فقه القرآن الكريم (٢)
وقد وصف الله كتابه العظيم بوصفين يدلان على أنه كامل من جميع الوجوه وهما:
نفي العوج عنه.
وإثبات أنه مقيم مستقيم.
فنفي العوج يقتضي أنه ليس في أخباره كذب، ولا في أوامره ونواهيه ظلم ولا عبث.
وإثبات الاستقامة يقتضي أنه لا يخبر ولا يأمر إلا بأجل الإخبارات، وهي الأخبار التي تملأ القلوب معرفة وإيماناً ورحمةً وعلماً كالإخبار بأسماء الله وصفاته وأفعاله، ومنها الغيوب المتقدمة والمتأخرة، وأن أوامره ونواهيه تزكي النفوس وتطهرها، وتنميها وتكملها؛ لاشتمالها على كمال العدل والقسط والإخلاص، والعبودية لله رب العالمين وحده لا شريك له.
وفي ذكر التبشير ما يقتضي ذكر الأعمال الموجبة للمبشر به، وهو أن هذا القرآن الكريم قد اشتمل على كل عمل صالح موصل لما تستبشر به النفوس وتفرح به الأرواح في الدنيا بالسعادة والطمأنينة، وفي الآخرة بالجنة ورضوان الله.
ومن أراد أن ينتفع بالقرآن الكريم فليأت إليه بقلب سليم، بقلب خالص، بقلب يتقي الله ويخشاه، فالتقوى في القلب هي التي تؤهله للانتفاع بهذا الكتاب، وعندئذ يتفتح القلب عن أسراره وأنواره، ويسكبها في هذا القلب الذي جاء إليه متقياً: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)} [البقرة: ٢].
والناس عادة لا يتركون عاداتهم في وقت واحد، ولا ينقادون لجميع الأحكام في وقت واحد.
لذا فطم القرآن الكفار عن الشرك وأحيا قلوبهم بنور الإيمان أولاً، وغرس في نفوسهم حب الله ورسوله، والإيمان بالبعث والجزاء ثانياً، ورغبهم في الجنة، وحذرهم من النار، ورغبهم في الأعمال الصالحة بالفضائل، ودعاهم إلى أحسن الأخلاق ثالثاً.
ثم انتقل بهم إلى العبادات فبدأهم بالصلاة التي تصل المخلوق بخالقه، ثم ثنى بالصوم، والزكاة التي تربط المخلوق بالمخلوق، ثم ختم بالحج في السنة التاسعة من الهجرة.
وهكذا.
وكذا فعل في العادات المتوارثة عندهم، زجرهم أولاً عن الكبائر والفواحش، ثم نهاهم عن الصغائر تدرجاً، وحرك نفوسهم وعواطفهم وعقولهم للمحاسن والفضائل.
والقرآن العظيم كتاب كريم.
حكيم.
مجيد.
عزيز.
أحسن كتب الله نظاماً.
وأحسنها بياناً.
فيه تبيان كل شيء.
وتفصيل كل شيء.
وفيه ذكر أعلى شيء وأدنى شيء من الأقوال والأعمال والأحوال والأشخاص والمنازل.
يهز القلوب التي تتفتح له، ويرجف من مواعظه وآياته الفؤاد، بل يتأثر منه الصخر الجامد لو تنزل عليه كما قال سبحانه: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)} [الحشر: ٢١].
وقد كانت الكتب السماوية السابقة أمانة في أعناق البشر، ليحفظوها ويعملوا بها، ولكنهم ضيَّعوها، وحرَّفوها، وبدَّلوها وكتموها، ولم يعملوا بها: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)} [البقرة: ٧٩].
أما القرآن الكريم فقد تكفل الله بحفظه كما قال سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)} [الحجر: ٩].
وسيبقى القرآن إلى يوم القيامة محفوظاً من أي عبث بشري، أو أي تدخل من أي جهة كانت، مهما بذلت من محاولات، ومهما دبر مدبر.
فإن أحداً لن يستطيع أن يمس القرآن بسوء؛ لأن الله حافظه وحاميه.
فمثلاً خط الحفاظ على المنهج والعمل به يتقلص مع مرور الزمن، ومع قلة الوعظ والتذكير، بينما خط حفظ القرآن يعلو ويتضاعف، وإنه لعجيب حقاً أن الخط الإيماني يميل إلى الهبوط، بينما خط حفظ القرآن يعلو ويزداد.
ولكن العجب يزول إذا علمنا أن هناك خطاً يتبع الإرادة البشرية وهو الإيمان، وخطاً يتبع إرادة الله وهو حفظ القرآن.
ولو كان الخطان يتبعان إرادة البشر، لكان من المنطقي أن يسيرا في اتجاه واحد، ومستوى واحد، ولكنهما مفترقان:
أما الخط البشري فيتناقص، وأما الخط الإلهي فيعلو ويزداد.
وقد أنزل الله القرآن تذكرة للعالمين، ليذكر الناس بالصراط المستقيم، ليعلمهم طريق العبادة، والحياة الآمنة الطيبة في الدنيا والآخرة، فالقرآن موجود لكل من أراد أن يتذكر.
فمن أراد الاستقامة وطلبها فالقرآن مذكر له، فإذا أخذت القرآن وبدأت تدرس تعاليمه بهدف الاستقامة هداك الله إلى الصراط المستقيم: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)} [التكوير: ٢٧، ٢٨].
وقد كان المجتمع البشري قبل نزول القرآن مملوءاً بكثير من الأدواء من حروب وقتل وتشريد، وظلم وطغيان، وفساد وفجور، واستعباد وفرقة بين الناس.
القوي يأكل الضعيف.
والدنيا لمن غلب، وما كان لله من الطاعة والعبادة توجهوا به إلى الأصنام والأوثان.
فلما أراد الله شفاء الأمة من هذه الأدواء والأمراض والضلال أرسل الله عبده ورسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم - إلى العالمين بهذا القرآن، ليشفي البشرية من أسقامها، وينقذها من الشقاء الذي تعيش فيه كما قال سبحانه: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: ٨٢].
فشفي الله البشرية بنزول القرآن، واستقر منهج الله في الأرض، وحكم حركة الحياة في أجمل وأحسن قرون البشرية، في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين.
ثم توالت الرحمات من رب العالمين لتمنع الشقاء عن الأمة، وكان النصر وكانت العزة لمن تمسك بهذا الدين.
فإذا حدثت غفلة وابتعد الناس عن المنهج جاءت داءات جديدة ومصائب ثقيلة، فإذا عاد الناس إلى المنهج وإلى تحكيم كتاب الله وسنة رسوله جاء الشفاء، وزال الوباء، وجاءت الرحمة: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)} [الأعراف: ٩٦].
وكل نبي من الأنبياء أوتي آية ليصدقه من أرسل إليهم، ورآها أولئك كآية الطوفان لنوح، وآية الريح لهود ونحوهما.
ولكن الذي أوتيه محمداً - صلى الله عليه وسلم - معجزة وآية هو القرآن الكريم، الذي يعطي عطاء لكل جيل، يختلف عن الجيل الذي قبله، وهو صالح لكل زمان ومكان وإنسان، يداوي أمراض المجتمعات أينما كانت، ومهما كانت.
يحمل العلاج لكل الداءات، ويعالج مشاكل البشرية في أنحاء الأرض: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)} [النحل: ٨٩].
والقرآن الكريم كلام الله عزَّ وجلَّ، وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته: فتارة يتجلى سبحانه في جلباب الهيبة والعظمة والجلال فتخضع الأعناق، وتنكسر الكبرياء، وتخضع النفوس، وتخشع الأصوات.
وتارة يتجلى في صفات الجمال والكمال الدالة على كمال الذات فيستنفد به من قلب العبد قوة الحب كلها، ويصبح فؤاده فارغاً إلا من محبته.
وإذا تجلى سبحانه بصفات الرحمة والبر، واللطف والإحسان، انبعثت قوة الرجاء في العبد فسار إلى ربه، وكلما قوي الرجاء جدَّ في العمل.
وإذا تجلى الرب بصفات العدل والانتقام، والغضب والعقوبة، انقمعت النفس الأمارة بالسوء، وبطلت أو ضعفت قواها من الشهوة والغضب، واللهو واللعب، والحرص على المحرمات.
وإذا تجلى سبحانه بصفات الأمر والنهي، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وشرع الشرائع، انبعثت من النفس قوة الامتثال والطاعة، وتنفيذ أوامره، والتبليغ لها، والتواصي بها.
وإذا تجلى بصفة السمع والبصر والعلم انبعثت من العبد قوة الحياء، فيستحي من ربه أن يراه على ما يكره، أو يسمع منه ما يكره، أو يخفي في سريرته ما يمقته عليه.
فتبقى حركاته وأقواله وأفعاله موزونة بميزان الشرع.
وإذا تجلى سبحانه بصفات الكفاية، والقيام بمصالح العباد، وسوق أرزاقهم، ودفع المصائب عنهم، ونصره لأوليائه، انبعثت من العبد قوة التوكل على ربه، والتفويض إليه، والرضى به.
وإذا تجلى جلَّ جلاله بصفات العز والكبرياء، انبعثت من العبد صفات الذل لعظمة الله، والانكسار لعزته، والخضوع لكبريائه، وخشوع القلب والجوارح لجلاله، فتعلوه السكينة والوقار في قلبه ولسانه وجوارحه.
مختارات

