فقه النبوة والرسالة (٥)
وقد أعطى الله عزَّ وجلَّ كل نبي قوتين:
قوة الدعوة.
وقوة الدعاء.
وبحسب قوة الدعاء والاستجابة والاستقامة تكون سرعة إجابة الدعاء كما قال سبحانه: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)} [الأنبياء: ٨٩، ٩٠].
فهم كانوا يسارعون في الخيرات فسارع الله في استجابة الدعاء الصادر منهم، وهم يدعون ربهم رغبة في رضوانه، ورهبة من غضبه، وقلوبهم وثيقة الصلة بالله، وهم خاشعون لا متكبرون ولا متجبرون.
بهذه الصفات وبهذا اليقين وبهذا العمل استحق زكريا وزوجه أن ينعم عليهما بالابن الصالح يحيى، فكانت أسرة مباركة تستحق رحمة الله ورضاه.
وأحب شيء إلى الأنبياء والرسل أن يجتمع الناس على الدعوة، وأن يدرك الناس ما جاءوا به من عند الله فيتبعوه، وأن يؤمنوا بربهم ويعبدوه.
ولكن العقبات في طريق الدعوة كثيرة، والرسل بشر أجلهم محدود، وهم يحسون هذا ويعلمونه، فيتمنون لو يجذبون الناس إلى دعوتهم بأسرع طريق: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)} [الكهف: ٦].
والله عزَّ وجلَّ يريد أن تمضي الدعوة على أصولها الكاملة، وفق موازينها الشرعية، ثم من شاء أن يؤمن، ومن شاء فليكفر، ولو خسرت الأشخاص في أول الطريق.
فالاستقامة على أصول الدعوة كفيلة أن تثني هؤلاء الأشخاص أو من هم خير منهم في نهاية المطاف.
ويجد الشيطان في تلك الرغبات البشرية، وفي بعض ما يترجم عنها من تصرفات أو كلمات فرصة للكيد للدعوة، وإلقاء الشبهات حولها في النفوس.
ولكن الله سبحانه يحول دون كيد الشيطان، ويحكم الله آياته، فلا تبقى هناك شبهة كما قال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)} [الحج: ٥٢].
وسنة الله جارية في إرسال الرسل لدعوة الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له منذ عهد نوح - صلى الله عليه وسلم - إلى بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم -، كل قرن يستوفي أجله ويمضي، وكلهم يكذبون، فتأخذهم سنة الله في الهلاك، ويصيرون عبرة لمن بعدهم: {مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)} [المؤمنون: ٤٣، ٤٤].
وجميع الأمم يشغلهم عما جاء به الرسول من الآيات البينات والدين القويم الاعتراض على بشرية الرسول، وعلى وضعه ومكانته بينهم كما قال سبحانه: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨)} [المؤمنون: ٤٥ - ٤٨].
وكما قال سبحانه: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)} [الإسراء: ٩٤، ٩٥].
فاستهانوا بهما وكذبوهما لبشريتهما، فأما آيات الله التي معهما، وسلطانه الذي بأيديهما، فكل هذا لا إيقاع له في مثل تلك القلوب المطموسة، سببه انقطاع الصلة بين قلوب هؤلاء الكفار الكبراء المترفين وبين الوحي الإلهي الذي يصل الإنسان بخالقه الكريم.
ومن رحمة الله بالبشرية أن أرسل إلى كل قوم رسولاً منهم، ولكن كفار مكة اعترضوا عليه: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)} [الفرقان: ٧، ٨].
إنه يمشي في الأسواق ليكسب رزقه، فهلا كفاه الله ذلك، وحباه بالمال الكثير من غير كد ولا عمل، أو ألقى إليه كنز يغنيه عن السعي، أو تكون له جنة يأكل منها، هذا ما قالوه.
والله سبحانه لم يرد للأنبياء أشياء تشغلهم عما أرسلهم الله به، فلم يرد لرسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يكون له كنز، ولا أن تكون له جنة؛ لأنه سبحانه أراد أن يكون قدوة كاملة لأمته.
ينهض بتكاليف رسالته العظيمة الهائلة، ويسعى في الوقت ذاته في طلب رزقه كما يسعى رجل من أمته.
وقد انهال المال بعد الهجرة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يدع هذا المال يشغله أو يعطله عن إبلاغ رسالة ربه، فأنفقه في وجوه البر والخير، وكان فرحه بإنفاقه أعظم من فرح الآخذ له.
وكان - صلى الله عليه وسلم - كالريح المرسلة في جوده، وكان أجود ما يكون في رمضان، وذلك ليستعلي على فتنة المال، ويرخص من قيمته في النفوس.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ».
متفق عليه (١).
والله قادر أن يجعل لرسوله الأموال والجنات والقصور والخزائن، ولكنه سبحانه شاء أن يجعل له خيراً من ذلك، وهو الاتصال بالله خالق كل شيء، ومالك كل شيء، ومعطي كل شيء، والشعور برعايته وإحاطته، وتذوق حلاوة ذلك الاتصال الذي لا تقاربه نعمة من النعم، ولا متاع صغر أو عظم: {تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)} [الفرقان: ١٠، ١١].
وفوق هذا فسنة الله في جميع الرسل أنهم يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، فهي سنة مقدرة مقصودة، لها غايتها المرسومة كما قال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)} [الفرقان: ٢٠].
وأي غرابة في أكل الطعام والمشي في الأسواق فهذه سنة الله في جميع البشر، فلا يعترض على ذلك إلا جاهل لا يدرك حكمة الله في تدبير خلقه، فليصبر من يثق بالله وحكمته ونصره، فالله ابتلى الرسل بأممهم، وابتلى الأمم بالرسل، وابتلى الأغنياء بالفقراء، وابتلى الفقراء بالأغنياء؛ ليعلم سبحانه من يصبر على هذا الابتلاء، وينفذ أمر الله فيه.
ولا بد للمسلم من الصبر، وبث الشكوى إلى من بيده مقاليد الأمور، وقد واجه الأنبياء والرسل من أذى البشر ما لا يطيقه إلا من ثبته الله وأعانه، من الكفر والتكذيب، والسخرية والاستهزاء، والضرب والأذى، والتحقير والتنفير، والصد والإعراض.
وقد حكى الله عن رسوله شكواه لقومه أنهم هجروا كتاب ربهم: {وَقَالَ الرَّسُولُيَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)} [الفرقان: ٣٠].
لقد هجروا القرآن الكريم، الذي أنزله الله على عبده لينذرهم ويبصرهم، هجروه فلم يفتحوا له أسماعهم، إذ كانوا يتقون أن يجتذبهم فلا يملكون لقلوبهم عنه رداً، وهجروه فلم يتدبروه ليدركوا الحق من خلاله، ويجدوا الهدى على نوره، وهجروه فلم يجعلوه منهج حياتهم.
وتلك سنة الله في جميع الرسالات، فلكل نبي أعداء يهجرون الهدى الذي جاءهم به، ويصدون عن سبيل الله، ولكن الله يهدي رسله وأتباعهم إلى طريق النصر على أعدائهم كما قال سبحانه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)} [الفرقان: ٣١].
ولله الحكمة البالغة، فإن بروز المجرمين لحرب الأنبياء والدعوات يقوي عودها، ويطبعها بطابع الجد والحزم.
وكفاح أصحاب الدعوات للمجرمين هو الذي يميز الدعوات الحقة من الدعوات الزائفة، وهو الذي يمحص القائمين عليها، ويطرد الزائغين منهم، فلا يبقى بجوارها إلا العناصر المؤمنة القوية المخلصة، التي لا تبتغي مغانم قريبة، ولا تريد إلا الدعوة خالصة تبتغي بها وجه الله تعالى.
ولو كانت الدعوات سهلة ميسورة، تسلك طرقاً ممهدة مفروشة بالأزهار، ولا يبرز لها في الطريق خصوم ومعارضون، ولا يتعرض لها المكذبون والمعاندون، لسهل على كل إنسان أن يكون صاحب دعوة، ولاختلطت دعوات الحق ودعاوى الباطل، ووقعت البلبلة والفتنة، وتمزقت الأمة شيعاً وأحزاباً.
ولكن بروز الخصوم والأعداء للدعوات هو الذي يجعل الكفاح لانتصارها حتماً مقضياً، ويجعل الآلام والتضحيات لها وقوداً، فلا يكافح ويناضل إلا أصحاب دعوة الحق الجادون، الذين يؤثرون الدعوة والحق على كل شيء مهما كان.
فلا يثبت على الكفاح المرير والجهد المتواصل إلا أصلبهم عوداً، وأقواهم إيماناً، وأكثرهم تطلعاً إلى ما عند الله، واستهانة بما عند الناس، عندئذ تتميز دعوة الحق عن دعوة الباطل، وتمضي دعوة الحق في طريقها برجالها الذين ثبتوا عليها، وأولئك هم الأمناء عليها.
والذي يقع غالباً أن أكثر الناس يقف متفرجاً على الصراع بين المجرمين وأصحاب الدعوات، فإذا ثبت أهل الحق ومضوا في طريقهم، قالت الكثرة المتفرجة: إنه لا يمسك أصحاب الدعوة على دعوتهم إلا أن وراءها ما هو أغلى مما يضحون به وأثمن، وعندئذ يتقدمون ليروا ما هو العنصر الغالي الثمين الذي يجاهد هؤلاء من أجله، ويقدمون له حياتهم.
وعندئذ يدخل المتفرجون أفواجاً في هذا الدين بعد طول التفرج على الصراع.
فمن أجل هذا كله جعل الله لكل نبي عدواً من المجرمين، وجعل المجرمين يقفون في وجه دعوة الحق، وحملة الدعوة يكافحون المجرمين، فيصيبهم ما أصابهم وهم ماضون في الطريق، ولهم إحدى الحسنيين إما النصر، وإما الشهادة كما قال سبحانه: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)} [التوبة: ٥٢].
إن بروز المجرمين في طريق الأنبياء أمر طبيعي، فدعوة الحق إنما تجيء في أوانها لعلاج فساد واقع في الجماعة أو في البشرية:
فساد في القلوب.
وفساد في الأخلاق.
وفساد في النظم.
وفساد في الحكم.
وفساد في الأوضاع.
ووراء هذا الفساد العام الطام يكمن المجرمون المفسدون، الذين ينشؤون الفساد من ناحية، ويستغلونه من ناحية، والذين تتفق مشاربهم مع هذا الفساد، وتتنفس شهواتهم في جوه الوبيء.
فأمر عادي أن يبرز المجرمون للأنبياء وللدعوات دفاعاً عن وجودهم، واستبقاءًللجو الذي يملكون أن يتنفسوا فيه.
وبعض الحشرات يختنق برائحة الأزهار العبقة، ولا يستطيع الحياة إلا في المقاذر، وبعض الديدان يموت في الماء الطاهر الجاري، ولا يستطيع الحياة إلا في المستنقع الآسن، وكذلك المجرمون.
ولكن دعوة الحق تنتصر في النهاية؛ لأنها تسير وفق أمر الله، موافقة للفطرة: {وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)} [الفرقان: ٣١].
وهناك فئة من الناس يعاندون ويستهزؤون بالأنبياء والدعاة، والأنبياء لم يقصروا في الدعوة، ولم يقصروا في الحجة، إنما العلة فيهم أنفسهم، فهم يجعلون من هواهم إلهاً يعبدونه، ولا يرجعون إلى حجة أو برهان.
فهذا النوع من الناس غير قابل للهدى، وغير صالح لأن يتوكل الرسول بأمره، ولا أن يحفل بشأنه، وقد أشار الله إلى هؤلاء بقوله: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)} [الفرقان: ٤٣].
ثم يخطو القرآن خطوة أخرى في تحقير هؤلاء الذين يعبدون هواهم، فيسويهم بالأنعام التي لا تسمع ولا تعقل، ثم يخطوة الخطوة الأخيرة فيدحرجهم من درجة الأنعام إلى درك أسفل وأحط كما قال سبحانه: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)} [الفرقان: ٤٤].
وقد أمر الله عزَّ وجلَّ رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالاستقامة على دين الله الثابت، المستند على فطرة الله التي فطر الناس عليها فقال: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)} [الروم: ٣٠].
فهذا الدين هو العاصم من الأهواء والشهوات والشبهات، وبهذا يربط بين فطرة النفس البشرية وطبيعة هذا الدين، وكلاهما من الله.
والله الذي خلق القلب البشري، هو الذي أنزل إليه هذا الدين ليحكمه ويصرفه، والفطرة ثابتة والدين ثابت، لا تبديل لخلق الله، فإذا انحرفت النفوس عن الفطرة لم يردها إليها إلا هذا الدين المتناسق مع الفطرة، فطرة البشر وفطرة الوجود: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)} [الروم: ٣٠].
وقد اختار النبي - صلى الله عليه وسلم - لنفسه ولأهل بيته معيشة الكفاف، لا عجزاً عن حياة المتاع، فقد عاش حتى فتحت له الأرض، وكثرت الغنائم، ومع هذا فقد كان يمضي الشهر والشهران وما يوقد في بيوته نار، مع جوده بالصدقات والهبات والهدايا، ولكن ذلك كان اختياراً للاستعلاء على متاع الحياة الدنيا، ورغبة خالصة فيما عند الله، رغبة الذي يملك ولكنه يقف ويستعلي ويختار.
ولم يكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مكلفاً من عقيدته ولا من شريعته أن يعيش مثل هذه المعيشة التي أخذ بها نفسه وأهل بيته.
فلم تكن الطيبات محرمة في عقيدته وشريعته، ولم يحرمها على نفسه حين كانت تقدم إليه عفواً بلا تكلف، وتحصل بين يديه مصادفة واتفاقاً، لا جرياً وراءها، ولا تشهياً لها، ولا انشغالاً بها، ولا انغماساً فيها.
ولم يكلف أمته أن تعيش عيشته التي اختارها لنفسه، إلا أن يختارها من يريد استعلاءً على اللذائذ والمتاع.
ولكن نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - كن نساءً من البشر، لهن مشاعر البشر، وعلى فضلهن وقربهن من ينابيع النبوة الكريمة، فإن الرغبة الطبيعية في متاع الحياة ظلت حية في نفوسهن، فلما رأين السعة والرخاء بعدما أفاض الله على رسوله والمؤمنين راجعن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أمر النفقة، فلم يستقبلها بالرضا والترحيب، إنما استقبلها بالأسى وعدم الرضا، إذ كانت نفسه ترغب أن تعيش فيما اختاره لها، متجردة من الانشغال بذلك الأمر.
وأن تظل حياته وحياة من يلوذ به على ذلك الأفق السامي، بالتحرر من هواتف شهوات هذه الأرض الرخيصة، وأن تظل القيم الإسلامية العالية ممثلة ومترجمة في بيت النبوة، الذي سيبقى منارة للإسلام والمسلمين حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
فنزلت آية التخيير لنسائه، فإما الحياة الدنيا وزينتها، وإما الله ورسوله والدار الآخرة كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)} [الأحزاب: ٢٨، ٢٩].
فاختارت نساؤه الله ورسوله والدار الآخرة اختياراً مطلقاً، ففرح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بارتفاع قلوب أزواجه إلى هذا الأفق السامي الوضيء.
ولمكانة أمهات المؤمنين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهن أزواجه، ومحل القدوة لنساء العالمين، ولهن حقوق وعليهن واجبات؛ تبعاً للمكان الذي هن فيه، يناسب مقامهن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال سبحانه: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)} [الأحزاب: ٣٠].
فالعذاب يضاعف للمقارفة ضعفين، كما أن الأجر يضاعف على الطاعة والقنوت ضعفين كما قال سبحانه: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)} [الأحزاب: ٣١].
وهن لسن كأحد من النساء، عليهن واجبات في معاملة الناس، وفي عبادة الله، وفي بيوتهن، وأمهات المؤمنين أطهر نساء على وجه الأرض، ومن عداهن من النساء أحوج إلى هذه الوسائل والتوجيهات.
فللمؤمنات مكانة عالية بين نساء العالمين، فعليهن أن يوفين هذا المكان حقه، ويقمن فيه بما يقتضيه: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)} [الأحزاب: ٣٢ - ٣٤].
فهذه حال سيد المرسلين، وهذه أوامر نسائه، وهذا ما ينبغي أن تكون عليه نساء المؤمنين بين نساء العالمين إلى يوم القيامة.
إن النبوة والرسالة منهج إلهي تعيشه البشرية وفق أمر الله، وحياة الرسول هي النموذج الواقعي للحياة وفق ذلك المنهاج الإلهي، النموذج الذي يدعو قومه إلى الاقتداء به وهم بشر، فلا بدَّ أن يكون رسولهم من البشر؛ ليحقق نموذجاً من الحياة يملكون هم أن يتبعوه.
ومن ثم كانت حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - معروضة لأنظار أمته، وقد سجل القرآن الكريم هذه الحياة بوصفها تلك الصفحة المعروضة لأنظار أمته على مدار السنين والقرون:
حياته الشخصية.
وحياته المنزلية.
وحياته الأسرية.
وعباداته ومعاملاته.
ومعاشراته وأخلاقه.
وجهاده وغزواته.
وأحواله في سفره وإقامته.
وصحته ومرضه.
وسننه في حال الأكل والشرب.
والنوم واليقظة.
واللباس والركوب.
والسلم والحرب.
والغنى والفقر.
وهكذا.
حتى خطرات قلبه سجلها القرآن لتطلع على كل ذلك الأجيال، وتقتدي بها، وتسير على هديها إلى يوم القيامة كما قال سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)} [الأحزاب: ٢١].
وقد أرسل الله الرسل مبشرين من أطاع الله بالجنة، ومنذرين من عصى بالنار، فيا حسرة على العباد تتاح لهم فرصة الفوز والفلاح، وفرصة النجاة، فيعرضون عنها، وأمامهم مصارع الهالكين قبلهم، لا يتدبرونها ولا ينتفعون بها.
ويفتح الله لهم أبواب رحمته بإرسال الرسل إليهم الحين بعد الحين، ولكنهم يجافون أبواب الرحمة، ويسيئون الأدب مع الله: {يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)} [يس: ٣٠].
إن في إهلاك المكذبين الأولين عظة لمن يتدبر، فما بال الإنسان يرى مصارع الظالمين المخزية، ثم يسير مندفعاً في ذات الطريق والغرور يملي له؟.
إن جميع الخلق عائدون إلى الله، وليسوا بمتروكين ولا مفلتين من حساب الله بعد حين: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)} [يس: ٣١، ٣٢].
إن العجب من أن يكون الرسول بشراً قاله كل قوم، وتعللوا به منذ بدء الرسالات، وتكرر إرسال الرسل من البشر، وظل البشر مع هذا يكررون الاعتراض.
ومن البلاء أن يكون أوجب شيء وأقربه إلى أن يكون هو الذي كان دائماً موضع العجب، فأي سفه فوق هذا؟.
{وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)} [الإسراء: ٩٤، ٩٥].
فما المانع أن يكون الرسول من البشر، يدرك كيف يفكر الناس، ويعرف ما يستطيعه البشر وما لا يستطيعونه من جهد وعمل، يعيش بينهم، ويكون قدوة لهم، وتكون لهم فيه أسوة، وهم يحسون أنه واحد منهم، بشر منهم، من جيلهم خرج، وبلسانهم يتكلم، يعرفون لغته، ويفهمون عنه، ويتجاوبون وإياه.
ومن ثم لا تقوم بينه وبينهم جفوة لاختلاف جنسه، أو اختلاف لغته، أو اختلاف طبيعة حياته، أو تفصيلات حياته.
فلم العجب مما خلافه هو العجب: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤)}.
[ص: ٤].
والرسول - صلى الله عليه وسلم - شاهد على هذه البشرية التي أرسل إليها، يشهد أنه بلغها ما أمر به، وأنها استقبلته بما استقبلت به، وأنه كان منها المؤمنون، ومنها الكافرون، ومنها المنافقون، وكان منها الصالحون، ومنها المفسدون، فيؤدي الشهادة كما أدى الرسالة كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)} [الأحزاب: ٤٥ - ٤٧].
والمكذبون للرسل لهم طبيعة واحدة، وجبلة واحدة، يستقبلون بها الحق والرسل: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)} [الذاريات: ٥٢، ٥٣].
وما تواصوا بشيء لأنهم لم يلتقوا، وإنما هي طبيعة الطغاة والطغيان وتجاوز الحق في كل جيل.
والله جل جلاله يوجه الأنبياء وأتباعهم ألا يحفلوا بهؤلاء المكذبين، وأن يستمروا بالتذكير مهما أعرض المعرضون، وكذب المكذبون: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)} [الذاريات: ٥٤، ٥٥].
فالتذكير هو وظيفة الأنبياء والرسل وأتباعهم، والهدى والضلال خارجان عن هذه الوظيفة، والأمر فيها لله وحده لا شريك له.
والله عزَّ وجلَّ أرسل رسله بالبينات والبراهين، وأنزل معهم الكتاب والميزان لتحقيق العبودية لله رب العالمين كما قال سبحانه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)} [الحديد: ٢٥].
فكل الرسالات جاءت رحمة من رب العالمين لتقر في الأرض وفي حياة الناس ميزاناً ثابتاً ترجع إليه البشرية لتقويم الأعمال، والأحداث، والأشياء، والرجال، والنساء، وتقيم عليه حياتها في مأمن من اضطراب الأهواء، واختلاف الأمزجة، وتصادم المصالح والمنافع.
ميزاناً عادلاً لا يحابي أحداً؛ لأنه يزن بالحق الإلهي للجميع، ولا يحيف على أحد؛ لأن الله رب الجميع.
هذا الميزان هو الدين الذي أنزله الله، وأرسل به رسله، هو الضمان الوحيد للبشرية من العواصف والزلازل والاضطرابات التي تحيق بها في معترك الأهواء، والعواطف، والمنافسة، وحب الذات.
فلا بدّ من ميزان ثابت يؤوب إليه البشر، فيجدون عنده الحق والعدل والإنصاف بلا محاباة، ليقوم الناس بالقسط وفق مراد الله.
وكما أنزل الله الكتاب والميزان، فكذلك أنزل الحديد فيه بأس شديد، ومنافع للناس، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، وهذه إشارة إلى الجهاد بالسلاح، والذين ينصرون الله ورسله بالغيب، إنما ينصرون منهجه ودعوته ودينه، أما الله سبحانه فلا يحتاج إلى نصر من أحد، فإن الله قوي عزيز.
والله تبارك وتعالى وكل الأنبياء والرسل بنشر الهداية والدعوة إلى الله كما وكل الشمس بالإنارة، ووكل السحب بنقل المياه وتوزيعها في العالم.
فوظيفة الرسل الدعوة إلى الله، وإقامة حياة الناس على منهج الله الذي أرسلهم به إليهم، ليعبد الناس كلهم إلهاً واحداً لا إله إلا هو كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)} [النحل: ٣٦].
وهذه الأمة مكلفة بما كلف الله به الأنبياء والرسل، وقد شرفهم الله بالقيام بذلك، وأسوتهم الأنبياء كما قال سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦)} [الممتحنة: ٦].
وقال سبحانه: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)} [يوسف: ١٠٨].
فمن كان يرجو الله واليوم الآخر فليتأسى بإبراهيم والذين معه، فله فيهم أسوة تتبع، وسابقة تهدي، في الدعوة والعبادة، وإقامة الدين في الأرض.
ومن أراد من هذه الأمة أن يتولى عن هذا المنهج، من أراد أن يحيد عن طريق القافلة، من أراد أن يقصر عن الصراط المستقيم، من أراد أن ينسلخ من هذا النسب العريق، فما بالله من حاجة إليه، فهو سبحانه: {هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨)} [يونس: ٦٨].
وقد جاءت الرسالات الإلهية كلها بوحدانية الله، وخلقه لهذا الوجود، ورعايته وتدبيره لكل كائن في الوجود، ودعوة الخلق إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وإقامة حياتهم على منهج الله.
وإنما جاء الانحراف عن العقيدة الإيمانية من أتباعها، فبدا أنها لم تأت بالتوحيد الخالص، أو لم تأت بهيمنة الله وتدبيره لكل كائن، فهذا كله من التحريف الطارئ لا من أصل الديانة.
فدين الله واحد منذ أول الرسالات إلى خاتمة الرسالات، ويستحيل أن ينزل الله ديناً يخالف هذه القواعد.
لكن الرسالة الخاتمة التي جاء بها محمد - صلى الله عليه وسلم - أوسع وأدق وأشمل وأكمل من كل تصور سابق في الشرائع الإلهية السابقة.
وهذا متفق مع طبيعة الرسالة ومهمتها الأخيرة، ومع الرشد البشري الذي جاءت هذه الرسالة لتخاطبه وتوجهه، وتنشئ فيه هذا التصور الكامل الشامل بكل مقتضياته وفروعه وآثاره؛ ليدرك القلب البشري بمقدار ما يطيق حقيقة الألوهية وعظمتها، ويشعر بالقدرة الإلهية، ويراها في آثارها المشهودة في الكون، ويعيش في مجال هذه القدرة، وبين آثارها التي لا تغيب عن الحس والعقل والإلهام، ويراها محيطة بكل شيء، مهيمنة على كل شيء، مدبرة لكل شيء، حافظة لكل شيء، ولا يندّ عنها شيء، سواء في ذلك القليل والكثير، والصغير والكبير، والجليل والحقير.
وأن يعيش القلب البشري في حساسية مرهفة، وخشية وخوف، وطمع ورجاء، وأن يمضي في الحياة معلقاً في كل حركة وكل خالجة بالله، شاعراً بقدرته وهيمنته، شاعراً بعلمه ورقابته، شاعراً بقهره وجبروته، شاعراً برحمته وفضله، شاعراً بقربه منه في كل حال، وأخيراً يشعر بالوجود كله متجهاً إلى خالقه، فيتجه معه مسبحاً بحمد ربه، فيشاركه تسبيحه، مدبراً بأمره وحكمته، فيخضع لشريعته وأوامره: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)} [التغابن: ١].
والله سبحانه: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)} [الجن: ٢٦، ٢٧].
فكل رسول عبد لله، وهذا وصفه في أعلى درجاته ومقاماته، وظيفته الدعوة إلى الله، أما الغيب فهو مختص بالله دون العالمين، لا يعلمه أحد إلا الله، فلا يظهر على غيبه أحداً، إلا ما يطلع عليه رسله، في حدود ما يعاونهم على تبليغ دعوته إلى الناس، فما كان ما يوحي به إليهم إلا غيباً من غيبه، يكشفه لهم في حينه، ويكشفه لهم بقدر، ويرعاهم وهم يبلغونه، ويراقبهم كذلك.
فالرسل الذين يرتضيهم الله لتبليغ دعوته يطلعهم على جانب من غيبه هو هذا الوحي، موضوعه وأحكامه، وقصصه وأخباره، والملائكة الذين يحملونه، ومصدره، وحفظه في اللوح المحفوظ.
وهو سبحانه في الوقت ذاته يحيط هؤلاء الرسل بالأرصاد والحراس من الحفظة للحفظ والرقابة، يحمونهم من وسوسة الشيطان ونزغه، ومن وسوسة النفس وتمنيها، ومن الضعف البشري في أمر الرسالة، ومن النسيان أو الانحراف، ومن سائر ما يعترض البشر من النقص والضعف.
إنها الرقابة الدائمة الكاملة للرسول وهو يؤدي هذا الأمر العظيم.
إنه يتلقى التكليف بالبلاغ، ولا يملك إلا أن يؤدي ما أمره به ربه.
فالله عالم بكل ما لديه.
وكل ما في قلبه.
وكل ما حوله.
ليس متروكاً لنفسه.
ولا متروكاً لضعفه.
ولا متروكاً لهواه.
ولا متروكاً لما يحبه ويرضاه.
إنما هو الجد الصارم، والرقابة الدقيقة من ربه، فهو يعلم ما حوله من الحرسوالرصد، ويعلم ما هو مسلط عليه من علم وكشف، ويعلم من يراقبه، ويعلم من يحصي عليه أقواله وأفعاله: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)} [المائدة: ٦٧].
إنه موقف يثير العطف على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعلى كل مسلم، كما يثير الرهبة حول هذا الشأن الخطير.
حقاً إن إنذار البشرية وإيقاظها وتخليصها من الشر في الدنيا، ومن النار في الآخرة، وتوجيهها إلى طريق الخلاص قبل فوات الأوان، إن ذلك كله واجب ثقيل شاق حين يناط بفرد من البشر مهما يكن نبياً رسولاً.
فالبشرية من الضلال والعصيان، والتمرد والانحراف، والعتو والعناد، والإصرار والاستكبار، يجعل من الدعوة أصعب شيء، وأثقل ما يكلفه إنسان في هذه الحياة لولا عون الله وتوفيقه.
ولكن الله يصطفي ويختار من يصلح لهداية البشرية، ويربيهم ويهديهم، ويوفقهم ويعينهم على حمل الأمانة العظمى.
إن الله عزَّ وجلَّ يأمر رسوله بإنذار البشرية كافة، ويوجهه في خاصة نفسه بعد إذ كلفه نذارة غيره إلى تكبير ربه كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)} [المدثر: ١ - ٣].
كبر ربك وحده، فهو وحده الكبير الذي يستحق التكبير، فكل شيء، وكل أحد، وكل مخلوق، وكل قيمة، وكل كائن صغير، والله وحده هو الكبير، والسموات والأرض، والأجرام والأحجام، والأحداث والأحوال، كلها تتوارى وتنمحي في ظلال الجلال والكمال لله الواحد الكبير المتعال: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)} [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
وهو توجيه للرسول - صلى الله عليه وسلم - ليواجه نذارة البشرية ومتاعبها وأهوالها وأثقالها بهذا التصور، وبهذا الشعور، وبهذا النظر.
فيستصغر كل كيد، وكل قوة، وكل عقبة، وكل شخصية، وهو يستشعر أن ربه الذي دعاه ليقوم بهذه المهمة والنذارة هو الكبير الذي بيده كل شيء ومشاق الدعوة وأهوالها في حاجة دائمة إلى استحضار هذا التصور، وهذا الشعور.
ويوجهه ربه كذلك إلى التطهر كما قال سبحانه: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)} [المدثر: ٤].
فالطهارة هي الحالة المناسبة للتلقي من الملأ الأعلى، وهي ألصق شيء بهذه الرسالة، وهي ضرورة لملابسة الإنذار والتبليغ.
ومزاولة الدعوة في وسط التيارات والأهواء تحتاج من الداعية إلى الطهارة الكاملة كي يملك استنقاذ الملوثين دون أن يتلوث.
ويوجهه كذلك إلى هجران الشرك، وموجبات العذاب كما قال له سبحانه: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)} [المدثر: ٥].
ويوجهه كذلك إلى إنكار ذاته، وعدم المن بما يقدمه من الجهد، أو استكثاره واستعظامه كما قال سبحانه: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)} [المدثر: ٦].
وهو - صلى الله عليه وسلم - سيقدم الكثير، وسيبذل الكثير، وسيقوم بالكثير من الجهد والتضحية والعناء، ولكن ربه يريد منه ألا يظل يستعظم ما يقدمه، ويستكثره ويمتن به.
وهذه الدعوة لا تستقيم في نفس تحس بما تبذل فيها، فالبذل فيها من الضخامة بحيث لا تحتمله النفس إلا حين تنساه، بل حين لا تستشعره من الأصل؛ لأنها مستغرقة في الشعور بالله، شاعرة بأن كل ما تقدمه هو من فضله ومن عطاياه، فهو فضل يمنحها الله إياه، وعطاء يختارها له، ويوفقها لنيله.
وهو اختيار واصطفاء وتكريم، يستحق الشكر لله لا المن والاستكثار.
وأخيراً يوجهه الله إلى الصبر لربه كما قال له: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)} [المدثر: ٧].
والصبر وصية الله لكل رسول، وهي الوصية التي تتكرر عند كل تكليف بهذه الدعوة.
فالصبر هو الزاد الأصيل في هذه المعركة الشاقة، وهي الدعوة إلى الله، المعركة المزدوجة مع شهوات النفوس، وأهواء القلوب، ومع أعداء الدعوة الذين تقودهم شياطين الشهوات، وتدفعهم شياطين الأهواء، وهي معركة طويلة عنيفة، لا زاد لها إلا الصبر الذي يقصد فيه وجه الله.
ومنهج الله تبارك وتعالى الذي أرسل به رسله كلهم واحد، وهو الإيمان بالله وعبادته وحده لا شريك له، وإقامة الحق والعدل بين الناس.
وكان كل رسول يؤمن بمن قبله، ويوصي أمته أن ينصروا الرسول المقبل، وقد أخذ الله الميثاق على الأنبياء، وكان هذا الميثاق أن كل رسول يأتي في عصر رسول آخر يؤمن به كما حدث بالنسبة لإبراهيم ولوط مثلاً، فقد أرسلا في عصر واحد، هذا يعالج داءً، وهذا يعالج داءً آخر، وكان كل منهما مؤمناً بالآخر.
وإن لم يكن النبي الآخر في عصره أوصى أمته بالإيمان به ونصرته وطاعته.
فرسالة الله عزَّ وجلَّ للبشرية، في جوهرها واحدة كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: ٣٦].
وقال سبحانه: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)} [آل عمران: ٨١].
فالدعوة إلى منهج الله واحدة منذ أول الخلق حتى نهايته، فلا يتعصب قوم لملتهم ولا لنبيهم؛ لأنهم جميعاً يبلغون عن إله واحد منهجاً واحداً.
فموكب الرسل موكب واحد متلاحم متعاضد متكامل، ولا يجوز لنبي ولا تابع نبي أن يصادم دعوة الرسول الذي يأتي بعده، ما دام مصدقاً لما بين يديه، ومزيداً عليه، وبذلك يزداد موكب الإيمان ولا ينقص.
فرب الناس هو الله، وعدو المؤمنين هو الشيطان، والكفار في كل زمان ومكان.
فكل من تولى وأعرض عن الرسول الجديد الذي جاء مصدقاً لما معهم، ومبيناً لهم بعض الذي اختلفوا فيه، فهذا يكون قد حارب موكب الإيمان، وفرق المؤمنين، وفسق عن الإيمان وخرج عنه.
لذلك فكل من أعرض وأعطى ظهره للنبي الجديد يقول الله عنه: {فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)}.
[آل عمران: ٨٢].
والفسق هو الخروج عن منهج الله لعباده، وقد أوجب الله علينا أن نأخذ الكمال الإيماني من مواكب الرسل جميعاً.
وما من رسول أتى وهاجم منهج الرسول الذي قبله أو سفهه أو أنكره.
بل كل رسول من رسل الله جاء مصدقاً بمن قبله، مبشراً بمن بعده، فمن آمن بهذا الرسول، وكفر بمن قبله من الرسل، فإنما هو بهذا خارج عن منهج الله؛ لأن الرسالات السماوية في جوهرها واحد، وفي مصدرها واحد: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)} [البقرة: ١٣٦].
والحقيقة: أن رفض الإيمان بالرسول الجديد له أسباب، وهذه الأسباب هي التي تدفع الذين اعتنقوا منهج الرسول السابق من تصديق الرسول الجديد.
وهؤلاء قد حرفوا وبدلوا منهج رسولهم لفائدتهم، ووضعوا منه ما لم يأمر به الله، وما لم يقله رسوله، ثم نسبوه إلى الله افتراءً وكذباً.
وهذا التحريف والتبديل، هو الذي يمنعهم من اتباع الرسول الجديد؛ لأن الرسول الجديد جاء بمنهج حق، يجردهم من ميزات الدنيا التي وضعوها لأنفسهم ومصالحهم، ونسبوها إلى الله ظلماً وعدواناً: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)} [البقرة: ٧٩].
فهل هؤلاء من المؤمنين وهم يقدمون أكل الدنيا على الإيمان بالرسول الجديد؟ وهل يمكن أن يقال إن هؤلاء بقوا على إيمانهم، أم أنهم خرجوا عن منهج الله؟والله سبحانه تكرم على البشرية بإنزال منهج يحيط بالإنسان في جميع أحواله، فلا تجد تصرفاً بشرياً إلا وله أمر من الله يستوعبه كما قال سبحانه: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)} [النحل: ٨٩].
فمنهج الله الذي أرسل به رسوله - صلى الله عليه وسلم - يحيط بحياة الإنسان إحاطة كاملة.
وفيه شفاء للبشرية، وحل مسائلها إلى يوم القيامة.
فلا أحد يترك منهج الله وخاتم رسله إلا أن يكون له غرض شخصي، منهج يوافق هواه، فيترك منهج السماء، ويتبع منهجاً وضعه البشر، ولكن لماذا؟
إن الإنسان عادة لا يحب أن يتبع مساوياً له، بل لا بد أن يكون الذي يتبعه أعلى منه؛ لأن عنده ما لا يملكه، فيتبعه للحصول عليه، ولكنه يتنازل عن هذا، ويتبع منهجاً بشرياً من مساو له، وذلك حين تتلاقى المصالح والأهواء، ويحلل الحرام، ويباح كل منكر، فحينئذ يتبع الإنسان منهج الإنسان.
فالأمم والشعوب حين تترك منهج الله، الذي هو عدل لا هوى فيه، والذي يعطي كل إنسان حقه، والذي هو أمن وأمان للجميع، حين تترك منهج الله وتتبع منهج البشر فذلك من هوى النفس: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)} [القصص: ٥٠].
ومن عناية الله ببني آدم وكمال رحمته بهم أن أرسل إليهم رسلاً مبشرين ومنذرين، منهم من قص الله علينا أخبارهم، ومنهم من لم يقص علينا أخبارهم، وذلك ليعلم الناس أن هناك مواكب للرسل.
ومن رحمة الله بعباده أنه لم يرسل رسولاً واحداً فقط كما نور الكون كله بشمس واحدة فقط لماذا؟
لأن الله عزَّ وجلَّ لو أرسل رسولاً واحداً في أول البشرية بتعاليم من الله، ثم بعد ذلك تعاقبت الأجيال، وأخفى كل جيل جزءاً من رسالة الله لضاعت الرسالة كلها.
ولجئنا يوم القيامة مجادلين بأن ما وصلنا عن الله سبحانه وتعالى هو غير ما أراده الله سبحانه، وهنا لا يكون الحساب عدلاً.
ولكن الله سبحانه وتعالى أرسل مواكب الرسل لتبين وتظهر ما حرف في الرسالات السابقة، وما أخفي عن الناس، وما نسي بقدم العهد.
وكل رسول يعالج الأدواء التي حدثت في زمنه، والانحراف عن منهج الله الذي حصل، وكان هناك أكثر من رسول في وقت واحد كإبراهيم ولوط، ويوسف ويعقوب، وموسى وهارون صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
ثم جاء الكتاب الخاتم وهو القرآن الكريم، الذي جاء به الرسول الخاتم محمد - صلى الله عليه وسلم -، وتكفل الله بحفظه إلى يوم القيامة، ليصل إلى العباد كما أنزله الله، ليس فيه إخفاء ولا تحريف ولا تبديل.
كما قال سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)} [الحجر: ٩].
وجميع الأنبياء جاءوا بدعوة التوحيد كما قال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)} [الأنبياء: ٢٥].
أما شرائعهم فهي مختلفة كما قال سبحانه: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: ٤٨].
فكل إنسان بفطرته التي فطره الله عليها يستطيع أن يهتدي بعقله إلى أن هناك خالقاً لهذا الكون، وهو الله وحده، ولكنه لا يستطيع أن يعرف ما هي مرادات الله من خلقه؟ ولا كيف يعبد الله؟ ولا كيف يشكر الله على نعمه؟ ولا يعرف ما يحب الله؟ ولا ما يبغض الله؟.
ولا يعرف ما هو الجزاء على الطاعات والمعاصي؟ ولا اليوم الآخر، ولا الجنة ولا النار؟.
ولذلك أرسل الله الرسل لبيان ذلك كله كما قال سبحانه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)} [النحل: ٤٤].
فالرسل أرسلهم الله سبحانه مبلغين لمنهج الله، مفصلين أحكام دينه، مبشرين من أطاعوه بالجنة، منذرين من عصوه بالنار، مثبتين للذين آمنوا أمام أحداث الدنيا وتقلباتها، وجعلهم أسوة للعباد في جميع أحوالهم ليقتدوا بهم، فمن اقتدى فقد اهتدى كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)} [الأعراف: ١٥٨].
وجاءت رسل الله لتبشر خلق الله برحمة الله، وإنعامه عليهم في الدنيا والآخرة.
فهو سبحانه بعد أن خلق لهم النعم في الدنيا، ثم خلقهم فيها، زادهم فضلاً على فضل بأن خلق لهم الجنة لينعموا بها في الآخرة، فهو سبحانه رحمان الدنيا والآخرة، ورسوله رحمة للناس في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)} [الانبياء: ١٠٧].
ومن رحمة الله تبارك وتعالى أن أرسل الرسل من البشر، يختارهم منهم، حتى يكون الرسول شهيداً على من أرسل إليهم يوم القيامة.
فإن قالوا إن هذا المنهج كلفنا ما لا نطيق، كانت هذه الحجة مردوداً عليها، فإن هذا المنهج طبقه بشر مثلكم، ولم يتحمل فوق ما يطيق، وكان مثلاً لكم تحتذون به، فالتكليف مناسب للمكلف به.
ولو أرسل الله إلى البشر ملكاً لقال الناس هذا ملك مخلوق من نور، ونحن مخلوقون من طين، وله قدرات فوق قدرتنا.
ولكن كون الرسول بشراً، وكونه من بين قومه، وكونه يطبق المنهج، يسقط حجة هؤلاء جميعاً: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)} [الإسراء: ٩٤،٩٥].
والرسل تهدي إلى طريق الحق والهدى، وتبين للناس أحكام الدين وتهديهم إلى الطريق المستقيم، وتوضح لهم سبله كما قال سبحانه لرسوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)} [الشورى: ٥٢،٥٣].
أما قبول الناس للهدى والدين أو عدم قبولهم له فذلك بيد الله وحده، فهو الذي يعلم من يستحق الهداية ويطلبها فيسوقها إليه، ويعلم من لا يستحق ذلك ممن لا خير فيه فيصرفه عنها كما قال سبحانه: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)} [القصص: ٥٦].
ومدار السعادة في الدنيا والآخرة وعنوان الفلاح إنما يكون بطاعة الله ورسوله، وكل رسول مأمور أن يبلغ ما أرسل به إلى الناس بلاغاً تقوم به الحجة، وليس بيده من هداية الناس شيء، ولا من حسابهم شيء، وإنما يحاسبهم على أعمالهم من الطاعات والمعاصي عالم الغيب والشهادة كما قال سبحانه: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢)} [التغابن: ١٢].
وهذا القرآن الكريم فيه كل ما يسعد العباد في الدنيا والآخرة، وبه يصلون إلى أعلى المقامات في الدنيا والآخرة، لما اشتمل عليه من العلوم الشريفة، والسنن والآداب، والأحكام والشرائع، والأخلاق العالية، والترغيب والترهيب، وأحوال اليوم الآخر، حتى يستقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار.
فما الذي دهى الأمة حتى أعرضت عنه، ونبذت أحكامه وسننه وشرائعه؟
إن هذا الدين الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من ربه حق واجب لكل إنسان، فيجب إيصاله إليه ودعوته إليه، حتى لا تكون فتنة وفرقة وخلاف، ويكون الدين كله لله: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)} [إبراهيم: ٥٢].
وقد جمع الله للأنبياء بين الصديقية والنبوة، كما قال سبحانه: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١)} [مريم: ٤١].
والصديق كثير الصدق، فهو الصادق في أقواله وأفعاله وأحواله، المصدق بكل ما أمر بالتصديق به، وذلك يستلزم العلم العظيم الواصل إلى القلب، المؤثر فيه، الموجب لكمال اليقين، والعمل الصالح الكامل.
وجمع لهم بين النبوة والرسالة، فالرسالة تقتضي تبليغ كلام الرسل، وتبليغ ما جاء به من الشرع دقه وجله.
والنبوة تقتضي إيحاء الله إليه، وتخصيصه بإنزال الوحي إليه، فالنبوة بينه وبين ربه، والرسالة بينه وبين الخلق، كما قال سبحانه: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١)} [مريم: ٥١].
والنبي - صلى الله عليه وسلم - ولد يتيماً.
ونشأ مسكيناً.
وعاش فقيراً.
ومع ذلك أمره الله بأمر عظيم، وهو إبلاغ رسالة الله ودينه إلى الناس كافة، وما أعطي لإبلاغ ذلك شيئاً من الملك والأموال والأسباب؛ لأن معه معية الله ونصرته، التي أيد بها رسله.
فنصره الله على قوم يقينهم أن الفوز والفلاح في الأموال والدولة، ومعهم قوة الأسباب، ويقينهم أن قضاء الحاجات في أيدي الأوثان والأصنام.
ووقف أهل الأرض في وجهه، ولكن الله نصره عليهم مع قلة الأسباب؛ لأن النصر ليس بيد الأسباب، بل بيد الناصر وحده لا شريك له كما قال سبحانه: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)} [غافر: ٥١].
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٦) واللفظ له، ومسلم برقم (٢٣٠٨).
مختارات

