حكمة تعدد بعث الرسل (٥)
إن الله عزَّ وجلَّ بعث كل رسول بكلمة التوحيد، ولقد عرفت البشرية كلمة التوحيد من أول يوم نزل فيه آدم - صلى الله عليه وسلم - إلى الأرض.
عرفتها على لسان نوح وهود وصالح وغيرهم من الرسل صلوات الله وسلامه عليهم الذين لم يتصل لهم عقب يقوم على هذه الكلمة ويعيش بها ولها.
ولكن هذه الكلمة لم تستقر في الأرض إلا من بعد إبراهيم، فلما عرفتها على لسان إبراهيم ظلت متصلة في أعقابه، وله أكبر قسط في إقرار هذه الكلمة في الأرض، وإبلاغها إلى الأجيال من بعده عن طريق ذريته وعقبه: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)} [الزخرف: ٢٨].
ولقد قام بها من بعده رسل كان منهم ثلاثة من أولي العزم وهم: موسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم.
ولم يبعث الله نبياً بعد إبراهيم إلا من ذريته ونسله، وأوصى بها إبراهيم بنيه من بعده كما قال سبحانه: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)} [البقرة: ١٣٢].
وقام عليها من بعده رسل من نسله يتصلون لا ينقطعون، حتى كان آخرهم وسيدهم وأفضلهم ابنه الأخير من نسل إسماعيل، وأشبه أبنائه به، خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، محمد - صلى الله عليه وسلم -، قائل كلمة التوحيد في صورتها الأخيرة الكاملة الشاملة للبشرية كافة.
تلك الكلمة: (لا إله إلا الله) التي تجعل الحياة كلها تدور حول هذه الكلمة، وتجعل لها أثراً في كل نشاط للإنسان وكل تصور.
فهذه هي كلمة التوحيد التي جعلها إبراهيم باقية في عقبه، هذه هي تأتي إلى هذا الجيل على لسان واحد من عقبه، فكيف يستقبلها من ينتسبون إلى إبراهيم وإلى ملة إبراهيم؟.
لقد بعد بهم العهد.
ومتعهم الله جيلاً بعد جيل.
حتى طال عليهم العمر.
ونسوا ملة إبراهيم.
وأصبحت كلمة التوحيد فيهم غريبة منكرة.
واستقبلوا صاحبها أسوأ استقبال.
وقاسوا الرسالة السماوية بالمقاييس الأرضية فاختل في أيديهم كل ميزان كما قال سبحانه: {بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠)} [الزخرف: ٢٩،٣٠].
وفرق كبير بين الحق والسحر، وإنما هي دعوى، وكفار قريش هم أول من يعلم بطلانها، وما كان كفار وكبراء قريش ليغيب عنهم أنه الحق كما قال سبحانه: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)} [الأنعام: ٣٣].
وقد اعترضوا على اختيار الله لمحمد - صلى الله عليه وسلم -، الذي أرسله الله إليهم حاملاً الحق والنور كما قال سبحانه: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)} [الزخرف: ٣١].
وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذؤابة قريش، ثم من ذؤابة بني هاشم، وهم في العلية من العرب، كما كان معروفاً بحسن الخُلق، والصدق، والأمانة قبل بعثته، قد جمع المجد من أطرافه.
ولكنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن زعيم قبيلة، ولا رئيس عشيرة، في بيئة تعتز بمثل هذه القيم القبلية، والله أعلم حيث يجعل رسالته، ولقد اختار الله لها من يعلم أنه لها أهل، ولعله سبحانه لم يشأ أن يجعل لهذه الرسالة سنداً من خارج طبيعتها، ولا قوة من خارج حقيقتها، فاختار لها رجلاً ميزته الكبرى حسن الخلق، وهو من طبيعة هذه الدعوة، وسمته البارزة التجرد لعمله، وهو من حقيقة هذه الدعوة.
ولم يختره زعيم قبيلة، ولا رئيس عشيرة، ولا صاحب جاه، ولا صاحب ثراء، كي لا تلتبس قيمة واحدة من هذه القيم الأرضية بهذه الدعوة النازلة من السماء،ولكي لا تزدان هذه الدعوة بحلية من حلي هذه الأرض ليست من حقيقتها في شيء.
ولكي لا يكون هناك مؤثر مصاحب لها خارج عن ذاتها المجردة، ولكي لا يدخلها طامع، ولا يتنزه عنها متعفف.
فلما اعترضوا على اختيار العليم الخبير لرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - رد عليهم القرآن مستنكراً هذا الاعتراض على رحمة الله واختياره: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)} [الزخرف: ٣٢].
وكانت قيادة البشرية قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - لبني إسرائيل، فالله خالق البشر وحده، وهو الذي يشرع لهم وحده، ويرسل لهم من شاء وحده: {وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦)} [الجاثية: ١٦].
فكانت فيهم التوراة شريعة الله.
وكان فيهم الحكم لإقامة شريعة الله.
وكان فيهم النبوة بعد رسالة موسى وكتابه للقيام على الشريعة والكتاب.
وكثر فيهم الأنبياء وتتابعوا فترة طويلة.
فكانت مملكتهم، ونبواتهم في الأرض المقدسة الطيبة.
الكثيرة الخيرات بين النيل والفرات.
وفضلهم الله على أهل زمانهم بطبيعة الحال، وكان مظهر هذا التفضيل الأول اختيارهم للقيادة بشريعة الله، وإيتائهم الكتاب والحكم والنبوة، وآتاهم الله شريعة بينة فاصلة حاسمة، لا غموض فيها ولا لبس، ولا عوج ولا انحراف، ولم يكن هناك ما يدعو إلى الاختلاف.
وما حصل الخلاف بين بني إسرائيل عن غموض في الأمر، ولا عن جهل بالحكم، إنما كان ذلك عن تحاسد بينهم، ونزاع وظلم، مع معرفة الحق والصواب، وكان الواجب أن يشكروا هذه النعم التي أنعم الله بها عليهم، ويقوموا بها على أكمل الوجوه، وأن يجتمعوا على الحق الذي بينه الله لهم، ولكنهم عكسوا الأمر، فعاملوها بعكس ما يجب.
وافترقوا فيما أمروا بالاجتماع عليه على الرغم مما منّ الله عليهم به من العلم الموجب لعدم الاختلاف، وإنما حملهم على الاختلاف والتفرق البغي والظلم من بعضهم على بعض: {وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧)} [الجاثية: ١٧].
وبذلك انتهت قيادتهم في الأرض، وبطل استخلافهم وأمرهم بعد ذلك إلى يوم القيامة.
ثم كتب الله تبارك وتعالى الخلافة في الأرض لرسالة جديدة ورسول جديد، يرد إلى شريعة الله استقامتها، ويحكم شريعة الله لا أهواء البشر في حياة البشرية جمعاء كما قال سبحانه: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)} [الجاثية: ١٨،١٩].
وهكذا يتمحض الأمر:
فإما شريعة الله.
وإما أهواء الذين لا يعلمون.
وليس هناك من فرض ثالث.
ولا طريق وسط بين الشريعة الإلهية، والأهواء البشرية.
وما يترك أحد شريعة الله إلا ليحكم الأهواء.
فكل ما عدا شريعة الله هوى يهفو إليه الذين لا يعلمون.
وكل ما جاء به القرآن الكريم وكل ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)} [الجاثية: ٢٠].
فهذا الكتاب العظيم فيه تبيان كل شيء، فيه الهداية والإنارة، فهو بذاته بصائر كاشفة، وهو بذاته هدى، وهو بذاته رحمة.
وحين يستيقن القلب ذلك يعرف طريقه إلى ربه، وعندئذ يصبح القرآن له نوراً وهدى ورحمة بهذا اليقين.
إن الله عزَّ وجلَّ يعرض على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - أحوال الأمم السابقة مع رسلهم، وهو الذي انتهت إليه أمانة الدعوة إلى الله في الأرض كلها إلى آخر الزمان، ووكلت إليه هداية البشرية إلى ربها في العالم كله إلى يوم القيامة.
واضطلع بأكبر عبء كلفه رسول، يعرض عليه بالتفصيل أحوال الأنبياء مع أممهم؛ ليرى في حياة الأنبياء الرحمة بالخلق، والإحسان إليهم، والعفو عنهم، والشفقة عليهم، والصبر على أذاهم، واللطف بهم.
ويرى كذلك جهد الأنبياء وتضحيتهم من أجل إعلاء كلمة الله، وإقرار حقيقة الإيمان في الأرض، وتوجيه الخلق إلى عبادة ربهم.
ويطلع منها على عناد البشرية أمام دعوة الحق، وفساد القيادة الضالة، وغلبتها على القيادة الراشدة، ثم رحمة الله بعباده بإرسال الرسل تترى كلما فسدت أحوال البشر، وضلوا عن طريق الإيمان والهدى كما قال سبحانه: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)} [المؤمنون: ٤٤].
وتعرض تلك الأحوال العجيبة كذلك على الأمة المسلمة عامة، فهي الوارثة لدعوة الله في الأرض بعد رسولها - صلى الله عليه وسلم -، وللمنهج الإلهي المنبثق من هذه الدعوة؛ لترى صور الجهاد والكفاح، والتربية والدعوة، والإصرار والثبات من جميع الأنبياء والمرسلين؛ لأقرار حقيقة الإيمان في الأرض.
كما ترى فيها عناية الله بالقلة المؤمنة، وإنجائها من الهلاك الشامل في ذلك الحين: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)} [يوسف: ١١٠].
وتعرض آيات القرآن كذلك تلك الأحوال على الكفار والمشركين ليروا فيها مصير أسلافهم المكذبين، ويدركوا نعمة الله عليهم في إرساله إليهم رسولاً رحيماً بهم، لم يدع عليهم بالهلاك الشامل، وذلك لما يقدره من الرحمة بهم إلى حين.
حقاً: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)} [الحج: ٦٥].
نِعَم الله تنزل على خلقه كل آن.
ورسله تتوالى عليهم.
وكتبه تنزل عليهم.
وآلاؤه معروضة عليهم، وهم يقابلون ذلك بالعناد والإعراض والاستكبار، والله يمهلهم لعلهم يتوبون ويرجعون إليه.
ترى هذه البشرية كلها تساوي تلك العناية الكريمة من الله، المتجلية في استقرار إرادته سبحانه في إرسال رسله تترى بعد العناد والإعراض والاستكبار من هذا الخلق الضعيف الهزيل؟.
ثم تلك الجهود الموصولة منذ عهد نوح، وتلك التضحيات النبيلة التي لم تنقطع على مدار التاريخ من رسل يُكفر بهم، أو يُستهزأ بهم، أو يُّحرقون بالنار، أو يُنشرون بالمناشير، أو يَهجرون الأهل والديار من أجل إعلاء كلمة الله؟.
وما بذله محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وأتباعه من جهود قل أن يثبت لها أحد، ثم تتوالى الجهود المضنية، والتضحيات المذهلة من القائمين على الدعوة من بعده في كل أرض، وفي كل جيل؟.
والجواب: نعم.
فإن استقرار حقيقة الإيمان بالله في الأرض، وإقامة منهجه في حياة الناس، يساوي كل هذا الجهد، وكل هذا الصبر، وكل هذه المشقة، وكل هذه التضحيات النبيلة المطردة من الرسل وأتباعهم الصادقين في كل زمان ومكان.
فالحياة بدون الإيمان وبدون شريعة الله ضلال وظلام، وفساد وطغيان، وبغي وعدوان، وظلم وفسق، وشقاء وعناء: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)} [آل عمران: ١٦٤].
ولا تسعد البشرية ولا تستقيم حياتها إلا باتباع منهج الله، وتحكيم شرعه في جميع الأمور، ونبذ ما سواه: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)} [الأنعام:١٥٣].
فإذاً لا بدَّ من أداء الأمانة، والقيام بالوظيفة؛ ليبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، ويدخل الإيمان كل بيت، وكل قلب، ويسمع الناس كلام ربهم، ويذكروه بألسنتهم، ويطيعوه ويعبدوه وحده لا شريك له {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)} [إبراهيم: ٥٢].
ولا بدَّ من جهد بشري لإقرار حقيقة الإيمان في عالم الإنسان، هذا الجهد اختار الله له صفوة من عباده هم الأنبياء والرسل، وقلة مختارة من أتباعهم هم المؤمنون الصادقون.
اختارهم عزَّ وجلَّ لإقرار حقيقة الإيمان في الأرض، وهي أمانة لا بدَّ أن يؤدوها.
فنعم الرجال.
ونعم العمل.
ونعم الجزاء.
إن هذه الحقيقة العظيمة أكبر من الإنسان ذاته، ومن أرضه وسمائه، ومن كل هذا الكون الكبير، وقد أثبت الواقع التاريخي المتكرر أن النفس البشرية لم تبلغ إلى آفاق الكمال المقدر لها بأية وسيلة كما بلغتها باستقرار حقيقة الإيمان بالله فيها.
وأن الحياة البشرية لم ترتفع إلى هذه الآفاق بوسيلة أخرى كما ارتفعت بهذه الوسيلة، وأن الفترات التي استقرت فيها هذه الحقيقة في الأرض، وتسلم أهلها قيادة البشرية كانت قمة سامقة في التاريخ، بل كانت حلماً أكبر من الخيال، ولكنه متمثل في واقع بحياة الناس.
وقد تحقق هذا المستوى العالي من الحياة والأخلاق في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ونالوا بذلك رضا ربهم، ورضوا عنه، وجزاهم على تلك الطاعة والعبودية الجنة كما قال سبحانه: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)} [التوبة: ١٠٠].
إنه لا يمكن أن ترتقي البشرية ولا أن ترتفع عن طريق علم، أو فلسفة، أو فن، أو مذهب، أو نظام إلى المستوى الذي وصلت إليه عن طريق استقرار حقيقة الإيمان بالله في نفوس الناس، وحياتهم، وأخلاقهم.
وحين فقدت البشرية قيادة المؤمنين الصادقين لم ينفعها شيء من ذلك كله، بل انحدرت إلى أقل من مستوى البهائم الضالة.
بل انحدرت قيمها وأخلاقها، وموازينها وإنسانيتها، كما غرقت في الشقاء النفسي، والحيرة الفكرية، والأمراض العصبية، على الرغم من تقدمها الحضاري في سائر الميادين، وتمرغها في الشهوات في كل حين، وستعرض البشرية، وما زال أكثرها معرضاً عن الهدى ودين الحق، كما أعرضت عن دعوة نوح وإبراهيم، وموسى وعيسى، ومحمد وغيرهم من الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤)} [يوسف: ١٠٣،١٠٤].
وستذهب مع القيادات الضالة المضلة، الظالمة الكافرة، وستعذب الدعاة إلى الحق أنواعاً مختلفة من العذاب، وتنكل بهم ألواناً من النكال ابتلاءً من الله، ليعلم الله الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)} [الأنبياء: ٣٥].
ستفعل ذلك كما ألقت إبراهيم في النار، ونشرت زكريا بالمنشار، وسخرت واستهزأت، وكفرت وكذبت بالأنبياء والرسل على مدار التاريخ.
ولكن دين الله باق، والدعوة إلى الله لا بدَّ أن تمضي في طريقها كما أراد الله؛ لأنها الحل الوحيد لفلاح وسعادة البشرية إلى يوم القيامة، وهي كرامة الله للبشرية جمعاء: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)} [آل عمران: ١٦٤].
وحسن الخلق أحسن ما يتحلى به البشر، وأعظم ما يؤثر في النفوس، فالمقصود من البعثة أن يبلغ الرسول تكاليف الله إلى الخلق، وهذا المقصود لا يتم إلا إذا مالت قلوبهم إليه، وسكنت نفوسهم لديه، وهذا المقصود لا يتم إلا إذا كان حسن الأخلاق، رحيماً كريماً، يتجاوز عن ذنوبهم، ويعفو عن إساءتهم، ويصفح عن زلاتهم، ويخصهم بوجوه البر والشفقة، والإكرام والإجلال.
فلهذا وجب أن يكون الرسول أحسن الناس أخلاقاً، ليؤثر في قلوب الناس، ولأنه محل قدوة، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذلك كما وصفه الذي خلقه وأرسله بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)} [القلم: ٤].
وقوله سبحانه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)} [آل عمران: ١٥٩].
والنبي - صلى الله عليه وسلم - خاتم الأنبياء والمرسلين، بعثه الله رسولاً إلى الثقلين الإنس والجن، والإنس والجن كانوا متعبدين بشرائع الرسل قبل محمد - صلى الله عليه وسلم - كما قال سبحانه: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)} [الأنعام: ١٣٠].
وعلى هذا فيكون اختصاص النبي - صلى الله عليه وسلم - بالبعثة إلى الثقلين هو اختصاصه بالبعثة إلى جميعهم لا إلى بعضهم، ومن قبله كان يُبعث إلى طائفة مخصوصة منهم.
والجن كالإنس مثابون معاقبون حسب أعمالهم، وهم مأمورون بالشرائع في الدنيا، ولذلك استحقوا الدرجات في الآخرة حسب أعمالهم كما قال سبحانه: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)} [الأحقاف: ١٩].
والرسل مأمورون بإبلاغ ما أرسلوا به إلى الناس، فهم يتلقون الوحي من الله، ويبلغونه للناس كما قال سبحانه: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩)} [الأنعام: ١٩].
وكلام الله إلى البشر يتم بواحدة من ثلاث:
الأولى: الوحي الذي يلقيه الله في النفس مباشرة، فتعرف أنه من الله عزَّ وجلَّ.
الثانية: أن يكلم الله النبي من وراء حجاب كما كلم الله موسى - صلى الله عليه وسلم -.
الثالثة: أن يرسل الله رسولاً وهو الملك، فيوحي بإذن الله ما يشاء إلى الرسول بإحدى الطرق الآتية:
إحداها: ما كان يلقيه الملك جبريل في رَوْع الرسول وقلبه من غير أن يراه.
الثانية: أن يتمثل الملك للرسول رجلاً، فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول، كما كان يأتيه على صورة دحية الكلبي أحد الصحابة.
الثالثة: أن يأتيه في مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليه، حتى إن جبينه ليتفصد عرقاً في اليوم الشديد البرد، وحتى أن راحلته من شدته لتبرك به إلى الأرض.
الرابعة: أن يرى الملك في صورته التي خلقه الله عليها، فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه، وهذا وقع للنبي - صلى الله عليه وسلم - مرتين:
مرة في الأرض.
ومرة عند سدرة المنتهى في السماء كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)} [النجم: ١٣ - ١٥].
فهذه صور الوحي وطرق الاتصال بالأنبياء: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)} [الشورى: ٥١،٥٢].
مختارات

