قصة إبراهيم عليه السلام (٢)
لينصروا ما هم عليه من سَفَههم وطُغيانهم، فكادَهم الربُّ ﷻ، وأعلى كلمته ودينه وبرهانَه، كما قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨ - ٧٠].
وذلك أنَّهم شرعوا يجمعون حَطبًا من جميع ما يمكنهم من الأماكن، فمكثُوا مدَّة يجمعون له، حتى أن المرأة منهم كان إذا مرضت تنذرُ لئن عُوفيت لتحملنَّ حطبًا لحريق إبراهيم.
ثم عمدوا إلى جَوْبةً (١) عظيمةً، فوضعوا فيها ذلك الحطبَ، وأطلقوا فيه النَّار، فاضْطَرمتْ وتأجَّجتْ والتهبتْ، وعلا لها شَرَرٌ لم يُرَ مثله قط.
ثم وضعوا إبراهيمَ ﵇ في كِفَّة مَنْجنيق (٢)، صنعَه لهم رجلٌ من الأكراد ()، ويُقال له: "هيزن"، وكان أَوَّلَ من صنعَ المجانيقَ، فخسفَ الله به الأرضَ فهو يتجلجلُ (٣) فيها إلى يوم القيامة.
ثم أخذوا يُقيِّدونه ويُكَتِّفُونهُ، وهو يقول: لا إله إلا أنت سبحانك، لك الحمد، ولك الملك، لا شريكَ لك.
فلما وُضعَ الخليلُ ﵇ في كِفَّة المَنْجنيق مُقيَّدًا مكتوفًا، ثم ألقَوه منه إلى النار، قال: حسبنا الله ونعم الوكيل.
كما روى البخاريُّ ): عن ابن عباس: أنه قال: حسبُنا اللّه ونعمَ الوكيل، قالها إبراهيمُ حين أُلقيَ في النَّار، وقالها محمَّد حين قيل له ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٣، ١٧٤]الآية.
وقال أبو يعلى: حَدَّثَنَا أبو هشام الرفاعي، حَدَّثَنَا إسحاق بن سليمان، عن أبي جعفر الرازي، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال ﷺ: "لما ألقي إبراهيمُ في النَّار قال: اللَّهُمَّ إنك في السماء واحدٌ، وأنا في الأرض واحدٌ، أعبدُك".
وذكر بعضُ السَّلف: أنَّ جبريل عرضَ له في الهواء، فقال:ألك حاجة؟ فقال: أمَّا إليكَ فلا.
ويُروى عن ابن عبَّاس وسعيد بن جُبَيْر: أنَّه قال: جعل ملَكُ المَطر يقولُ: متى أُومرُ فأُرسِلُ المَطَرَ؟ فكانَ أمرُ اللّه أسرع (.
﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]قال عليُّ بن أبي طالب: أي: لا تضرّيه ).
وقال ابن عباس وأبو العالية: لولا أن اللّه قال ﴿وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ لأذى إبراهيم بردُها.
وقال كعبُ الأحبار: لم ينتفعْ أهلُ الأرض يومئذٍ بنارٍ، ولم يُحْرقْ منه سوى وَثَاقه ).
وقال الضحاك: يروى أنَّ جبريل ﵇ كان معه يمسحُ العرقَ عن وجههِ لم يصبْه منها شيءٌ غيره ).
وقال السُّدّي: كان معه أيضًا مَلَكُ الظِّل ).
وصارَ إبراهيمُ ﵇ في مثل الجُوبة حولَه النار، وهو في روضةٍ خضراءَ، والنَّاسُ ينظرون إليه لا يَقْدرونَ إلى الوصول إليه، ولا هو يخرجُ إليهم، فعن أبي هريرة أنه قال: أحسنُ كلمةٍ قالها أبو إبراهيم إذ قال لما رأى ولده على تلك الحال: نعمَ الربُّ ربُّك يا إبراهيمَ ).
وروى ابن عساكر عن عكرمة، أنَّ أمَّ إبراهيم نظرتْ إلى ابنها ﵇، فنادته: يا بُنيَّ إنِّي أُريد أن أجيءَ إليكَ، فادعُ اللّهَ أنْ يُنجيَني من حرِّ النَّارِ حولك.
فقال: نعم، فأقبلتْ إليه لا يمسُّها شيءٌ من حرِّ النَّار، فلما وصلتْ إليه اعتنقتْه وقبَّلته، ثم عادت.
وعن المِنْهال بن عمرو أنَّه قال: أخبرتُ أنَّ إبراهيم مكثَ هناكَ إمَّا أربعين وإما خمسينَ يومًا، وأنَّه قال: ما كنتُ أيامًا ولياليَ أطيبَ عيشًا، إذ كنتُ فيها، وددتُ أنَّ عيشي وحياتي كلَّها مثل إذ كنت فيها )، صلوات اللّه وسلامه عليه.
فأرادوا أن ينتصروا فخذلُوا، وأرادوا أن يرتفعوا فاتَّضعُوا، وأرادوا أن يَغْلبُوا فغُلبوا.
قال اللّه تعالى: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٠] وفي الآية الأخرى ﴿الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٩٨]
ففازوا بالخسارة والسفال هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فإن نارهم لا تكون عليهم بردًا ولا سلامًا، ولا يلقون فيها تحية ولا سلامًا بل هي كما قال تعالى: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦].
قال البخاري ): حَدَّثَنَا عبدُ اللّه بن موسى - أو ابنُ سلام عنه - أنبأنا ابنُ جريج، عن عبدِ الحميدِ بن جُبَيْر، عن سعيدِ بن المُسَيِّب، عن أُمِّ شُرَيْك؛ أنَّ رسولَ اللّه ﷺ أمرَ بقتل الوَزَغِ، وقال: "كانَ ينفخُ على إبراهيم ﵇".
ورواه مسلم ): من حديث ابن جُرَيْج.
وأخرجاه، والنسائي، وابن ماجة ): من حديث سُفيان بن عُيَيْنة، كلاهما عن عبد الحميد بن جُبَيْر بن شَيْبَة به.
وقال أحمد ): حَدَّثَنَا محمَّدُ بن بَكْر، حَدَّثَنَا ابن جُرَيْج، أخبرني عبدُ الله بن عبد الرحمن بن أبي أُميَّة، أن نافعًا مولى ابن عمر أخبرَه، أنَّ عائشةَ أخبرته، أنَّ رسول الله ﷺ قال:"اقتلُوا الوَزغَ، فإنَّه كانَ ينفخُ النَّارَ على إبراهيم".
قال: فكانتْ عائشةُ تقتلُهنَّ.
وقال أحمد ): حَدَّثَنَا إسماعيلُ، حَدَّثَنَا أيُّوب، عن نافع؛ أنَّ امرأةً دخلتْ على عائشةَ، فإذا رمحٌ منصوبٌ، فقالت: ما هذا الرُّمحُ؟ فقالت: نقتلُ به الأوزاغ.
ثمَّ حدَّثتْ عن رسول الله ﷺ أن إبراهيمَ لما أُلقي في النَّار، جعلتِ الدوابُّ كُلّها تُطفئ عنه إلا الوَزَغ، فإنَّه جعلَ ينفخُها عليه.
تفرَّد به أحمدُ من هذين الوجهين.
وقال أحمد ): حَدَّثَنَا عفان، حَدَّثَنَا جريرُ، حَدَّثَنَا نافعُ، حدَّثتني سائبة ) - مولاة الفاكِه بن المغيرة - قالت:دخلتُ على عائشةَ فرأيتُ في بيتها رُمحًا موضوعًا، فقلت: يا أُمَّ المؤمنينَ ما تصنعينَ بهذا الرُّمْحِ؟ قالت: هذا لهذه الأوزاغِ نقتلُهن به، فإنَّ رسولَ الله ﷺ حَدَّثَنَا أنَّ إبراهيمَ حين أُلقيَ في النَّار، لم يكنْ في الأرض دَابَّةٌ إلا تُطفئُ عنه النَّار، غيرَ الوَزغ كانَ ينفخُ عليه، فأمرنا رسولُ الله ﷺبقتله.
ورواه ابن ماجة ): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يونس بن محمد، عن جرير بن حازم، به.
* * *
ذكرُ مناظرة إبراهيم الخليل مع مَنْ أَرادَ أَنْ يُنازعَ العظيمَ الجليلَ في إزار العظمة ورداء الكبرياء، فادَّعى الربوبيَّة، وهو أحدُ العبيد الضعفاء
قال اللّه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
يذكرُ تعالى مناظرةَ خليله مع هذا المَلكِ الجبَّار المتمرِّد، الذي ادَّعى لنفسه الربوبيةَ، فأبطلَ الخليلُ ﵇ دليلَه، وبيَّن كثرةَ جَهْلِه، وقِلَّةَ عَقْلِه، وألجمَه الحُجَّة، وأوضحَ له طريقَ المحجَّة.
قال المفسرون وغيرُهم من علماء النسب والأخبار: وهذا المَلكُ هو مَلِكُ بابلَ، واسمُه النمرود بن كنعانَ بن كوش بن سام بن نوح، قاله مجاهد ).
وقال غيرُه ): نمرود بن فالح بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح.
قال مجاهد ) وغيره: وكان أحدَ ملوك الدنيا، فإنه قد ملك الدنيا فيما ذكروا أربعة، مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: ذو القَرْنين وسُليمان.
والكافران: النمرود وبختنصر.
وذكروا أن نمرودَ هذا استمرَّ في ملكه أربعمئة سنة، وكان قد طغى وبغى، وتجبَّر وعتى وآثر الحياةَ الدنيا.
ولما دعاه إبراهيمُ الخليلُ إلى عبادة اللّه وحدَه لا شريكَ له، حملَه الجهلُ والضَّلالُ وطولُ الآمالِ على إنكار الصانع، فحاجَّ إبراهيمَ الخليلَ في ذلك، وادَّعى لنفسه الربوبية، فلما قال الخليل: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
قال قتادة والسُّدِّي ومحمد بن إسحاق: يعني أنه إذا أُتي بالرجلين قد تحتَّم قَتْلُهما، فإذا أمرَ بقتل أحدهما وعفا عن الآخر، فكأنَّه قد أحيا هذا وأمات الآخر
وهذا ليس بمعارضة للخليل، بل هو كلام خارجيٌّ عن مقام المناظرة، ليس بمنع ولا بمعارضة، بل
هو تشغيب (٤) محض، وهو انقطاعٌ في الحقيقة، فإن الخليلَ استدلَّ على وجود الصانع بحدوثِ هذه المشاهداتِ، من إحياء الحيواناتِ وموتها على وجود فاعل ذلك الذي لا بُدَّ من استنادِها إلى وجوده ضرورةً عدم قيامها بنفسها، ولا بدَّ من فاعل لهذه الحوادث المشاهدة من خَلْقِها وتسخيرها، وتسيير هذه الكواكب والرِّياح والسَّحاب والمطر، وخلق هذه الحيوانات التي تُوجد مشاهدةً، ثم إماتتُها، ولهذا ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فقول هذا الملك الجاهل: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] إنْ عنى أنَّه الفاعلُ لهذه المشاهدة، فقد كابرَ وعاندَ، وإن عنى ما ذكرَه قتادةُ والسُّدِّي ومحمد بن إسحاق، فلم يقلْ شيئًا يتعلَّقُ بكلام الخليل؛ إذ لم يمنع مُقدِّمةً، ولا عارضَ الدليلَ.
ولما كانَ انقطاعُ مناظرة هذا المَلِكِ قد تخفَى على كثيرٍ من النَّاس ممن حضرَه وغيرهم، ذكرَ دليلًا آخرَ بيَّنَ وجودَ الصَّانع، وبُطلان ما ادَّعاه النمرودُ، وانقطاعَه جهرة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أي: هذه الشمس مُسخَّرةٌ كلَّ يوم تطلعُ من المشرقِ كما سخَّرها خالقُها ومُسَيرُها وقاهِرُها، وهو اللّه الذي لا إلهَ إلا هو خالقُ كل شيء، فإن كنتَ كما زعمتَ من أنَّكَ الذي تُحيي وتُميت فأتِ بهذه الشمس من المغرب، فإن الذي يُحيي ويُميت هو الذي يفعلُ ما يشاءُ، ولا يُمانَعُ ولا يُغالبُ، بل قد قهرَ كل شيء، ودانَ له كل شيءٍ، فإنْ كنتَ كما تزعمُ فافعلْ هذا، فإن لم تفعله فلستَ كما زَعمْتَ، وأنت تعلمُ وكلُّ أحد أنَّك لا تقدرُ على شيءً من هذا، بل أنت أعجزُ وأقلُّ من أنْ تخلقَ بعوضةً أو تنتصرَ منها.
فبيَّن ضلالَه وجهلَه وكذبَه فيما ادَّعاه، وبطلان ما سلكه وتبجَّح به عند جَهلة قومه، ولم يبق له كلامٌ يُجيب الخليلَ به، بل امتنعَ وسكتَ، ولهذا قال: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
وقد ذكرَ السُّدِّي (): أنَّ هذه المناظرة كانت بين إبراهيمَ وبينَ النمرود يومَ خرجَ من النَّارِ، ولم يكن اجتمعَ به يومئذٍ، فكانت بينهما هذه المناظرة.
وقد روى عبدُ الرزاق: عن معمر، عن زيد بن أسلم؛ أن النمرودَ كان عندَه طعامٌ، وكان النَّاسُ يَفِدُون إليه للميرة، فوفدَ إبراهيمُ في جملة منْ وفدَ للمِيرة، فكان بينهما هذه المناظرة، ولم يُعْطَ إبراهيمُ من الطعام كما أُعطي النَّاسُ بل خرجَ وليس معه شيءٌ من الطعام، فلما قربَ من أهله عمدَ إلى كثيبب من التراب فملأ منه عدليْه (٥)، وقال:أشغل أهلي إذا قدمتُ عليهم، فلما قدمَ وضعَ رحالَه وجاء فاتَّكأ فنامَ، فقامتْ امرأتُه سارَةُ إلى العِدْلين، فوجدتهما ملآنين طعامًا طيِّبًا، فعملت منه طعامًا.
فلما استيقظَ إبراهيمُ
وجدَ الذي قد أصلحُوه، فقال: أنَّى لكم هذا؟ قالت: من الذي جئتَ به، فعرفَ أنَّه رزقٌ رزَقَهموه اللّه ﷿.
فال زيدُ بن أسلم: وبعثَ اللّه إلى ذلك المَلِك الجبَّار ملَكا فأمره بالإيمان باللّه، فأبى عليه، ثم دعاه الثانية، فأبى عليه، ثم الثالثة، فأبى.
وقال: اجمعْ جموعَك وأجمعُ جموعي، فجمعَ النمرودُ جيشَه وجنودَه وقتَ طُلوع الشمس، فأرسلَ اللّه عليه ذبابًا من البَعوض، بحيثُ لم يرَوا عينَ الشمسَ، وسلَّطها الله عليهم، فأكلتْ لحومَهم ودماءَهم، وتركتْهم عظامًا باديةً، ودخلتْ واحدةٌ منها في مِنْخر المَلكِ، فمكثتْ في منخريه أربعمئة سنة، عذَّبه اللّه تعالى بها، فكان يضربُ رأسه بالمرازب (٦) في هذه المدة كلها حتى أهلكَه اللّه ﷿ بها ).
* * *
ذكرُ هجرة الخليل ﵇ إلى بلاد الشام ودخوله الديار المصرية، واستقرارِه بالأرض المقدَّسة
قال اللّه تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٦، ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١)وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢)وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١ - ٧٣] لما هجرَ قومَه في اللّه، وهاجرَ من بينِ أظهرهم، وكانت امرأتُه عاقرًا لا يُولد لها، ولم يكنْ له من الولد أحدٌ، بل معه ابنُ أخيه لوطُ بن هاران بن آزر، هبَه اللّه تعالى بعد ذلك الأولادَ الصالحينَ، وجعلَ في ذُريَّتهِ النبوة والكتاب، فكل نبيٍّ بُعِثَ بعدَه من ذُريَّته، وكلُّ كتابٍ نزلَ من السماء على نبيٍّ من الأنبياء منْ بعدِه، فعلى أحد نسلِه وعَقبه خِلعة (٧) من اللّه وكرامةً له حين تركَ بلادَه وأهلَه وأقرباءَه وهاجرَ إلى بلد يتمكَّن فيها من عبادة ربِّه ﷿، ودعوةِ الخلق إليه، والأرضُ التي قصدَها بالهجرة أرضُ الشام، وهي التي قال اللّه ﷿: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١] قاله أُبيُّ بن كعب )، وأبو العالية، وقتادة وغيرهم.
وروى ) العوفي عن ابن عباس قوله:
﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١]مكة، ألم تسمع إلى قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦].
وزعم كعبُ الأحبار أنها حرَّان.
وقد قدَّمنا عن نقل أهل الكتاب: أنَّه خرجَ من أرض بابلَ، هو وأبوه وابن أخيه لوط، وأخوه ناحور، وامرأة إبراهيم سارَة، وامرأة أخيه ملكا، فنزلوا حرَّان، فمات تارخُ أبو إبراهيمَ بها.
وقال السُّدِّي ): انطلقَ إبراهيم ولوط قِبَلَ الشَّام فلقِيَ إبراهيمُ سارَةَ - وهي ابنة مَلِكِ حرَّان - وقد طعنت على قومِها في دينهم )، فتزوَّجها على ألَّا يُغَيِّرَها ).
رواه ابن جرير وهو غريب.
والمشهورُ أنها ابنة عمِّه هاران، الذي تُنسب إليه حرَّان، ومنْ زعمَ أنها ابنة أخيه هاران أخت لوط، كما حكاه السُّهيلي عن القُتَيبيِّ وَالنَّقَّاش، فقد أبعدَ النُّجْعَة، وقال بلا علم؛ وادَّعى أن تزويجَ بنت الأخ كان إذ ذاك مشروعًا، فليس له على ذلك دليل.
ولو فُرِضَ أن هذا كان مشروعًا في وقتٍ كما هو منقولٌ عن الربَّانييِّن من اليهود، فإن الأنبياءَ لا تتعاطاه، واللّه أعلم.
ثم المشهورُ أنَّ إبراهيمَ ﵇ لمَّا هاجرَ من بابلَ خرجَ بسارَةَ مهاجرًا من بلاده كما تقدَّم، واللّه أعلم.
وذكرَ أهلُ الكتاب أنَّه لما قدمَ الشام أوحى الله إليه: إني جاعل هذه الأرض لخلفك من بعدك فابتنى إبراهيمُ مذبحًا للّه، شكرًا على هذه النعمة، وضربَ قبَّته شرقي بيت المقدس، ثم انطلقَ مُرتحلًا إلى التيمُّن، وأنه كان جوعٌ، أي:قَحْطٌ وشِدَّةٌ وغَلاء، فارتحلَ إلى مصرَ، وذكروا قصَّة سارَة مع ملكها، وأن إبراهيمَ قال لها قولي: أنا أُختُه، وذكروا إخدامَ الملك إياها هاجرَ، ثم أخرجهم منها، فرجعوا إلى بلاد التَّيمن - يعني أرض بيت المقدس وما والاها - ومعه دوابُّ وعبيدٌ وأموال.
وقد قال البخاري: حَدَّثَنَا محمد بن محبوب، حَدَّثَنَا حمَّاد بن زيدٍ، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرةَ قال: لم يكذبْ إبراهيمُ إلا ثلاثَ كَذبات: ثنتان منهنَّ في ذاتِ اللّه، قوله:﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقال: بينا هو ذات يومٍ وسارَةُ إذ أتى على جبَّار من الجبَابرة، فقيل له: هاهنا رجلٌ معه امرأةٌ من أحسن الناس، فأرسلَ إليه وسألَه عنها، فقال: منْ هذه؟ قال:أختي، فأتى سارَة، فقال: يا سارَةُ ليس على وجهِ الأرضِ مؤمنٌ غيري
وغيركِ، وإنَّ هذا سألني فأخبرتُه أنَّك أُختي فلا تُكذِّبيني، فأرسلَ إليها، فلما دَخَلَتْ عليه ذهبَ يتناولُها بيده، فأخذ.
فقال: ادعي اللّهَ لي ولا أضرُّك، فدعت اللّهَ فأُطلقَ، ثمَّ تناولَها الثانيةَ فأُخذَ مثلها أو أشدَّ، فقال: ادعي اللّه لي ولا أضرُّكِ فدعتْ فأطلق، فدعا بعضَ حَجَبَتِه، فقال: إنكم لم تأتوني بإنسانٍ وإنما أتيتموني بشيطان، فأخدمَها هاجرَ، فأتته وهو قائمٌ يُصلِّي، فأومأ بيده: مَهْيم.
فقالت: ردَّ اللّه كيدَ الكافر - أو الفاجر - في نَحْرِه، وأخدمَ هاجرَ.
قال أبو هريرة: فتلكَ أمُّكم يا بني ما ) السما ).
تفرَّد به من هذا الوجه موقوفًا.
وقد رواه الحافظ أبو بكر البزَّار: عن عمرو بن علي الفَلّاس، عن عبد الوهاب الثقفي، عن هشام بن حسَّان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إنَّ إبراهيمَ لم يكذبْ قطُّ إلا ثلاثَ كذبات، كلُّ ذلك في ذات اللّه، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وبينما هو يسيرُ في أرضِ جبَّار من الجَبابرة، إذ نزلَ منزلًا، فأتي الجبَّارُ فقيل له: إنَّه قد نزلَ هاهنا رجلٌ معه امرأةٌ من أحسنِ النَّاس.
فأرسلَ إليه، فسأله عنها، فقال: إنَّها أُختي.
فلما رجعَ إليها، قال: إنَّ هذا سألني عنكِ، فقلتُ: إنَّك أختي، وإنه ليس اليومَ مسلمٌ غيري وغيرك، وإنك أختي فلا تُكذِّبيني عندَه، فانطلقَ بها، فلما ذهبَ يتناولها أُخذ، فقال: ادعي اللّه لي ولا أضرُّك فدعتْ له فأُرسل، فذهبَ يتناولُها فأُخذ مثلَها أو أشدَّ منها،فقال: ادعي اللّه لي ولا أضرُّك، فدعتْ فأُرسل، ثلاث مرات.
فدعا أدنى حَشَمِه، فقال: إنك لم تأتني بإنسان ولكنْ أتيتني بشيطان، أخرجْها وأعطِها هاجرَ.
فجاءتْ وإبراهيمُ قائمٌ يُصلِّي، فلمّا أحسنَ بها انصرفَ، فقال: مَهْيَم؟ فقالت:كفى اللّه كَيْدَ الظَّالمِ، وأخْدمني هاجرَ
ام، ورواه غيره موقوفًا ).
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عليُّ بن حَفْص، عن ورقاء - هو ابن عمر اليشكري () - عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "لم يكذبْ إبراهيمُ إلا ثلاثَ كذبات: قوله حين دُعي إلى آلهتهم، فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله لسارة: إنها أختي.
قال: ودخلَ إبراهيمُ قريةً فيها مَلِكٌ من الملوك - أو جبَّار من الجبابرة - فقيل:دخلَ إبراهيمُ الليلةَ بامرأة من أحسنِ النَّاس.
قال: فأرسل إليه المَلكُ - أو الجبَّارُ - مَنْ هذه معكَ؟ قال: أختي.
قال:فأرسلْ بها.
قال: فأرسلَ بها إليه، وقال: لا تُكذِّبي قَوْلي فإني قد أخبرتُه أنَّك أختي، إنْ على الأرض مؤمنٌ غيري وغيرك.
فلما دخلتْ عليه قامَ إليها، فأقبلتْ توضأ وتُصلِّي، وتقول:اللهم إن كنتَ تعلمُ أني آمنتُ بك وبرسولكَ، وأحصنتُ فرجي إلا على زَوْجي، فلا تُسلِّط عليَّ الكافر.
قال: فغطَّ (٨)حتَّى ركضَ برجله".
قال أبو الزناد: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: إنها قالت: اللَّهُمَّ إن يمتْ يُقَل: هي قتلته.
قال: فأُرسل.
قال: ثم قامِ إليها.
قال: فقامتْ توضَّأ وتُصلِّي وتقول: اللهم إن كنتَ تعلمُ أني آمنتُ بكَ وبرسولكَ، وأحصنتُ فرْجي إلا على زَوْجي فلا تُسلِّطْ عليَّ الكافرَ.
قال:فغطَّ حتى ركضَ برجلهِ.
قال أبو الزناد: وقال أبو سلمة: عن أبي هريرة: إنها قالت: "اللهم إن يمتْ يقل هي قتلته".
قال:فأُرسل، قال: فقال في الثالثة - أو الرابعة - ما أرسلتُم إليّ إلا شيطانًا، أرجعوها إلى إبراهيمَ، وأعطوها هاجرَ.
فالَ:فرجعتْ، فقالت لإبراهيم: أشَعَرْتَ أن اللّه ردَّ كيدَ الكافرين، وأخدم وليدةً ).
تفرَّد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط الصحيح.
وقد رواه البخاري () عن أبي اليمان، عن شُعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ به مختصرًا.
وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا سفيان، عن عليِّ بن زيد بن جدعان، عن أبي نَضْرة، عن
(أبي سعيد، قال: قالَ رسولُ اللّه ﷺ في كلماتِ إبراهيمَ الثلاث التي قال: "ما منها كلمةٌ إلا ما حلَ ) بها عن دين اللّه، فقال: (إني سقيم) وقال: (بل فعلَه كبيرهم هذا) وقال للمَلك حين أراد امرأته: هي أختي" ).
فقوله في الحديث: "هي أُختي" أي: في دين اللّه، وقوله لها: "إنه ليس على وجهِ الأرض مؤمنٌ غيري وغيرك" يعني: زوجين مؤمنين غيري وغيرك، ويتعيَّنُ حملُه على هذا، لأنَّ لوطًا كانَ معهم، وهو نبيٌّ ﵇.
وقوله لها لما رجعتْ إليه: مَهْيَم، معناه: ما الخبرُ؟ فقالت: إن اللّه رد كيد الكافرين.
وفي رواية: الفاجر، وهو الملك، وأخدمَ جاريةً.
وكان إبراهيمُ ﵇ من وقتِ ذهبَ بها إلى الملك قامَ يُصلِّي للّه ﷿، ويسألُه أن يدفعَ عن أهله، وأن يردَّ بأسَ هذا الذي أراد أهله بسوءً.
وهكذا فعلتْ هي أيضًا، فلما أرادَ عدوُّ اللّه أن ينالَ منها أمرًا، قامت إلى وضوئها وصَلاتها، ودعتِ اللّه ﷿ بما تقدَّم من الدعاء العظيم.
ولهذا قال تعالى:﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] فعصمها اللّه وصانَها لعصمة عبده ورسوله وحبيبه وخليله إبراهيم ﵇.
وقد ذهبَ بعضُ العلماء إلى نبوة ثلاث نسوة: سارَة، وأمُّ موسى، ومريم عليهنَّ السلام.
والذي عليه الجمهور أنهنَّ صِدِّيقَات ﵅ وأرضاهن.
ورأيتُ في بعض الآثار: أنَّ اللّه عر وجل كشف الحجابَ فيما بين إبراهيمَ ﵇ وبينَها، فلم يزلْ يراها منذ خرجتْ من عنده إلى أن رجعتْ إليه، وكان مُشاهدًا لها وهي عند المَلِكِ، وكيف عصمَها اللّه منه، ليكون ذلك أطيبَ لقلبه وأقرَّ لِعَيْنه، وأشدَّ لطمأنينته، فإنه كان يُحبُّها حبًّا شديدًا لدينها، وقرابتها منه، وحُسْنها الباهر، فإنَّه قد قيل: إنه لم تكن امرأةٌ بعد حوَّاء إلى زمانها أحسنَ منها ﵂، وللّه الحمدُ والمنَّةُ.
وذكر بعضُ أهل التواريخ: أن فرعونَ مصرَ هذا كان أخًا للضحَّاك الملك المشهور بالظلم، وكان عاملًا لأخيه على مصر.
ويُقال: كان اسمُه سنان بن عُلوان بن عُبيد بن عويج بن عملاق بن لاود بن سام بن نوح.
وذكرَ ابن هشام في "التيجان": أن الذي أرادها عمرو بن امرئ القيس بن مايلون بن سبأ، وكان على مصر، نقله السهيلي، فاللّه أعلم.
ثم إن الخليل ﵇ رجعَ من بلاد مصر إلى أرض التَّيمُّن، وهي الأرض المقدسة، التي كان فيها، ومعه أنعام وعبيد ومال جزيل، وصحبتهم هاجرُ القبطية المصرية.
ثمَّ إنَّ لوطًا ﵇ نزحَ بماله من الأموال الجزيلة بأمر الخليل له في ذلك إلى أرض الغور، المعروف بغور زغر ()، فنزل بمدينة سدوم ()، وهي تلك البلاد في ذلك الزمان، وكان أهلها أشرارًا كفَّارًا فخارًا، وأوحى الله تعالى إلى إبراهيم الخليل فأمره أن يمدَّ بصرَه وينظرَ شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، وبشَّره بأن هذه الأرض كلها سأجعلها لك ولخلفك إلى آخر الدهر، وسأكثر ذُريَّتكَ حتَّى يَصيروا بعدد تُراب الأرض.
وهذه البشارة اتَّصلتْ بهذه الأمة، بل ما كملتْ ولا كانت أعظم منها في هذه الأمة المحمَّدية، يُؤِّيد ذلك قولُ رسول اللّه ﷺ: "إن اللّه زوى لي الأرضَ فرأيتُ مشارقَها ومغاربَها، وسيبلغُ ملكُ أُمَّتي ما زوي لي منها" ).
قالوا: ثمَّ إنَّ طائفة من الجبَّارين تسلَّطوا على لوط ﵇فأسروه، وأخذوا أموالَه، واستاقوا أنعامه، فلما بلغَ الخبرُ إبراهيمَ الخليل، سارَ إليهم في ثلاثمئة وثمانية عشر رجلًا، فاستنقذ لوطًا ﵇، واسترجعَ أموالَه، وقتل من أعداء اللّه ورسوله خلقًا كثيرًا، وهزمَهم، وساقَ في آثارِهم حتى وصلَ إلى شرقيّ دمشق، وعسكرَ بظاهرها عند برزه (٩)، وأظنُّ مقام إبراهيم إنما سُمِّي، لأنه كان موقفَ جيش الخليل، والله أعلم.
ثم رجعَ مؤيَّدًا منصورًا إلى بلاده، وتلفاه ملوكُ بلاد بيت المقدس مُعظِّمين له، مُكرِّمين، خاضعين، واستقرَّ )ببلاده، صلوات اللّه وسلامه عليه.
* * *
١) جَوْبة: الجَوْبة: هي الحفرة المستديرة الواسعة، وكلُّ مُنْفتق بلا بناءٍ جَوْبة.
وبهامش ب: قال الجلال السيوطي في مختصر النهاية: وصارت المدينة مثل الجوبة، هي الحفرة الواسعة، وكل منفتق بلا بناء جوبة.
(٢) مَنْجنيق: بفتح الميم وكسرها: آلة قديمة من آلات
(٣) يتجلجلُ: يغوص في الأرض حين يُخسف به، والجلجلة: حركة مع صوت.
(٤)تشغيب: تهييج للشر، وتشويه للحقيقة.
(٥) عدليْه: العِدْل: الكيس والحِمْل يكونُ على أحد جنبي البعير.
(٦) المرازب": جمع مِرْزبة: وهي المطرقة الكبيرة، ويقال له: الإرزبَّة: بالهمز والتشديد.
(٧) خِلْعةً": عطيَّة.
(٨) "فغطَّ": أي نام حتى سُمعَ غطيطه، والغطيط: الصوت الذي يخرجُ مع نَفَس النائم، وهو ترديده حيث لا يجدُ مساغًا.
وركض برجله: ضرب بها، وهو دليل الاستغراق بالنوم.
(٩) برزة": قرية من غوطة دمشق، تقع في الشمال الشرقي من المدينة، وقد اتصل بناء المدينة بها.
مختارات

