قصة موسى عليه السلام (٨)
قصة بقرة بني إسرائيل.
قال اللّه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٦٧ - ٧٣].
قال ابن عباس وعَبِيدة السلماني وأبو العالية ومجاهد والسُّدّي، وغير واحد من السلف: كان رجل في بني إسرائيل كثير المال، وكان شيخًا كبيرًا، وله بَنو أخٍ، وكانوا يتمنَّوْن موته ليرثوه، فعمد أحدُهم فقتله في الليل، وطرحه في مجمع الطريق )، ويقال على باب رجل منهم، فلما أصبح الناس اختصموا فيه، وجاء ابن أخيه فجعل يصرخ ويتظلَّم، فقالوا:ما لكم تختصمون ولا تأتون نبيَّ اللّه، فجاء ابن أخيه،فشكى أمرَ عمه إلى رسول اللّه موسى ﷺ فقال موسى ﵇:أنشد اللّه رجلًا عنده عِلمٌ من أمر هذا القتيل إلا أعلمنا به، فلم يكن عند أحد منهم علمٌ منه، وسألوه أن يسأل في هذه القضية ربّه ﷿ فسأل ربه ﷿ في ذلك، فأمره اللّه تعالى أن يأمرهم بذبح بقرهّ، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ يعنون نحن نسألك عن أمر هذا القتيل، وأنت تقول لنا هذا.
﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أي: أعوذ باللّه أن أقول عنه غير ما أُوحيَ إليَّ.
وهذا هو الذي أجابني حين سألته عمَّا سألتموني عنه أن أسأله فيه.
قال ابن عباس وعَبِيدة ومجاهد وعكرمة والسدي وأبو العالية، وغير واحد: فلو أنّهم عَمدوا إلى أي بقرة فذبحوها لحصل المقصودُ منها، ولكنهم شددوا، فشدَّد عليهم.
وقد ورد فيه حديث مرفوع وفي إسناده ضعف، فسألوا عن صفتها، ثمّ عن لونها ثمّ عن سنّها، فأجيبوا بما عزّ وجودُه عليهم، وقد ذكرنا تفسير ذلك كلّه في "التفسير" والمقصود أنهم أُمروا بذبح بقرة عوان، وهي الوسط بين النصف الفارض وهي الكبيرة، والبكر وهي الصغيرة، قاله ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والحسن وقتادة وجماعة.
ثمّ شدّدوا وضيَّقوا على أنفسهم فسألوا عن لونها، فأُمروا بصفراء فاقعٌ لونها، أي مُشربٌ بحمرةٍ تسرُّ الناظرين.
وهذا اللون عزيز.
ثمّ شدّدوا أيضًا ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾.
ففي الحديث المرفوع الذي رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه: "لولا أن بني إسرائيل استثنوا لما أعطوا" وفي صحته نظر ).
واللّه أعلم.
﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ وهذه الصفات أضيق مما تقدم، حيث أمروا بذبح بقرة ليست بالذَّلول، وهي المذلّلة بالحراثة، وسقي الأرض بالسانية (١)، مسلّمة وهي الصحيحة التي لا عيب فيها، قاله أبو العالية وقتادة.
وقوله تعالى: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ أي: ليس فيها لون يخالف لونها، بل هي مسلَّمة من العيوب، ومن مخالطة سائر الألوان غير لونها، فلمّا حدّدها بهذه الصفات، وحصرها بهذه النعوت والأوصاف ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ ويقال: إنهم لم يجدوا هذه البقرة بهذه الصفات إلا عند رجلِ منهم كان بارًّا بأبيه، فطلبوها منه فأبى عليهم، فأرغبوه في ثمنها حتى أعطوه - فيما ذكره السُّدّي - بوزنها ذهبًا، فأبى عليهم، حتى أعطوه بوزنها عشر مرات فباعها منهم، فأمرهم نبي اللّه موسى بذبحها ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: وهم يتردَّدون في أمرها.
ثمّ أمرهم عن اللّه أن يضربوا ذلك القتيل ببعضها.
قيل:بلحم فخذها.
وقيل بالعظم الذي يلي الغُضْروف.
وقيل بالبضعة التي بين الكتفين، فلما ضربوه ببعضها أحياه الله تعالى فقام وهو تشخب أوداجه (٢) فسأله نبي اللّه: من قتلك؟ قال: قتلني ابن أخي.
ثمّ عاد ميتًا كما كان.
قال الله تعالى ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: كما شاهدتم إحياء هذا القتيلِ عن أمر اللّه له، كذلك أمره في سائر الموتى إذا شاء إحياءَهم أحياهم في ساعةٍ واحدة كما قال: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ الآية: [لقمان: ٢٨].
* * *
قِصّة موسى والخضر
قال اللّه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢)قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤)فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧)وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً ) بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٠ - ٨٢].
قال بعضُ أهل الكتاب: إن موسى هذا الذي رحل إلى الخضر هو موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن )إبراهيم الخليل، وتابعهم على ذلك بعض من يأخذ من صحفهم، وينقل عن كتبهم، منهم نوف بن فضالة الحميري الشامي البِكَالي.
ويقال: إنّه دمشقي، وكانت أمه زوجة كعب الأحبار.
والصحيح الذي دلَّ عليه ظاهر سياق القرآن، ونص الحديث الصحيح الصريح المتفق عليه، أنّه موسى بن عمران صاحب بني إسرائيل.
قال البخاري: حَدَّثَنَا الحميدي، حَدَّثَنَا سفيان، حَدَّثَنَا عمرو بن دينار، أخبرني سعيد بن جُبير قال: قلت لابن عباس: إن نوفًا البِكَالي يزعم أن موسى صاحب الخضر، ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل.
قال ابن عباس:كذب عدو اللّه.
حَدَّثَنَا أُبَي بن كعب أنه سمعِ رسول الله ﷺ يقُول: "إنَّ مُوْسَى قامَ خَطِيْبًا في بَني إسْرَائِيْل فَسُئِلَ: أيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أنا.
فعَتِبَ اللّهُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْه، فأوَحْى اللّهُ إلَيْه: إنَّ لي عَبْدًا بِمَجمَعٍ البَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ.
قالَ موسَى: يا رَبِّ وَكَيْفَ لي بهِ؟ قالَ: تَأخُذُ مَعَكَ حُوْتًا فَتَجْعَلُهُ بِمِكْتَلٍ (٣) فحَيثما فَقَدْتَ الحوتَ فَهُوَ ثَمَّ.
فأَخَذَ حُوتًا فَجَعلَه بِمِكْتَلٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ يُوْشَعُ بنُ نُونٍ حَتّى إذا أَتَيا الصَّخْرَةَ وَضَعا رُؤُوسهما فَناما، واضْطَرَبَ الحوتُ في المِكْتَلِ، فَخَرَجَ مِنْهُ فَسَقَطَ في البَحْرِ وَاتّخذَ سَبِيْلَه في البَحْرِ سَرَبًا.
وأمْسَكَ اللّهُ عَنِ الحوتِ جرية الماءَ فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْل الطاقِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صاحِبُهُ أَنْ يُخْبِرَهُ بالحوتِ فانْطَلَقا بَقِيَّة يَوْمِهِما وَلَيْلَتهما حَتّى إذا كانَ مِنَ الغَدِ ﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ وَلَمْ يَجِدْ مُوْسَى النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ المَكانَ الذي أَمَرهُ اللهُ بِهِ ﴿قَالَ﴾ له فتاه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ قال: فكان للحوت سَرَبًا ولموسى ولفتاه عجبًا ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ قال: فرجعا يقصان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجلٌ مُسَجًى بثوب، فسلّم عليه موسى، فقال الخضر: وأنَّى بأرضك السلامُ.
قال: أنا موسى.
قال: موسى بني إسرائيل؛ قال: نعم، أتيتك لتعلمني مما عُلّمت رُشْدًا ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ يا موسى إني على علم من علم الله علَّمنيه اللهُ لا تعلمه أنتَ، وأنتَ على علم من علم الله علَّمَكه الله لا أعلمه، فقال موسى ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾.
قال له الخضر: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)فَانْطَلَقَا﴾ يمشيان على ساحل البحر، فمرت سفينةٌ فكلّمهم أن يحملوهم، فعرَفَوا الخضر، فحملوهم بغير نَوْل.
فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحًا من ألواح السفينة بالقَدُوم.
فقال له موسى: قوم حملونا بغير نَوْل عمدت إلى سفينتهم فخرقتها ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ قال: وقال رسول الله ﷺ "وكانتِ الأولى مِنْ مُوسى نسيانًا، قال وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر: ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر.
ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل إذ بصر الخضر غلامًا يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده فقتله، فقال له موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ
لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ قال: وهذه أشد من الأولى ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ قال: مائل، فقال الخضر بيده ﴿فَأَقَامَهُ﴾ فقال موسى: قومٌ أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ قال رسول اللّه ﷺ "ودِدْنا أَنَّ مُوْسَى كانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ اللّه عَلَيْنا مِنْ خَبَرِهِما".
قال سعيد بن جبير فكان ابن عباس يقرأ: وكان أمامهم مَلِك يأخذ كلّ سفينةٍ صالحةٍ غصبًا، وكان يفرأ: وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين.
ثم رواه البخاري أيضًا عن قُتيبة، عن سُفيان بن عُيَيْنة بإسناده، نحوه.
وفيه: فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نون، ومعهما الحوت حتى انتهيا إلى الصخرة، فنزلا عندها، قال:فوضع موسى رأسه فنام، قال سفيان: وفى حديث غير عَمرو قال: وفي أصل الصخرة عين يقال لها: الحياة، لا يصيب من مائها شيءٌ إلا حيي، فأصاب الحوت من ماء تلك العين،قال: فتحرّك وانْسَلَّ من المِكتل، ودخل البحرَ، فلما استيقظ ﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا﴾ وساق الحديث وقال: ووقع عصفور على حرف السفينة، فغمس منقاره في البحر، فقال الخضر لموسى: ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم اللّه إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره.
وذكر تمام الحديث.
وقال البخاري: حدّثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف أن ابن جُريج أخبرهم قال: أخبرني يعلى بن مسلم، وعمرو بن دينار، عن سعيد بن جُبير يزيد أحدهما على صاحبه، وغيرهما قد سمعته يحدثه عن سعيد بن جبير قال:إنا لَعند ابن عباس في بيته إذ قال: سَلوني، فقلت: أي أبا عباس - جعلني الله فداك - بالكوفة رجل قاصٌّ يقال له:نوف، يزعم أنّه ليس هو نبي بني إسرائيل، أما عمرو فمّال لي: قال: كذب عدوُّ الله.
وأمّا يعلى فقال لي: قال ابن عباس: حدّثنى أُبَي بن كعب قال: قال رسول اللّه ﷺ: مُوسى رسول اللّه ذَكَّرَ الناسَ يومًا حتى إذا فاضت العيونُ، ورقَّت القلوبُ، ولَّى فأدركه رَجُل، فقال: أي رسول اللّه هل في الأرض رجل أعلم منك؟ قال: لا، فَعَتِبَ اللهُ عَلَيْه إذْ لَمْ يَرُدَّ العلْم إلى الله.
قيل: بلى.
قال: أي ربّ فأين؟ قالَ: بِمَجْمَع البَحْرَين.
قالَ أي رَبّ إجْعَل لي علمًا أعلم ذلك به.
قال:قال لي عمرو: حيث يفارقك الحوت.
ودال لي يعلى: خذ حوتًا ميتًا حيث ينفخ فيه
الروح، فأخذ حوتًا فجعله في مِكتل فقال لفتاه: لا أُكلّفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، قال: ما كلفتَ كبيرًا،فذلك قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ يوشع بن نون.
ليست عن سعيد بن جبير.
قال: فبينما هو في ظلّ صخرةٍ في مكان ثَرْيَان إذ تَضَرَّب (٤) الحوت، وموسى نائم، فقال فتاه: لا أُوقظه، حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره، وتضرّب الحوت حتى دخل البحر فأمسك اللّه عنه جرية البحر حتى كأن أثره في حجر، قال: فقال لي عمرو: هكذا كان أثره في حجر، وحلَّق بين إبهاميه واللتين تليان.
﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾.
وقد قطع اللّه عنك النصب.
ليست هذه عن سعيد.
أخبره، فرجعا فوجدا خضرًا قال: قال عثمان بن أبي سليمان على طنفسة (٥) خَضْراء على كبد البحر.
قال سعيد: مُسجًى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه، فسلّم عليه موسى، فكشف عن وجهه وقال:هل بأرضٍ من سلام؟ من أنت؟ قال: أنا موسى.
قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم.
قال: فما شأنك؟ قال: جئتك ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ قال: أما يكفيك أنّ التوراة بيديك، وأنّ الوحي يأتيك، يا موسى إن لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه، فأخذ طائرٌ بمنقاره من البحر، فقال: واللّه ما علمي وعلمك في جَنْب علم اللّه إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر.
﴿حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ﴾ وجدا معابر صغارًا تحمل أهل الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر، عرفوه فقالوا: عبد اللّه الصالح.
قال: فقلنا لسعيد: خضر؟ قال: نعم.
لا نحمله بأجر.
فـ ﴿خَرَقَهَا﴾ ووتّد فيها وَتَدًا ﴿قَالَ﴾ موسى ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ قال مجاهد:منكرًا، ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾.
كانت الأولى نسيانًا، والوسطى شرطًا، والثالثة عمدًا.
﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾ قال يعلى: قال سعيد: وجد غلمانًا يلعبون، فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا، فأضجعه، ثمّ ذبحه بالسكين.
﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ تعمل بالخبث.
ابن عباس قرأها ﴿زَكِيَّةً﴾ زاكية مسلمة كقولك: غلامًا زكيًا.
﴿فَانْطَلَقَا … فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ قال بيده هكذا ورفع يده فاستقام،قال يعلى: حسبت أن سعيدًا قال: فمسحه بيده فاستقام.
﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾.
قال سعيد: أجرًا نأكله.
﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾.
وكان أمامهم، قرأها ابن عباس أمامهم ﴿مَلِكٌ﴾ يزعمون عن غير سعيد أنّه هدد بن بدد، والغلام المقتول [اسمه] يزعمون جيسور.
﴿مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ فإذا هي
مرّت به يدعها بعيبها، فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها.
منهم من يقول: سدُّوها بقارورة، ومنهم من يقول: بالقار.
﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ وكان كافرًا ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ أي: يحملهما حُبُّه على أن يتابعاه على دينه ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ لقوله: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾.
﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ هما به أرحم منهما بالأول الذي قتل خضر.
وزعم غير سعيد بن جبير أنهما أبدلا جاريةً.
وأما داود ) بن أبي عاصم فقال عن غير واحد: إنها جارية.
وقد رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: خطب موسى بني إسرائيل فقال: ما أحدٌ أعلم باللّه وبأمره مني، فأُمِرَ أن يلقى هذا الرجل.
فذكر نحو ما تقدّم.
وهكذا رواه محمد بن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن الحَكَم بن عُتَيْبَة، عن سعيد بن جبير، عن أُبي بن كعب، عن رسول اللّه ﷺكنحو ما تقدم أيضًا.
ورواه العَوْفي عنه موقوفًا.
وقال الزهري عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة، عن ابن عباس أنه تمارى هو والحرُّ بن قيس بن حصن الفزازي في صاحب موسى، فقال ابن عباس: هو خضرٌ، فمر بهما أُبي بن كعب؟ فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لُقْيِهِ، فهل سمعت من رسول اللّه فيه شيئًا؟ قال: نعم.
وذكر الحديث.
وقد تقصَّينا طُرق هذا الحديث، وألفاظه في تفسير سورة الكهف وللّه الحمد.
وقو له: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ قال السُّهَيلي: وهما أصرم وصريم ابنا كاشح.
﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ قيل: كان ذهبًا، قاله عكرمة، وقيل: علمًا، قاله ابن عباس.
والأشبه أنّه كان لوحًا من ذهب مكتوبًا فيه علم.
قال البزَّار حَدَّثَنَا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حَدَّثَنَا بِشْر بن المنذر، حَدَّثَنَا الحارث بن عبد اللّه اليَحْصُبي (٦)، عن عيّاش بن عباس القتباني، عن ابن حُجَيرة عن
أبي ذر رَفَعه قال: إن الكَنْز الذي ذَكَرَ اللّهُ في كتابه لوح من ذهب مصمت، عجبت لمن أيقن بالقدر كيف نصب ؛ وعجبت لمن ذكر النار ثم ضحك، وعجبت لمن ذكر الموت كيف غفل، لا إله إلا اللّه.
وهكذا روي عن الحسن البصري وعمر مولى غفرة، وجعفر الصادق نحو هذا.
وقوله: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ وقد قيل: إنه كان الأب السابع، وقيل: العاشر.
وعلى كلّ تقدير فيه دلالة على أن الرجل الصالح يُحفظ في ذريته، فاللّه المستعان.
وقوله: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ دليلٌ على أنّه كان نبيًا، وأنّه ما فعل شيئًا من تلقاء نفسه، بل بأمر ربّه، فهو نبي، وقيل:رسول، وقيل: وليٌّ.
وأغرب من هذا من قال: كان ملكًا واللّه أعلم.
ذكر الحديث الملقب بحديث الفُتُوْن المتضمّن قصّة موسى مبسوطة من أوّلها إلى آخرها )
قال الإمام أبو عبد الرحمن النَّسائي في كتاب التفسير من "سننه" عند قوله تعالى في سورة طه ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠]: (حديث الفتون):
أخبرنا عبد اللّه بن محمد، حَدَّثَنَا يزيد بن هارون، أخبرنا أصْبَغ بن زيد )، حَدَّثَنَا القاسم بن أبي أيوب، أخبرني سعيد بن جُبير قال: سألت عبد اللّه بن عباس عن قوله تعالى لموسى ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ فسألته عن الفتون ما هو؟فقال: استأنفِ النهارَ يا بنَ جُبير، فإن لهذا حديثًا طويلًا،فلما أصبحتُ غدوتُ إلى ابن عباس لأِنْتَجِزَ منه ما وعدني من حديث الفُتون فقال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان اللّه وَعَدَ إبراهيم ﵇ أن يجعل في ذُرّيَته أنبياءَ وملوكًا، فقال بعضهم: إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك ما يشكُّون فيه، وكانوا يظنُّون أنه يوسف بن يعقوب، فلما هلَكَ قالوا: ليس هكذا وعد إبراهيم.
فقال فرعون: فكيف تَرَون؟ فأتَمَرُوا وأجْمعوا أمرَهم على أن يبعث رجالًا معهم الشِّفارُ (٧)يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولودًا ذكرًا إلّا ذبحوه، ففعلوا ذلك.
فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم والصغارَ يُذبحون، قالوا: توشكون أن تفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخِدْمة الذي كانوا يكفونكم، فاقْتُلوا عامًا كلَّ مولود ذكر، فيقل أبناؤهم )، ودعوا عامًا فلا تقتلوا منهم أحدًا، فيشبّ الصغار مكان من يموت من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون عنهم فتخافوا مكاثرتهم إيّاكم، ولن يفنوا )بمن تقتلون وتحتاجون إليهم، فأجمعوا أمرهم على ذلك.
فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا تقتل فيه الغلمان، فولدته علانيةً آمنةً.
فلما كان من قابل حملت بموسى ﵇ فوقع في قلبها الهمُّ والحزَن، وذلك من الفتون يا ابن جبير، ما دخل عليه في
بطن أمّه مما يراد به فأوحى اللّه إليها أن ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوتٍ، وتلقيه في اليمِّ، فلما ولدت فعلت ذلك، فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطان فقالت في نفسها: ما فعلت بابني؟ لو ذُبح عندي فواريتُه، وكفَّنتُه كان أحبَّ إليَّ من أن ألقيه إلى دوابّ البحر وحيتانه.
فانتهى الماء به حتى أوفى عند فرضةٍ تستقي منها جواري امرأة فرعون، فلما رأينَه أخذنه فهممن أن يفتحن التابوت،فقال بعضهن: إن في هذا مالًا وإنا إن فتحناه لم تصدِّقْنا امرأةُ الملك بما وجدنا فيه، فحملنه كهيئته لم يُخرجن منه شيئًا حتى دفعنه إليها، فلما فتحته رأت فيه غلامًا، فألقى عليه منها محبةً لم يلق منها على أحد قط ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [القصص: ١٠] من ذكر كلِّ شيءٍ إلّا من ذكر موسى.
فلما سمع الذَّبَّاحون بأمره أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن جبير، فقالت لهم: أقرُّوه فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل حتى آتي فرعون فأستوهبه منه، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألُمكم، فأتت فرعون فقالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ [القصص: ٩] فقال فرعون: يكون لك، فأمّا لي فلا حاجة لي فيه.
فقال رسول اللّه ﷺ: "وَالّذي يُحْلَفُ بِهِ لَوْ أَقَرَّ فِرْعَوْنُ أنْ يَكُوْنَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَهُ كَما أَقَرَّتِ امْرأَتُهُ لَهَدَاهُ اللّهُ كَمَا هَدَاها، ولَكِنْ حَرَمَهُ ذلكَ" ) فأرسلت إلى مَن حولها، إلى كلِّ امرأة لها لبن تختار ظِئْرًا فجعل كلّما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يُقْبِل على ثديها، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فأحزنها ذلك، فأمرت به فأُخرج إلى السوق ومجمع الناس، ترجو أن تجد له ظِئرًا تأخذه منها فلم يقبل، وأصبحت أمّ موسى والهًا، فقالت لأخته قصِّي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذِكرًا أحيّ ابني أم قد أكلته الدواب، ونسيت ما كان اللّه وعدها فيه ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ أخته ﴿عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١] والجنب: أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيدٍ وهو إلى جنبه لا يشعر به، فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤرات: أنا ﴿أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢] فقالوا ما يدريك ما نصحهم هل يعرفونه؟ حتى شَكّوا في ذلك، وذلك من الفتون يا ابن جبير.
فقالت: نصحهم له، وشفقتهم عليه، ورغبتهم في صهر الملك، ورجاء منفعة الملك، فأرسلوها، فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر، فجاءت أمّه فلما وضعته في حجرها نزا
(٨) إلى ثديها فمصة ) حتى امتلأ جنباه ريًا.
(١) السانية: الدلو الكبير يُستقى بها.
(٢) الأوداج: عروق في العنق.
وقد ساق المؤلف في تفسيره
(٣) المكتل: الزنبيل الذي يعمل من الخوص.
(٤) ثريان: مبلول.
وتَضَرَّب، تَحرَّكَ وسار في الأرض.
(٥) الطنفسة: البساط.
(٦) اليَحصِبي، بفتح الياء وسكون الحاء، وكسر الصاد المهملة، وقل: بضمها: نسبة إلى يحصب: قبيلة من حِمْيَر.
(٧) الشفار: جمع شفرة، وهي السِّكين العظيم، وحدُّ السيف
(٨) نزا: وثب.
مختارات

