فقه النبوة والرسالة (٤)
فكل دين جاء به الرسل يقوم على أربعة أصول:
الأول: الإيمان بالله وحده لا شريك له، والتوجه إليه، والاستعانة به في جميع الأحوال.
الثاني: الشعائر التعبدية التي تربط المخلوق بخالقه كالصلاة ونحوها.
الثالث: الشرائع والأحكام التي تنظم حياة الناس وفق أمر الله.
الرابع: الأخلاق العالية التي تهذب النفوس، وتزكي القلوب.
فالدين الحق الذي يريده الله وأرسل به رسله يقوم على هذه الأصول الأربعة جميعاً، فلا يمكن أن ينفك الإيمان عن الشعائر التعبدية، عن الشرائع والأحكام، عن القيم الأخلاقية، في أي دين يريد أن يصرف حياة الناس وفق المنهج الإلهي.
وأي انفصال لهذه المقومات يبطل عمل الدين في النفوس وفي الحياة، ويخالف مفهوم الدين الذي أراده الله عزَّ وجلَّ.
فالدين تنظيم كامل وشامل لحياة الناس كلها، لا يقتصر على المشاعر الوجدانية وحدها، ولا يقتصر على العبادات والشعائر وحدها، ولا يقتصر على الجانب التهذيبي للأخلاق وحده، ولا ينفصل فيها الجانب التشريعي عن الجانب الروحاني التعبدي الأخلاقي.
وبدون هذه الأمور مجتمعة لا يكون دين على الإطلاق كما قال سبحانه محذراً من فعل بعضها وترك الآخر: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)} [البقرة: ٨٥].
فتوحيد الرب وعبادته وطاعته، وطاعة رسوله، والتخلق بأخلاقه، واتباع الشرائعوالسنن التي جاء بها، والدعوة إلى ذلك، والصبر عليه، هذا هو الصراط المستقيم، وما عداه عوج وضلال وانحراف كما قال سبحانه: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)} [الأنعام: ١٥٣].
وهذا الدين الذي جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستطيع أن يلتقط الفرد الإنساني، بل المجموعة الإنسانية، من أي مستوى؟ ومن أي درجة؟ ومن أي جنس؟.
ويرفعها لتدرج في مدارج العز والعلا، والأمن والطمأنينة، والسعادة في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)} [آل عمران: ١٠٣].
والله عزَّ وجلَّ أرسل الرسل لهداية البشرية إلى الحق، ولتطاع بإذن الله، لا لمجرد الإبلاغ والإقناع كما قال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)} [النساء: ٦٤].
فإذا آمن الناس بالله فلا بدَّ أن يعملوا بدينه، ويتحاكموا إلى شرع الله ممثلاً في القرآن والسنة، ولا يكفي أن يتحاكموا إليه ليحسبوا مؤمنين، بل لا بدَّ أن يتلقوا حكمه مسلمين راضين كما قال سبحانه: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)} [النساء: ٦٥].
ولا بدَّ للمؤمنين أن يطيعوا الله، ويطيعوا الرسول، وأولي الأمر منهم، وترد المسائل التي تشكل إلى الله ورسوله كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)} [النساء: ٥٩].
وكل نبي أرسله الله إلى قومه بسلطان مبين، فشريعة الله سلطان من الله، وكلشريعة غير شريعة الله ما أنزل الله بها من سلطان، وما جعل فيها من سطوة على القلوب، بل كلها عذاب وشقاء وإن لوحت بما تحبه النفوس، لذلك تستهين القلوب بالشرائع والقوانين التي يسنها البشر لأنفسهم، ولا تنفذها إلا تحت عين الرقيب، وسيطرة الجلاد القاسي، فأما شريعة الله فالقلوب تخضع لها، ولها في النفوس مهابة وخشية، وقد أرسل الله الأنبياء والرسل إلى أممهم يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويبشرونهم بما أعد الله للمؤمنين الطائعين من نعيم ورضوان، وينذرونهم ما أعده الله للكافرين والعصاة من جحيم وغضب: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)} [النساء: ١٦٥].
وكل الأنبياء تلقوا الوحي من الله، وكلهم جاءوا بوحي واحد لهدف واحد: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣)} [النساء: ١٦٣].
فهو موكب واحد يضم هذه الصفوة المختارة من بني البشر، موكب من الأنبياء والرسل من شتى الأقوام والأجناس، وشتى البقاع والأرضين، في شتى الأوقات والأزمان.
لا يفرقهم نسب ولا جنس، ولا أرض ولا وطن، ولا لغة ولا لون، ولا وقت ولا زمن.
كلهم آت من ذلك المصدر الكريم، وكلهم يحمل ذلك النور الهادي، وكلهم يؤدي الإنذار والتبشير، وكلهم أرسله الله رحمة بالعباد، ليأخذ بزمام القافلة البشرية إلى ذلك النور.
سواء منهم من جاء لعشيرة، ومن جاء لقوم، ومن جاء لمدينة، ومن جاء لقطر، ثم من جاء للناس أجمعين وهو محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاتم الأنبياء، وسيد المرسلين: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩)} [الحديد: ٩].
ولله الحجة البالغة الظاهرة البينة في الأنفس والآفاق، وقد أعطى الله البشر من العقول ما يتدبرون به دلائل الإيمان في الأنفس والآفاق، وكان ذلك كافياً ليؤمنوا بالله سبحانه، ولكنه سبحانه رحمة منه بعباده، وتقديراً لغلبة الشهوات على تلك الأداة العظيمة التي أعطاها الله لهم وهي العقل، اقتضت رحمته وحكمته أن يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، يذكرونهم ويبصرونهم، ويحاولون استنقاذ فطرتهم، وتحرير عقولهم من غلبة الهوى، وركام الشهوات التي تحجب عنها أو تحجبها عن دلائل الهدى، وموجبات الإيمان في الأنفس والآفاق كما قال سبحانه لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: {كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)} [الأعراف: ٢].
فالله رؤوف بالعباد، اقتضت رحمته بالناس أن لا يؤاخذهم على الشرك والكفر حتى يرسل إليهم الرسل، على الرغم مما أودعه فطرتهم من الاتجاه إلى ربها، فقد تضل هذه الفطر بسبب البيئة.
وعلى الرغم مما أعطاهم من قوة العقل والإدراك، فالعقل قد يضل وينهزم تحت ضغط الشهوات.
وعلى الرغم مما في كتاب الكون المفتوح من آيات بينات، فقد تتعطل أجهزة الاستقبال كلها أو بعضها في كيان الإنسان.
لقد ناط الله تبارك وتعالى بالرسل والأنبياء مهمة استنقاذ الفطر مما ران عليها من ركام الشهوات، واستنقاذ العقول من الانحراف، واستنقاذ البصائر والحواس من الانطماس.
وجعل سبحانه العذاب مرهوناً بالتكذيب والكفر بعد البلاغ والإنذار كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)} [النحل: ٣٦].
وهذه الحقيقة كما أنها تصور رحمة الله بهذا الإنسان وفضله عليه، كذلك هي تدل على أن الفطرة والعقل والحواس والبصائر لا تعصم من الضلال، ولا تهدي إلى يقين، ولا تصبر على ضغط الشهوات ما لم تساندها العقيدة، وما لم يضبطها الدين.
فالله جل جلاله إنما يرسل رسله رحمة بعباده، فهو الغني الذي له ما في السموات وما في الأرض، فهو غني عنهم، وعن إيمانهم به، وعبادتهم له، وإذا آمنوا وأحسنوا فإنما يحسنون لأنفسهم في الدنيا والآخرة: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)} [العنكبوت: ٦].
كذلك تتجلى رحمته سبحانه في الإبقاء على الجيل العاصي الظالم المشرك وهو القادر على أن يهلكه، وينشئ جيلاً آخر يستخلفه كما قال سبحانه: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)} [الأنعام: ١٣٣].
فلا ينسى الناس كلهم أنهم موجودون بأمر الله، وأنهم باقون برحمة الله، وأن بقاءهم معلق بمشيئة الله، وأن ما في أيديهم من سلطان إنما خولهم الله إياه.
فما لأحد في نشأته ووجوده من يد، وما لأحد فيما أعطيه من السلطان من قدرة، وأنتم أيها الكفار لستم بمعجزين، إنكم في يد الله وقبضته، ورهن مشيئته وقدره، فلستم بمفلتين أو مستعصين، ويوم الحشر ينتظركم، وإنه لآت لا ريب فيه، ويوم ذاك لن تعجزوا القوي المتين: {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤)} [الأنعام: ١٣٤].
وسنة الله عزَّ وجلَّ مع الناس حين تجيئهم الرسالة فيكذبون أن يأخذهم أولاً بالضراء والبأساء، لعل هذا يهز قلوبهم الغافية فتستيقظ وتستجيب، ولعل المصيبة إذا أصابتهم أخضعت نفوسهم فتضرعوا إلى الله، واستكانوا للحق فإذا لم تهزهم يد البأساء، وكلهم الله إلى الرخاء وهو أشد فتنة من البأساء، حتى تلتبس عليهم سنة الله ولا ينتبهوا لها، ثم يأخذهم بعد ذلك بغتة وهم لا يشعرون كما قال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)} [الأعراف: ٩٤، ٩٥].
وكل قوم يُنظرون حتى يجيء رسولهم فينذرهم ويبين لهم، وبذلك يستوفون حقهم الذي أوجبه الله على نفسه، بأن لا يعذب قوماً إلا بعد الرسالة، وبعد الإعذار لهم بالبيان، وعندئذ يقضي بينهم بالقسط حسب استجابتهم للرسول كما قال سبحانه: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧)} [يونس: ٤٧].
والأمر كله لله، وليس لأحد من الأمر شيء، وعلى الرسل والأنبياء والدعاة إبلاغ دين الله، والهداية بيد الله وحده، يسوقها لمن يستحقها ويطلبها، ويمنعها من لا يستحقها ولا يطلبها: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)} [فاطر: ٨].
وجميع الأنبياء والرسل دعوا أقوامهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فمنهم من آمن، ومنهم من كذب.
وهؤلاء المكذبون لا يسكتون عن الحق وأهله، فيؤذون الرسل وأتباعهم، ويسبونهم ويسخرون منهم.
وبعد الإنذار الطويل، والتذكير الطويل، والتكذيب الطويل، لا بدَّ أن ينتصر الله لأوليائه من أعدائه.
فيتوجه النبي إلى قومه متحدياً لهم، متوكلاً على ربه، مستعيناً به وليس معه إلا الإيمان بربه، القوة التي تصغر أمامها القوى، وتتضاءل أمامها الكثرة، ويعجز أمامها التدبير.
إنه الإيمان بالله العزيز الجبار، الذي يصل صاحبه بمصدر القوة الكبرى المهيمنة على هذا الكون بما فيه.
وليس هذا التحدي غروراً ولا تهوراً ولا افتخاراً، إنه تحدي القوة الحقيقية الكبرى للقوة الهزيلة الفانية التي تتضاءل مهما كانت أمام أصحاب الإيمان كما قال الله لرسوله: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١)} [يونس: ٧١].
قال نوح - صلى الله عليه وسلم - لقومه: إن كان الأمر بلغ منكم مبلغ الضيق، فلم تعودوا تتحملون بقائي فيكم، وتذكيري لكم بآيات الله، فأنتم وما تريدون، وأنا ماض في طريقي، لا أعتمد إلا على الله وحده فهو حسبي.
أما أنتم فأجمعوا أمركم، وخذوا أهبتكم متضامنين غير مترددين، ثم اقضوا إلي، ونفذوا ما عزمتم عليه بشأني، ولا تنظروني ولا تمهلوني للأهبة والاستعداد.
فكل استعدادي هو اعتمادي على الله وحده دون سواه، فهو مولاي وناصري ممن بغى علي وآذاني، ولو كانوا جميع أهل الأرض فربي لهم بالمرصاد.
أرأيت قوة اليقين في قلوب الأنبياء؟.
إنه التحدي الصريح المثير، الذي لا يقوله قائل إلا وهو مطمئن إلى ربه، مالئ يديه من قوته، واثق كل الوثوق من عدته، حتى ليغري خصومه بنفسه، ويثيرهم بمثيرات القول على أن يهاجموه.
فماذا كان مع نوح - صلى الله عليه وسلم - من القوة والعدد والعساكر؟.
إنه الإيمان الذي يصله بربه، الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير.
وأصحاب الدعوة إلى الله لهم أسوة برسل الله، وأنه ينبغي أن تمتلئ قلوبهم بالثقة بالله حتى تفيض، وإن لهم أن يتوكلوا على الله وحده، ويقفوا في وجه الطاغوت أياً كان.
ولن يضرهم الطاغوت إلا أذىً يسيراً ابتلاء من الله، لا عجزاً منه سبحانه عن نصرة أوليائه، ولا تركاً لهم ليسلمهم إلى أعدائه، ولكنه الابتلاء الذي يمحص القلوب والصفوف، ثم تعود الكرة للمؤمنين، ويحق وعد الله لهم بالتمكين كما قال سبحانه: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١)} [آل عمران: ١١١].
والله سبحانه يقص قصة نوح وهو يتحدى قوة الطاغوت في زمانه، هذا التحدي الواضح الصريح: {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)} [يونس: ٧٢].
إنه لا ينقص أجري بتوليكم وإعراضكم، فإن أجري على الله، ولن يزحزحني هذا عن عقيدتي، فقد أمرت أن أسلم نفسي كلها لله.
فماذا كان من أمر الله؟، وماذا حصل لنوح ومن آمن به؟، وماذا حصل لمن كفر به؟.
{فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)} [يونس: ٧٣].
وعجل الله سبحانه إعلان نجاة نوح والمؤمنين معه؛ لأن نوحاً والمؤمنين معه كانوا يواجهون خطر التحدي للكثرة الكافرة، فلم تكن النصرة مجرد إهلاك هذه الكثرة، بل كان قبلها نجاة القلة المؤمنة من جميع الأخطار، واستخلافها في الأرض تعيد تعميرها، وتجديد الحياة فيها على منهج الله فترة من الزمان.
هذه سنة الله في الأرض، وهذا وعده لأوليائه، ووعد الله آت لا محالة بنصر أوليائه وخذلان أعدائه.
وقد تتوافر القوة لمن لا يحكمون شريعة الله في قلوبهم ولا في مجتمعهم، ولكنها قوة إلى حين، حتى تنتهي الأمور إلى نهايتها الطبيعية وفق سنة الله، وتتحطم هذه القوة التي لم تستند إلى أساس ركين، إنما استندت إلى جانب واحد من السنن الكونية كالعمل والنظام ووفرة الإنتاج.
وهذه وحدها لا تدوم؛ لأن فساد الحياة بالكفر والمنكرات والفواحش يقضي عليها بعد حين حتماً، فإذا تميزت الأمة المسلمة بدينها عن الأمة الكافرة، وتمايز الفريقان ووقف جند الرحمن أمام جند الشيطان، كانت قوة الله مع المؤمنين، والقوة الهزيلة مع المخلوقين.
فيحق وعد الله بنصر رسله وأوليائه مع أعدائه مع قلتهم وقلة عددهم، وكثرة عدوهم وكثرة أسلحتهم فـ: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)} [البقرة: ٢٤٩].
وهود - صلى الله عليه وسلم - أرسله الله إلى قومه عاد، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له فقال: {يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠)} [هود: ٥٠].
فأبوا وأصروا على كفرهم، واغتروا بما هم عليه من النعيم، وما وهبهم الله من القوة والبطش والغلظة: {قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣)} [هود: ٥٣].
وبعد هذا لم يبق لهود إلا التحدي وإلا التوجه إلى الله وحده، والاعتماد عليه وحده، وإلا الوعيد والإنذار الأخير للمكذبين الظالمين، فماذا قال لهم؟ وبأي شيء واجه قوتهم؟.
{قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥)} [هود: ٥٤، ٥٥].
وإن الإنسان ليدهش حقاً لرجل فرد يواجه قوماً غلاظاً شداداً حمقى، فيسفه أحلامهم وعقيدتهم، ويقرعهم ويؤنبهم، ثم يهيج ضراوتهم بالتحدي، ولا يطلب مهلة ليستعد استعدادهم، ولا يدعهم يتريثون فيفتأ غضبهم.
إنه لأمر عجيب أن يقتحم هذا الاقتحام رجل فرد على قوم غلاظ شداد، ولكن الدهشة تزول عندما يعلم الإنسان أنه رسول الله، والله معه، والإيمان يملأ قلبه، وإذا كان الله معه فلماذا يخاف البشر؟.
إنه يقول بإيمان الواثق من ربه: {قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥)} [هود: ٥٤، ٥٥].
ثم تجمعوا أنتم وهذه الآلهة التي تزعمون أن أحدها مسني بسوء، ثم كيدوني بلا تريث ولا تمهل، فما أبالي بكم جميعاً: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)} [هود: ٥٦].
إن ربي ورب الخلائق قوي قاهر، وهؤلاء الغلاظ الأشداء من قومه إن هم إلا دواب من تلك الدواب التي يأخذ ربه بناصيتها، ويقهرها بقوته قهراً.
فما خوفه من هذه الدواب؟، وما احتفاله بها؟
وإن توليتم فقد أديت واجبي لله، ونفضت يدي من أمركم لتواجهوا قوة الله سبحانه، ويستخلف ربي قوماً غيركم، يليقون بتلقي دعوته، ويستقيمون على هدايته بعد إهلاككم، ولا تضرونه شيئاً فما لكم به من قوة.
والله حافظ دينه وسننه ورسله وأولياءه من الأذى والضياع: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧)} [هود: ٥٧].
فلما أصروا على كفرهم وعنادهم وتكذيبهم لرسولهم أنزل الله بهم عقوبته، فأرسل عليهم الريح العقيم التي ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم كما قال سبحانه: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)} [الحاقة: ٦ - ٨].
وحقت عليهم لعنة الله بسبب كفرهم واستكبارهم كما قال سبحانه: {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)} [هود: ٥٩، ٦٠].
وقد بعث الله الأنبياء والرسل إلى أقوامهم وأممهم، فبلغوا ما أمرهم الله به، ثم توفاهم الله، وسوف يجمع الله يوم القيامة بين الرسل ومن أرسلوا إليهم، وسيسألهم جميعاً كما قال سبحانه: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)} [الأعراف: ٦، ٧].
وسوف يجمع الله الرسل يوم القيامة ويسألهم ماذا أجبتم كما قال سبحانه: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)} [المائدة: ١٠٩].
سوف يجمع الله هؤلاء الرسل الذين فرقهم في الزمان فيتتابعوا على مداره، وفرقهم في المكان فذهب كل إلى قريته، وفرقهم في الأجناس فذهب كل إلى قومه، وكلهم يدعون إلى الله بإذنه.
سيجمعهم الله على مشهد من الملأ الأعلى.
وعلى مشهد من الناس أجمعين.
إنه الاستجواب الذي يراد به المواجهة.
مواجهة البشرية برسلها.
ومواجهة المكذبين من هذه البشرية خاصة برسلهم الذين كانوا يكذبونهم ليعلن في موقف الإعلان أن هؤلاء الرسل إنما جاءوا من عند الله بدين الله.
فيعلنون أمام ربهم الذي أرسلهم أنه أعلم بهم وبأممهم، وأعلم بمن أجابهم، وأعلم بمن عصاهم؟.
وسوف يسأل الناس كلهم يوم القيامة عن أمرين:
{مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)} [القصص: ٦٥].
{أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢)} [الشعراء: ٩٢].
وفي ختام الاستجواب كلمة الفصل من رب العالمين: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)} [المائدة: ١١٩].
واختيار الرسل للرسالة موكول إلى علم الله المحيط بمن يليق بهذا الأمر، فالرسالة أمر هائل خطير، أمر كوني من الرب لعبد من عباده، يتصل فيه الملأ الأعلى بعالم الإنسان المحدود، وتتصل فيه السماء بالأرض، والدنيا بالآخرة، ويتمثل فيه الحق الكلي في قلب بشر، وفي واقع الناس.
ويتجرد فيه الإنسان من حظ ذاته ليخلص لتحقيق مراد ربه، ويصبح موصولاً بهذا الحق ومصدره صلة مباشرة كاملة.
ولا تتم هذه الصلة إلا إذا كان الإنسان صالحاً للتلقي المباشر الكامل بلا عوائق ولا موانع، فليس أي أحد يصلح للرسالة والنبوة.
والله وحده هو الذي يعلم أين يضع رسالته، ويختار لها الذات التي تصلح أن ترسل من بين كافة البشر: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)} [الأنعام: ١٢٤].
والذين يتطلعون إلى مقام الرسالة هم أولاً لا يصلحون لهذا الأمر، وهم جهال لا يدركون خطورة هذا الأمر الهائل، ولا يعلمون أن الله وحده هو الذي يقدر بعلمه على اختيار الرجل الصالح.
وقد جعلها الله سبحانه حيث علم، واختار لها أكرم خلقه وأخلصهم، وجعل الرسل هم ذلك الرهط الكريم من لدن نوح حتى انتهت إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - خير خلق الله، وخاتم النبيين: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦)} [الحج: ٧٥، ٧٦].
وحياة الرسل والأنبياء وأتباعهم مملوءة بالابتلاء، وذلك لتربية قلوبهم على اليقين والصبر، لتتوجه إلى الله في جميع الأحوال كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - حين سئل من أشد الناس بلاء؟ فقال: «الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» أخرجه الترمذي وابن ماجه (١).
وكم تبلغ الشدة والكرب والضيق في حياة الرسل وهم يواجهون الكفار والمشركين، وأهل الإصرار والجحود، والعمى وأهل العناد.
وتمر عليهم الأيام وهم يدعون فلا يستجيب لهم أحد إلا القليل، وتكر الأعوام والباطل في قوته وكثرة أهله، والمؤمنون في عدتهم القليلة وقوتهم الضئيلة.
إنها ساعات حرجة في حياة الرسل والباطل ينتفش ويطغى، ويبطش ويغدر، والرسل ينتظرون الوعد، فلا يتحقق لهم في هذه الأرض، فتهجس في خواطرهم الهواجس.
وما يقف الرسول هذا الموقف إلا وقد بلغ الكرب والحرج والضيق فوق ما يطيقه البشر في هذه اللحظة التي يستحكم فيها الكرب، ويأخذ فيها الضيق بمخانق الرسل، ولا تبقى ذرة من الطاقة المدخرة، في هذه اللحظة يجيء النصر كاملاً حاسماً فاصلاً: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)} [يوسف: ١١٠].
تلك سنة الله في الدعوات، لا بدَّ من الشدائد، ولا بدَّ من الكرب، حتى لا تبقى بقية من جهد، ولا بقية من طاقة، ثم يجيء النصر بعد اليأس من كل أسبابه الظاهرة التي يتعلق بها الناس، يجيء النصر من باب واحد من عند الله العزيز الحكيم، فينجو الذين يستحقون النجاة.
وينجون من الهلاك الذي يأخذ المكذبين.
وينجون من البطش والعسف الذي يسلطه عليهم المتجبرون.
ويحل بأس الله ونقمته بالمجرمين، فلا يحسبن أحد أن شأن الدعوة هين، وشأن الإيمان سهل، بل لا بدَّ من الابتلاء: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)} [البقرة: ٢١٤].
وذلك كي لا يكون النصر رخيصاً، فتكون الدعوات هزلاً، فلو كان النصر رخيصاً لقام في كل يوم دعي بدعوة لا تكلفه شيئاً، والأدعياء لا يتحملون تكاليف الدعوة، فلا بدَّ من الابتلاء والصبر في محل الشدائد التي لا يصمد لها إلا الصادقون، الذين لا يتخلون عن دعوة الله ولو ظنوا أن النصر لا يجيئهم في هذه الحياة.
إن الدعوة التي كلف الله وشرف بها الأنبياء وأتباعهم ليست تجارة قصيرة الأجل، قد تخسر فيتركها إلى أخرى أقرب ربحاً وأيسر حصيلة.
إن الذي ينهض بالدعوة إلى الله في المجتمعات الجاهلية يجب أن يوطن نفسه على أنه لا يقوم برحلة مريحة، ولا يقوم برحلة مادية قريبة الأجل.
إنما ينبغي له أن يستيقن أنه يواجه طواغيت يملكون القوة والمال، ويملكون استخفاف العامة، ويملكون تأليب الأمة على الدعاة إلى الله باستثارة شهواتها، وتهديدها بأن أصحاب الدعوة إلى الله يريدون حرمانها من هذه الشهوات.
ويجب أن يستيقنوا أن الدعوة إلى الله كثيرة التكاليف، وأنه لن ينضم إليها في أول الأمر الأقوام المستضعفة المستخفة الطائشة، إنما ينضم إليها الصفوة المختارة التي تؤثر حقيقة هذا الدين على الراحة والسلامة.
وهم وإن كانوا قلة فإن الله يفتح بينهم وبين قومهم بالحق بعد جهاد يطول أو يقصر، وعندئذ فقط يدخل الناس في دين الله أفواجاً كما حصل ذلك في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأخبر الله عنه بقوله: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)} [النصر: ١ - ٣].
وقد أرسل الله كل رسول بلسان قومه، ليتمكن من إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، وليبين لهم، وليفهموا عنه، فتتم الغاية من الرسالة.
وعلى الرسول البيان والبلاغ، أما ما يترتب على ذلك من هدى أو ضلال فلا قدرة له عليه، وليس خاضعاً لرغبته، إنما هو من شأن الله الذي وضع الله له سنة {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)} [القصص: ٥٦].
فمن سار على درب الضلال ضل، ومن سار على درب الهدى وصل، وهذا وذاك يتبع مشيئة الله التي شرعت سنته في الحياة كما قال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)} [إبراهيم: ٤].
والرسول - صلى الله عليه وسلم - دعا قومه إلى الإسلام حتى عم الإسلام الجزيرة العربية، ومن ثم
تكون مهداً يخرج منه حملة رسالة محمد إلى سائر بقاع الأرض في كل زمان.
والحقيقة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعث برسائله إلى خارج الجزيرة العربية يدعو إلى الإسلام تصديقاً لرسالته إلى الناس كافة، ولكن الذي قدره الله له حسب عمره البشري المحدود أن يبلغ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قومه بلسانهم، وأن تتم رسالته إلى البشرية كافة عن طريق حملة هذه الرسالة إلى أصقاع الأرض وقد كان.
فلا تعارض بين رسالته للناس كافة، ورسالته بلسان قومه في تقدير الله وفي واقع الحياة.
ومن رحمة الله بعباده أن جعل لكل قوم هاد منهم: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)} [آل عمران: ١٦٤].
ألا ما أعجب البشر، بدل أن يعتزوا باختيار الله لواحد منهم ليحمل رسالته إليهم، فإنهم لجهالتهم ينكرون هذا الاختيار، ويجعلونه مثار ريبة في الرسل المختارين كما قال سبحانه: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)} [الإسراء: ٩٤].
وما المانع أن يختار الله بشراً رسولاً، ويمن عليه ببعثته إلى الناس؟.
والرسل لا ينكرون بشريتهم، ولكنهم يوجهون الأنظار إلى منَّة الله عليهم في منحهم ما يؤهلهم لحمل الأمانة الكبرى: {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)} [إبراهيم: ١١].
وهي منَّة ضخمة لا على أشخاص الرسل وحدهم، ولكن كذلك على البشرية التي تتشرف باختيار أفراد منها لهذه المهمة العظمى، مهمة الاتصال والتلقي من الملأ الأعلى، وهي منَّة كبرى على البشرية جمعاء.
إن الله تبارك وتعالى ربى الأنبياء على الإيمان والتقوى، فواجهوا الطغيان بالإيمان، وواجهوا الأذى بالصبر والثبات؛ لأنهم مطمئنون إلى ربهم متوكلون عليه، فما لهم بغيره من حاجة كما قال الرسل لأممهم: {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)} [إبراهيم: ١٢].
إنها كلمة المطمئن إلى موقفه وطريقه، المالئ يديه من وليه وناصره، المؤمن بأن الله الذي يهدي السبيل لا بدَّ أن ينصر ويعين.
والقلب الذي يحس أن يد الله سبحانه تقود خطاه، وتهديه السبيل، هو قلب موصول بالله القوي العزيز، فلا يتردد في المضي في الطريق مهما كانت العقبات.
وماذا يهم المسلم حتى ولو لم يتم النصر في الدنيا، إذا كان هو قد ضمن هداية السبيل كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)} [العنكبوت: ٦٩].
وماذا يخاف القلب الموصول بالله؟ وماذا يخيفه من أولئك العبيد لربه؟.
وقد حاول المشركون في مكة فتنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أوحى الله إليه، ليفتري على ربه غيره وهو الصادق الأمين، ولكن الله عصم رسوله من الفتنة وثبته على الحق، ولو تخلى عنه سبحانه لركن إليهم فاتخذوه خليلاً كما قال سبحانه: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)} [الإسراء: ٧٣ - ٧٥].
هذه المحاولات التي عصم الله منها رسوله هي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائماً، محاولة إغرائهم لينحرفوا ولو قليلاً عن استقامة الدعوة، ويرضوا بالحلول الوسط التي يغرونهم بها في مقابل مغانم كثيرة يأخذونها.
ومن حملة الدعوة من يفتن بهذا عن دعوته؛ لأنه يرى الأمر هيناً، فأصحاب السلطان لا يطلبون منه أن يترك دعوته كلية، إنما يطلبون تعديلات وتنازلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق، ولا ريب أن الانحراف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق.
والذي يقبل التسليم أول مرة لا يمكن أن يقف عند ما سلم به أول مرة؛ لأن استعداده للتسليم يتزايد.
إن كل جانب من جوانب الدعوة في نظر المؤمن هو حق كالآخر، وليس فيها فاضل ومفضول، وليس فيها ضروري ونافلة، وليس فيها ما يمكن الاستغناء عنه: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤)} [الزخرف: ٤٣، ٤٤].
وأصحاب السلطان يستدرجون الدعاة، فإذا سلموا في جزء فقدوا هيبتهم وحصانتهم، وعرف المتسلطون أن استمرار المساومة، ورفع السعر، ينتهيان إلى تسليم الصفقة كلها.
والتسليم في جانب ولو يسير من جوانب الدعوة لكسب أصحاب السلطان إلى صفها إنما هو هزيمة روحية بالاعتماد على أصحاب السلطان في نصرة الحق والدعوة، وهذا خلل كبير في الاعتقاد، فالله وحده هو الذي يعتمد عليه المؤمنون في دعوتهم، وفي جميع أمورهم، وهو نعم المولى ونعم النصير، فما حاجتنا إلى غيره؟.
ومتى دبت الهزيمة في أعماق القلوب فلن تنقلب الهزيمة نصراً، لذلك امتن الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن ثبته على ما أوحي إليه، وعصمه من فتنة المشركين له، ووقاه من الركون إليهم، ورحمه من عاقبة هذا الركون، وهو عذاب الدنيا والآخرة مضاعفاً، وفقدان المعين والنصير.
وعندما عجز المشركون عن استدراج الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى هذه الفتنة حاولوا استفزازه من الأرض أي مكة، ولكن الله أوحى إليه أن يخرج هو مهاجراً، لما سبق في علمه من عدم إهلاك قريش بالإبادة، ولو أخرجوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - عنوة وقسراً لحل بهم الهلاك كما قال سبحانه: {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧)} [الإسراء: ٧٦، ٧٧].
وقد جعل الله عزَّ وجلَّ هذه سنة جارية لا تتحول؛ لأن إخراج الرسل كبيرة تستحق التأديب الحاسم الفوري.
وهذا الكون تصرفه بأمر الله سنن مطردة لا تتحول أمام اعتبار فردي، فلما لم يرد الله أن يأخذ قريشاً بعذاب الإبادة كما أخذ المكذبين من قبل لحكمة يعلمها لم يرسل الرسول بالخوارق، ولم يقدر أن يخرجوه عنوة، بل أوحى الله إليه بالهجرة، ومضت سنة الله في طريقها لا تتحول.
وصاحب الدعوة غني بربه، يعلم أن مولاه ناصره ولا بدّ، ولا يمكن أن يستمد السلطان إلا من الله، ولا يمكن أن يهاب إلا بسلطان الله، ولا يمكن أن يستظل بحاكم أو ذي جاه لينصره ويمنعه ما لم يكن اتجاهه قبل ذلك إلى الله.
والدعوة قد تغزو قلوب ذوي السلطان والجاه فيصبحون لها جنداً وخدماً فيفلحون، ولكنها هي لا تفلح إن كانت من جند السلطان وخدمه إلا أن يكون السلطان وخدمه من جندها، فهي من أمر الله، وهي أعلى من ذوي السلطان والجاه: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠)} [الإسراء: ٨٠].
والله تبارك وتعالى يربي أنبياءه ورسله ويبتليهم؛ لتزكو قلوبهم، ويستعدوا لأعباء الرسالة، سواء كان الابتلاء بتكذيب قومهم لهم وإيذائهم كما في قصة نوح وهود، وصالح وشعيب، وإبراهيم ولوط صلوات الله وسلامه عليهم.
أو كان الابتلاء بالنعمة كما في قصة داود وسليمان، أو كان الابتلاء بالضر كما في قصة أيوب، فلا بدَّ من الصبر على تكاليف الرسالة وأعباء الدعوة وانتظار نصر الله لأوليائه: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)} [الأنعام: ٣٤].
وقد أرسل الله يونس - صلى الله عليه وسلم - إلى قرية نينوى فدعا أهلها إلى الله فاستعصوا عليه، فضاق بهم صدراً، وغادرهم مغاضباً، ولم يصبر على معاناة الدعوة معهم، ظاناً أن الله لن يضيق عليه الأرض فهي فسيحة، والأقوام متعددون، والقرى كثيرة.
وقاده غضبه إلى شاطئ البحر فوجد سفينة مشحونة فركب فيها مع الركاب، حتى إذا كانت في لجة البحر ثقلت، فقال ربانها إنه لا بد من إلقاء أحد ركابها في البحر لينجو سائر من فيها من الغرق، فساهموا فجاء السهم على يونس، فألقوه فالتقمه الحوت مباشرة بأمر الله واستلمه وضيق عليه أشد الضيق.
فلما كان يونس في الظلمات، ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، نادى ربه كما قال سبحانه: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)} [الأنبياء: ٨٧].
إن الدعوة إلى الله هي أم الأعمال، وأجورها أعظم الأجور، فلا بدَّ لأصحابها أن يتحملوا تكاليفها، وأن يصبروا على التكذيب بها، والإيذاء من أجلها:
{فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)} [الروم: ٦٠].
وتكذيب الصادق الواثق مرير على النفس حقاً ولكنه بعض تكاليف الرسالة، فلا بدَّ من الصبر والتأني والرفق والحلم مهما واجه الداعية من الإنكار والتكذيب والعتو والجحود: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)} [الأنعام: ٣٣].
ولا بدَّ من استحياء القلوب بكل وسيلة، ولا بدَّ من محاولة العثور على العصب الموصل، ولمسة واحدة قد تحول الإنسان تحويلاً تاماً من الشر إلى الخير، ومن الظلام إلى النور: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)} [الحديد: ١٧].
إنه من السهل على صاحب الدعوة أن يغضب؛ لأن الناس لا يستجيبون لدعوته، فيهجر الناس، إنه عمل مريح قد يهدأ به الغضب، وتهدأ الأعصاب، ولكن أين هي الدعوة؟.
وما الذي عاد إليها من هجران المكذبين المعارضين؟.
إن الداعية أداة في يد الله، والله أرعى لدعوته وأحفظ، فليؤد هو واجبه في كل ظرف، وفي كل جو، والبقية على الله، والهدى هدى الله: {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥) إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)} [الأنعام: ٣٥، ٣٦].
(١) حسن صحيح: أخرجه الترمذي برقم (٢٣٩٨) وهذا لفظه، صحيح سنن الترمذي رقم (١٩٥٦).
وأخرجه ابن ماجه برقم (٤٠٢٣)، صحيح سنن ابن ماجه رقم (٣٢٤٩).
مختارات

