قصة مدين قوم شعيب (٢)
وقولهم: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١] وهذا من كُفْرهم البليغ وعنادهم الشنيع، حيث قالوا: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ أي: ما نفهمه ولا نتعقَّله، لأنا لا نُحبُّه ولا نُريده، وليس لنا همَّةٌ إليه، ولا إقبال عليه،وهو كما قال كفَّارُ قريش لرسول اللّه ﷺ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت: ٥] وقولهم: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ [هود: ٩١] أي: مُضْطهدًا مهجورًا ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ﴾ أي: قبيلتُك وعشيرتُك فينا ﴿لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [هود: ٩١، ٩٢] أي: تخافونَ قبيلتي وعشيرتي، وتراعوني بسببهم ولا تخافونَ جَنَبة (١) اللّه، ولا تراعوني لأني رسول اللّه، فصارَ رهطي أعزّ عليكم من اللّه:﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢] أي: جعلتم جانب اللّه وراءَ ظهوركم ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [هود: ٩٢] أي: هو عليمٌ بما تعملونَه وما تصنعونه، محيطٌ بذلك كله، وسيجزيكم عليه يوم تُرجعون إليه ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ [هود: ٩٣] وهذا أمر تهديد شديد ووعيدٍ أكيد، بأن يستمروا على طريقتهم ومنهجِهم وشاكلتِهم، فسوفَ تعلمونَ من تكونُ له عاقبةُ الدار، ومن يحلّ عليه الهلاك والبَوَار ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي: في هذه الحياة الدنيا ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أي: في الأخرى ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ أي: مني ومنكم فيما أخبر وبشَّر وحذَّر ﴿وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ [هود: ٩٣] وهذا كقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧].
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٨، ٨٩].
طلبوا بزعمهم أن يردُّوا من آمن منهم إلى ملَّتهم، فانتصب شعيب للمحاجَّة عن قومه فقال:﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ أي: هؤلاء لا يعودونَ إليكم اختيارًا وإنما يعودونَ إليه إن عادُوا اضْطرارًا مُكرمينَ، وذلك لأن الإيمان إذا خالطتْه بشاشةُ القلوبِ لا يسخطُه أحدٌ، ولا يرتدُّ أحدٌ عنه، ولا محيدَ لأحد منه.
ولهذا قال: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الأعراف: ٨٩] أي: فهو كافينا وهو العاصمُ لنا وإليه مَلْجَؤُنا في جميع أمرنا.
ثم استفتحَ على قومِه واستنصرَ ربَّه عليهم في تعجيل ما يستحقونه إليهم، فقال: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩] أي: الحاكمين.
فدعا عليهم، واللّه لا يردُّ دعاء رسلِه
إذا استنصروه على الذين جَحدُوه وكفَروه، ورسوله خالفوه،ومع هذا صَمَّمُوا على ما هم عليه مشتملون ويه مُتلبِّسونَ:﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٠].
قال اللّه تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٩١] ذكر في سورة الأعراف أنهم أخذتهم رجفة، أي: رجفت بهم أرضهم، وزُلزلت زلزالًا شديدًا أزهقتْ أرواحَهم من أجسادها، وصَيَّرت حيواناتِ أرضهم كجمادِها، وأصبحت جُثثُهم جاثيةً لا أرواحَ فيها، ولا حركات بها، ولا حوَّاس لها.
وقد جمعَ اللّه عليهم أنواعًا من العقوبات، وصنوفًا من المثلات، وأشكالًا من البَليَّاتِ، وذلك لما اتَّصفُوا به من قبيح الصِّفاتِ، سَلَّطَ اللّه عليهم رجفةً شديدةً، أسكنتِ الحركاتِ، وصيحةً عظيمة أخمدتِ الأصواتَ، وظُلَّة أُرسلَ عليهم منها شررُ النَّارِ من سائر أرجائِها والجهات.
ولكئه تعالى أخبرَ عنهم في كلِّ سورة بما يُناسب سياقها ويُوافق طباقها، في سياق قصَّة الأعراف أرجفوا نبيَّ اللّه وأصحابه، وتوعَّدُوهم بالإخراج من قريتهم، أو ليعودُنَّ في مِلَّتهم راجعين، فقال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٩١] فقابلَ الإرجاف بالرجفة والإخافة بالخيفة، وهذا مناسبٌ لهذا السياق، ومُتعلِّق بما تقدَّمه من السياق.
وأما في سورة هود: فذكرَ أنَّهم أخذتْهم الصَّيْحةُ فأصبحوا في ديارهم جاثمين، وذلك لأنهم قالوا لنبي اللّه على سبيل التَّهَكُّم والاستهزاء والتنقُّص: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] فناسبَ أنْ يذكرَ الصيحةَ التي هي كالزجر عن تعاطي هذا الكلام القبيح الذي واجهوا به هذا الرسولَ الكريم الأمين الفصيحَ، فجاءتهم صيحةٌ أسْكَتَتْهُمْ مع رجفةٍ أسْكنتْهُم.
وأما في سورة الشعراء: فذكرَ أنه أخذَهم عذابُ يومِ الظُّلَّة، وكان ذلك إجابةً لما طَلبُوا، وتقريبًا إلى ما إليه رغبوا.
فإنهم قالوا: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٨٥ - ١٨٨] قال اللّه تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] ومن زعمَ من المفسرين، كقتادة وغيره: أن أصحابَ الأيكة أُمة أخرى غير أهل مَدْين، فقوله ضعيف.
وإنَّما عمدتهم شيئان: أحدهما: أنه قال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء: ١٧٦، ١٧٧] ولم يقل أخوهم، كما قال ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥] والثاني: أنه ذكرَ عذابَهم بيوم الظُّلة، وذكر في أولئك الرجفة أو الصيحة.
والجواب عن الأول: أنه لم يذكر الأخوة بعد قوله: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦]
لأنه وصفَهم بعبادة الأيكة، فلا يُناسبُ ذكرَ الأخوة هاهنا، ولمَّا نسبَهم إلى القبيلة شاعَ ذكرُ شعيب بأنَّه أخوهم.
وهذا الفرقُ من النفائس اللَّطيفةِ العزيزة الشريفة.
وأما احتجاجُهم بيوم الظُلَّةِ فإن كان دليلًا بمجرَّده على أن هؤلاء أُمة أخرى، فليكن تعداد الانتقام بالرجفة والصيحة دليلًا على أنهما أُمتان أخريان [وهذا لا يقولُه أحدٌ يفهم شيئًا من هذا الشأن] ).
فأما الحديثُ الذي أوردَه الحافظُ ابنُ عساكر في ترجمة النبيِّ شعيب ﵇ ): من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن أبيه، عن معاوية بن هشام، عن هشام بن سعد، عن شقيق بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف، عن عبد الله بن عمرو، مرفوعًا: "إن قومَ مدين وأصحابَ الأيكةِ أَمَّتان، بعثَ الله إليهما شعيبًا النبيَّ ﵇".
فإنَّه حديثٌ غريبٌ، وفي رجاله من تكلِّم فيه، والأشبهُ أنَّه كلام عبد اللّه بن عمرو، مما أصابَه يوم اليرموك من تلك الزاملتين من أخبار بني إسرائيل، واللّه أعلم.
ثم قد ذكرَ الله عن أهل الأيْكة من المذمَّة ما ذكرَه عن أهل مدينَ من التطفيف في المِكيال والميزان، فدل على أنهم أُمة واحدة أُهلكوا بأنواعٍ من العذاب.
وذَكرَ في كل موضعٍ ما يُناسب من الخطاب.
وقوله ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩]، ذكروا أنَّهم أصابَهم حرٌّ شديد، وأسكنَ الله هبوبَ الهواء عنهم سبعة أيام، فكان لا ينفعُهم مع ذلك ماءٌ ولا ظِلٌّ، ولا دخولهم في الأسراب، فهربوا من محلَّتهم إلى البرِّيَّة، فأظلَّتهم سحابة، فاجتمعُوا تحتَها ليستظِلُّوا بظِلِّها، فلما تكاملوا فيه أرسلَها الله ترميهم بشررٍ وشُهُب، ورجفتْ بهم الأرضُ، وجاءتْهم صيحةٌ من السماء، فأزهقتِ الأرواحَ، وخرَّبت الأشباح، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩١، ٩٢] ونجَّى اللهُ شعيبًا ومن معه من المؤمنين، كما قال تعالى - وهو أصدق القائلين -: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٩٤، ٩٥].
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٠ - ٩٢] وهذا في مقابلة قولهم: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٠] ثم ذكر تعالى عن نبيِّهم أنه نعاهم إلى أنفسهم مُوبِّخًا ومُؤنِّبًا ومُقرِّعًا، فقال تعالى: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ
فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٣] أي: أعرضْ عنهم مُولّيًا عن محلَّتهم بعد هلكتهم قائلًا: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٩٣]أي: قد أدَّيْتُ ما كان واجبًا عليّ من البلاغ التامِّ والنُّصْح الكامل، وحرصتُ على هدايتكم بكلِّ ما أقدرُ عليه، وأتوصّل إليه، فلم ينفعْكم ذلك، لأن الله لا يهدي منْ يُضلُّ، وما لهم من ناصرين، فلستُ أتأسَّف بعد هذا عليكم، لأنكم لم تكونوا تقبلونَ النصيحةَ، ولا تخافونَ يومَ الفضيحة، ولهذا قال: ﴿فَكَيْفَ آسَى﴾ أي: أحزن ﴿عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ أي: لا تقبلون الحقَّ ولا ترجعون إليه، ولا تلتفتونَ، فحلَّ بهم من بأسِ اللّه الذي لا يُردُّ ما لا يُدافَعُ ولا يُمانَعُ، ولا محيد لأحدٍ أريد به عنه ولا مناص ) منه.
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه ): عن ابن عباس؛ أن شعيبًا ﵇ كان بعد يوسف ﵇.
وعن وَهْب بن مُنَبِّه ) أنَّ شُعيبًا ﵇ ماتَ بمكَّة ومنْ معه من المؤمنينَ، وقبورهم غربيّ الكعبة بين دار النَّدْوة ودار بني سَهْم.
* * *
باب ذكر ذريّة إبراهيم ﵊
قد قدَّمنا قصَّته مع قومه وما كان من
أمرهم، وما آلَ إليه أمره ﵇ والتحيَّة والإكرام، وذكرنا ما وقعَ في زمانهِ من قصَّة قوم لوط، وأتبعنا ذلك بقصَّة مدينَ قوم شعيب ﵇؛ لأنها قرينتها في كتاب اللّه ﷿ في مواضعَ مُتعدِّدة، فذكرَ تعالى بعدَ قِضَة قومِ لوط قصَّة مدينَ، وهم أصحابُ الأيكة على الصحيح، كما قدَّمنا، فذكرناها تبعًا لها اقتداء بالقرآن العظيم.
ثم نشرعُ الآن في الكلام على تفضيل ذرِّيَّة إبراهيم ﵇، لأنَّ اللّه جعلَ في ذريَّته النبوةَ والكتابَ، فكلُّ نبيٍّ أُرسلَ بعدَه فمن وَلَده.
(١) جَنبة: جانب الشيء وناحيته.
وفي المطبوع: جَنْب.
مختارات

