؟ قالَ: الذي يَحْكُمُ لِلنَّاسِ كَما يَحْكُمُ لِنَفْسِه.
قالَ:فأيُّ عِبادِكَ أَعْلَم؟ قالَ: عالِمٌ لا يَشْبَعُ مِنَ العِلْمِ يَجْمَعُ عِلْمَ النَّاسِ إلى عِلمِهِ.
قالَ: فأيُّ عبادِكَ أعَزّ؟ قال: الذي إذا قَدَرَ غَفَر.
قال: فأيُّ عبادِكَ أغْنَى؟ قال: الذي يَرْضَى بما يُؤْتى.
قالَ: فأيُّ عبادِكَ أفْقَرُ؟ قالَ: صاحِبُ مَنْقُوصٍ.
قالَ رَسُولُ الله ﷺ "لَيْسَ الغنى عَنْ ظهو، إنّما الغنى غنى النفس، وإذا أراد اللّه بعبدٍ خيرًا، جعل غناه في نفسه، وتقاه في قلبه، وإذا أراد بعبدٍ شرًّا جَعَل فَقْرَه بين عينيه".
قال ابن حِبّان: قوله: صاحب منقوص يريد به: منقوص حالته يستقل ما أوتي، ويطلب الفضل.
وقد رواه ابن جرير في "تاريخه" عن ابن حميد، عن يعقوب القُمّي عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس قال: سأل موسى ربّه ﷿، فذكر نحوه، وفيه قال:(أي ربّ! فأي عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يجد كلمةً تهديه إلى هُدى، أو تردُّه عن ردى.
قال: أي ربّ! فهل في الأرض أحدٌ أعلم مني؟قال: نعم الخضر، فسأل السبيل إلى لُقْيِهِ، فكان ما سنذكره بَعْدُ إن شاء اللّه وبه الثقة.
[ذكر حديث آخر في معنى ما ذكره ابن حبان]
قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يحيى بن إسحاق، حدّثتا ابن لَهِيْعة، عن درَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخُدْري، عن النبي ﷺ أنه قال: "إن موسى قال: أي ربّ عبدك المؤمن مُقَتَّرٌ عليه في الدُّنيا، قال فَفُتِحَ لَهُ باب من الجنة، فنظر إليها، قال:يا مُوسَى هذا ما أعْدَدْتُ لَهُ.
فَقالَ مُوْسَى: يا رَبِّ، وعِزَّتِكَ وَجَلالِكَ لو كَانَ مُقَطَّعَ اليَدَيْن والرِّجلَين، يُسْحَبُ على وجْهِه منْذُ يَوْم خَلَقْتَه إلى يومِ القيامةِ، وكانَ هذا مَصِيْره لَم يَرَ بُؤسًا قَطُّ.
قال: ثُمَّ قَال: أي ربِّ عَبْدك الكافِر مُوَسَّعٌ عَلَيْه في الدُّنيا.
قال: ففُتح له بابٌ إلى النارِ، فيقولُ: يا موسَى هذا ما أعْدَدْتُ لَه، فقال: أي ربّ وَعِزَّتِكَ وَجَلالِكَ لَوْ كانَتْ لَهُ
الدُّنْيا منذُ يَوْم خَلَقْتَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وكانَ هذا مَصِيْرهُ لَمْ يَرَ خَيْرًا قط".
تفرّد به أحمد من هذا الوجه وفي صحته نظر.
واللّه أعلم.
وقال ابن حبان ): ذِكْرُ سُؤالِ كليم اللّه ربّه جل وعلا أن يعلمه شيئًا يذكره به.
حدَّثنا ابن سلم حدّثنا حَرْملة بن يحيى، حدّثنا ابن وهْب، أخبرني عمرو بن الحارث أنَّ درَّاجًا حدَّثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ أنه قال:"قال مُوسَى: يا رَبِّ عَلِّمْني شَيْئًا أَذْكُركَ بهِ وَأَدْعُوْكَ بهِ.
قالَ:قُلْ يا مُوسى: لا إلهَ إلَّا اللّهُ.
قال يا رَبّ كُلُّ عِبادِكَ يقولُ هذا.
قالَ: قُلْ: لا إلهَ إلَّا اللّهُ.
قالَ: إنَّما أُرِيْدُ شَيْئًا تَخُصُّني بهِ.
قالَ يا مُوسَى لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمواتِ السَّبْعِ وَالأرَضِيْن السَّبْعِ في كِفَّةٍ، ولَا إلهَ إلّا اللّهُ في كِفَّةٍ مالَتْ بِهِمْ لا إلهَ إلّا اللّهُ".
ويشهد لهذا الحديث حديث البِطاقة ).
وأقرب شيءٍ إلى معناه الحديثُ المروي في السنن ) عن النبي ﷺ أنه قال: "أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ ما قُلْتُ أنا وَالنَّبيُّونَ مِنْ قَبْلي: لا إلهَ إلّا اللّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءِ قَدِيْر".
وقال ابن أبي حاتم عند تفسير آية
الكُرْسِي: حدّثنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدّثنا أحمد بن عبد الرحمن الدَّشْتكي (٢)، حدّثني أبي، عن أبيه، حدّثنا أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس أن بني إسرائيل قالوا لموسى: هل ينامُ رَبُّك؟ قال: اتقوا اللّه.
فناداه ربه ﷿: يا موسى سألوكَ هل ينامُ ربك، فخذ زُجاجتين في يديك، فَقُمِ الليلَ، ففعلَ موسى، فلما ذهب من الليل ثلثٌ نَعَسَ فوقع لركبتيه، ثم انتعش فَضَبَطَهما، حتى إذا كان آخر الليل نَعَسَ فسقطت الزجاجتان فانكسرتا.
فقال: يا موسى لو كنتُ أنامُ لسقطتِ السماواتُ والأرضُ فهلكن كما هلكتِ الزجاجتان في يديك.
قال وأنزل اللّه على رسوله آية الكرسي.
وقال ابن جرير: حدّثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدّثنا هشام بن يوسف، عن أمية بن شِبْل، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللّه ﷺيحكي عن موسى ﵇ على المنبر قال: وقَعَ في نَفْسِ مُوسى ﵇ هَلْ يَنَامُ اللّهُ ﷿، فأرْسَلَ اللّه ﷿ إليه مَلَكًا فَأرَّقَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ أَعْطَاهُ قَارُوْرَتَيْنِ في كُلِّ يَدٍ قارُوْرَةٌ، وأَمَرَهُ أَنْ يَحْتَفِظَ بِهِمَا،قالَ: فَجَعَلَ يَنَامُ وكادَت يَدَاهُ تَلْتَقِيان فَيَسْتَيْقِظ فَيَحْبِسُ إحْداهُما عَلى الأخْرى حَتَّى نامَ نَومَةً فاصطَفَقَتْ يَدَاهُ، فانْكَسَرَتِ القارُوْرَتان.
قالَ: ضَرَبَ اللّهُ لَهُ مَثَلًا أنْ لَوْ كَانَ يَنَامُ لَمْ يَسْتَمْسِك السَّماءُ والأَرْضُ.
وهذا حديث غريبٌ رفعه، والأشبه أن يكون موقوفًا، وأن يكون أصلُه إسرائيليًا.
وقال اللّه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٣، ٦٤].
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٧١] قال ابن عباس وغير واحد من السّلف: لما جاءهم موسى بالألواح فيها التوراة، أمرهم بقَبولها والأخذ بها بقوةٍ وعزم، فقالوا: انشرها علينا فإن كانت أوامرها ونواهيها سَهلةً قبلناها، فقال: بل اقبلوها بما فيها، فراجعوه مِرارًا، فأمر اللّه الملائكة فرفَعوا الجبلَ على رؤوسهم حتى صار ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ أي: غمامة على رؤوسهم، وقيل لهم: إن لم تقبلوها بما فيها وإلّا سقط هذا الجبل عليكم، فقبلوا ذلك، وأُمروا بالسجود فسجدوا، فجعلوا ينظرون إلى الجبل بشق وجوههم، فصارت سُنَّة لليهود إلى اليوم يقولون: لا سجدة أعظم من سجدةٍ رفعت عنا العذاب.
وقال سُنَيْد بن داود، عن حَجَّاج بن محمد، عن أبي بكر بن عبد اللّه قال: فلما نشرها لم يبق على وجه الأرض جبلٌ، ولا شجر ولا حجر إلا اهتز، فليس على وجه الأرض يهوديٌّ صغير ولا كبير تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونفض لها رأسه ).
قال اللّه تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: ثم بعد مشاهدة هذا الميثاق العظيم، والأمر الجسيم، نكثتم عهودكم ومواثيقكم ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ بأن تدارككم بالإرسال إليكم، وإنزال الكُتُبِ عليكم ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
* * *
(١) لحاء كل شجرة: قشرها.
(٢) الدشتكي: نسبة إلى دشتك: قرية بالري من بلاد فارس
مختارات

