فقه النبوة والرسالة (٣)
وقد أرسل الله تبارك وتعالى الرسل إلى الأمم بالحق:
فمنهم من قبل الحق ثم تركه واعتمد على الأسباب وهم اليهود، فهؤلاء في النار، ومنهم من قبل الحق ثم ضل عنه وهم النصارى، فهؤلاء في النار: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)} [المائدة: ٦٨].
ومنهم من قبل الحق وأخذ بالأسباب وتوكل على الله، فهؤلاء في الجنة لكن يعذبون بقدر ما تركوا من الحق.
ومنهم من قبل الحق وأخذ بالأسباب ودعا إلى الحق وتوكل على الله، فهؤلاء في أعلى المنازل في الدنيا والآخرة.
وكل نبي وكل رسول دعا قومه إلى لا إله إلا الله، وبشر قومه بالثواب لمن آمن، وبالعقاب لمن كفر، ولكن الهداية بيد الله وحده، وهو أعلم بمن يصلح لها.
فنوح - صلى الله عليه وسلم - دعا إلى الله، ودعا ابنه إلى الإيمان، وقال له: {ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢)} [هود: ٤٢].
وكان عنده نسبتان:
نسبة الأبوة، ونسبة النبوة.
ولكن ابنه كنعان كفر فهلك، وإن كان عنده نسبة البنوة، وأبوه نبياً؛ لأنه فقد النسبة الأم، وهي نسبة الإيمان بالله.
فكان يقين ابنه على غير الله، على المشاهدات، على الجبل، فكان يرى عصمته ونجاته في الجبل، وكان اعتماده على الجبل لا على رب الجبل، فغرق هو والجبل بالماء كما أخبر الله عنه: {قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)} [هود: ٤٣].
وهكذا كل من لم يقبل دعوة الأنبياء والرسل لهم الغرق والدمار والهلاك والعذاب في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)} [الكهف: ٥٩].
وبما أن الأمم السابقة من طلب منهم آية تدل على صدق المرسل إليهم أجيب إليها، فإن لم يؤمنوا بعدها عاجلهم الله بعذاب الاستئصال.
ولكون هذه الأمة هي الخاتمة حفظها الله من عذاب الاستئصال، وشرفها بالدين والبقاء، والدعوة إلى الله إلى يوم القيامة كما قال سبحانه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)} [آل عمران: ١١٠].
وقد بعث الله الأنبياء والرسل لهداية البشرية إلى عبادة الله وحده لا شريك له،وليأتي فيهم طلب الهداية من الله ليستفيدوا من قدرته، ومن خزائن الله بالإيمان والتقوى.
وقد جعل الله وظيفة هذه الأمة وظيفة رسولها محمد - صلى الله عليه وسلم -، التي ذكرها الله بقوله: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)}
[الأحزاب: ٤٥ - ٤٨].
فوظيفة كل مسلم ومسلمة تنحصر في هذه المسائل العشر المذكورة في الآية.
ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة وقدوة لكل مسلم كما قال سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)} [الأحزاب: ٢١].
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قدوة للبشرية كلها إلى يوم القيامة:
في الإيمان، والعبادات، والمعاملات، والمعاشرات، والأخلاق، وفي الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله فهذه حياته - صلى الله عليه وسلم -:
جهد على النفس بالعبادة.
وجهد على الغير بالدعوة.
وقت للعبادة كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)} [المزمل: ١ - ٤].
ووقت للدعوة كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)} [المدثر: ١ - ٣].
فمن قام بهذين الأمرين فاز.
ومن تركهما خسر.
قال الله تعالى: {وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)} [العصر: ١ - ٣].
وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أحكام جميع الأحوال التي يمكن أن يمر بها الإنسان، أحياناً بقوله، وأحياناً بفعله، فلا تخلو حال من أحوال الإنسان من سنن وأحكام يسير عليها الإنسان وفق أمر الله.
أباً أو ابناً.
وزوجاً أو زوجة.
وعماً أو خالاً.
وأخاً أو قريباً.
رجلاً أو امرأة.
غنياً أو فقيراً.
مقيماً أو مسافراً.
صحيحاً أو مريضاً.
بائعاً أو مشترياً.
كبيراً أو صغيراً.
راعياً أو تاجراً.
مربياً ومرشداً.
عابداً أو زاهداً.
عالماً أو معلماً أو متعلماً.
ضيفاً أو مضيفاً.
داعياً أو مدعواً.
وغير ذلك من الأحوال التي جاء الشرع بأحكامها مفصلة كاملة كما قال سبحانه: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)} [النحل: ٨٩].
ودعوة الأنبياء وجهدهم على أقوامهم ونصحهم لأممهم إنما هو شفقة عليهم، لا يريدون به شيئاً من الدنيا ولا من الناس، يستفيدون من الله، ويفيدون عباد الله، ويبتغون الأجر من الله لا من غيره: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧)} [سبأ: ٤٧].
وبقدر أذى أممهم لهم تكون شفقتهم عليهم، وكلما زاد الأذى منهم توجهوا إلى الله ليرحم أممهم، ويتوب عليهم، ويهديهم، ويعتذرون عنهم بأنهم لا يعلمون كما حكى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أحد الأنبياء أنه ضربه قومه فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ» متفق عليه (١).
أوقاتهم كلها لله.
يجتهدون على الناس بدعوتهم إلى الله والعمل بشرعه.
ويجتهدون أمام ربهم ويسألونه الهداية لعباده.
في النهار يوجهون عباد الله إلى الله، ويدعونهم إليه.
وفي الليل يدعون ربهم لرحمة عباده وهدايتهم، ويدعون لهم ويستغفرون لهم.
ألا ما أجهل البشر، وما أشد عداوة الشيطان لهم؟.
الأنبياء يدعونهم إلى ما يسعدهم في الدنيا والآخرة، وهم تارة يسبونهم، وتارة يؤذونهم، وتارة يسخرون منهم، وتارة يطردونهم، وتارة يقتلونهم: {أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)} [المائدة: ٧٤].
وكل نبي جاء بالدين.
وجاء بجهد الدين.
فمن آمن به فاز وأفلح.
ومن خالفه واستغنى بملكه أو ماله أو جاهه أو تجارته أو زراعته أو صناعته أهلكه الله كما فعل الله بقوم نوح وعاد وثمود، وكما فعل بقوم لوط، وكما فعل بفرعون وقومه.
فإن قام مخالف واحد أهلكه الله كقارون.
وإن قامت عائلة أهلك الله العائلة.
وإن قام جماعة أهلك الله الجماعة.
وإن قام قوم أهلك الله القوم.
وإن قامت دولة أهلك الله الدولة.
وهكذا.
فلما بعث الله محمداً - صلى الله عليه وسلم - إلى هذه الأمة بالإسلام قال لهم: انظروا للأنبياء السابقين كيف كانت عاقبة مخالفيهم؟.
كما قال سبحانه: {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)} [النحل: ٣٦].
فكل من قام مخلصاً بالدين وجهد الدين أيده الله بنصره وحفظه، فإن خالفه وآذاه واحد أهلكه الله، وإن خالفه جماعة، أو عائلة، أو قوم، أو قرية، أو دولة أهلكهم الله وتولى تدميرهم، وأنجى أولياءه كما قال سبحانه: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)} [المؤمنون: ٤٤].
والله تبارك وتعالى ينصر المؤمنين من هذه الأمة كما نصر الأنبياء السابقين الذين يقدمون الشكوى إلى رب العالمين، ويتوجهون إلى ربهم ليكشف ما بهم من ضر، وينجيهم من أعدائهم، فاستجاب لهم وأنجاهم، ونصرهم وخذل أعداءهم، وهذه سنة جارية في نصر أوليائه وخذلان أعدائه كما قال سبحانه: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)} [محمد: ٧ - ٩].
وبذل الجهد لإعلاء كلمة الله يقوم على الدعوة إلى الإيمان بالله أولاً، ثم الدعوة إلى القيام بالأعمال ثانياً.
وكان جهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحياة المكية لإدخال الإيمان في القلوب لتستعد لقبول الأعمال، وذلك بتعريف الناس بربهم، وذكر أسمائه وصفاته وأفعاله، وجلاله وجماله، وعظمته وكبريائه، ليعرفوه ويعظموه ويكبروه، فإذا عرفوه توجهوا إليه وحده دون سواه، وذكر آلائه ونعمه وفضله وإحسانه إلى الخلق ليشكروه ويحمدوه ويتوجهون إليه في قضاء حوائجهم.
وذكر قصص الأنبياء مع أممهم، وكيف نصر الله رسله وأولياءه، وخذل أعداءه وأهلكهم.
وفي الحياة المدنية كان حفظ الإيمان وزيادته بسبب قوة الأعمال، وقوة الجهد على النفس وعلى الغير، ففي مكة كانت قوة الاستعداد لفعل الأوامر، وفي المدينة كان تنفيذ الأوامر بالرغبة والمحبة والشوق كالعبادات من صلاة وزكاة وصيام وحج ونحو ذلك، وكذلك الجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى الله، وحسن المعاملات والمعاشرات والأخلاق والآداب.
فنزلت الأحكام في المدينة كالمطر، شاملة لكل أحوال الإنسان، واستقبلها الصحابة بإيمان تام، ويقين راسخ، وفرحوا بها، وتلذذوا بأدائها، وتنافسوا في المسارعة إليها، والإكثار منها، وسلموا أنفسهم لله بالإيمان والطاعة، ولرسوله بكمال الانقياد والامتثال فكانوا حقاً أعظم وأفضل نواة لخير أمة أخرجت للناس في كل شيء:
في الإيمان.
والعبادات.
والمعاملات.
والمعاشرات.
والأخلاق.
وبهذا رضي الله عنهم كما قال سبحانه: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)} [التوبة: ١٠٠].
وأهم أعمال الأنبياء والرسل العبادة والدعوة، والجولة على الناس لدعوتهمإلى الله، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتجول على الناس ويزورهم ويدعوهم إلى الله، ويتلو عليهم القرآن، ويعلمهم السنن والأحكام، ويطعم جائعهم، ويعود مريضهم، ويكرم ضيفهم، ويجيب سائلهم، ويكسو عاريهم، ويقبل هديتهم ويثيب عليها، ويشكر لمحسنهم، ويعفو عن مسيئهم، فصلوات الله وسلامه عليه عدد نجوم السماء وذرات الأرض، والحمد لله عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه على ما من به علينا من بعثة هذا الرسول الرحيم بهذا الدين العظيم.
فهل من ذاكر؟، وهل من شاكر؟.
{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)} [آل عمران: ١٦٤].
وقال سبحانه: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)} [التوبة: ١٢٨].
ولا تصلح أحوال البلاد والعباد إلا بالدين الذي أنزله الله شريعة للعباد، ولما بعث الله يوسف - صلى الله عليه وسلم - إلى بني إسرائيل في مصر أعطاه الله الملك، وصلحت أحوال بني إسرائيل.
ولما أعرضوا عن الدين ضعف إيمانهم وقلت أعمالهم، وفسدت معاشراتهم، وساءت أخلاقهم، فاستجلبوا بذلك غضب الله، فسلط عليهم فرعون يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم وهو أذل الناس.
ولما اشتد أذاه وزاد طغيانه أرسل الله الداعي إلى الله نبي الله موسى - صلى الله عليه وسلم - يدعوه إلى الله، ويدعو بني إسرائيل، فدعاهم إلى الله فآمن بنو إسرائيل، وكفر فرعون وجنوده، فأغرق الله فرعون وجنوده، وأنجى الله موسى ومن آمن معه: {وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠)} [الذاريات: ٣٨ - ٤٠].
والله حكيم عليم جعل الرسل واسطة بينه وبين عباده في بيان الدين، وما أحللهم، وما حرم عليهم.
وجعل العلماء واسطة بين الرسل وأممهم في إبلاغ العلم والهدى، فالرسل بلغت ذلك إلى أممهم، والعلماء بلغوا ذلك إلى من بعدهم، فالعلماء ورثة الأنبياء، ورثوا العلم وبلغوه إلى من بعدهم، والأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر.
والعالم الرباني: هو الذي يعمل بعلمه ويخشى الله ويتقيه، ويعلم الناس أمور دينهم كما قال سبحانه: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)} [آل عمران: ٧٩].
وقال سبحانه: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)} [الزمر: ٩].
وأمراض القلوب أشد وأخطر من أمراض الأبدان؛ لأن غاية مرض البدن أن يفضي بصاحبه إلى الموت، وأما مرض القلب فيفضي بصاحبه إلى الشقاء الأبدي، ولا شفاء لهذا المرض إلا بالعلم الإلهي؛ ولهذا اصطفى الله الأنبياء والرسل، ورباهم وأرسلهم إلى الأمم بالهدى والعلم الإلهي الذي به صلاح العالم.
وكثير من الأفراد والشعوب والأمم يستغنون عن الأطباء، وأما العلماء بالله وأمره وشرعه فهم حياة الوجود وروحه، ولا يستغنى عنهم طرفة عين.
وحاجة القلب إلى العلم والإيمان أعظم من حاجة البدن إلى الطعام والتنفس والعلم للقلب، كالماء للسمك إذا فقده مات، ولهذا سماه الله شفاءً كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)} [يونس: ٥٧].
وتزكية النفوس بالإيمان والهدى أصعب من علاج الأبدان وأشد، ولا سبيل إلى تزكيتها وصلاحها إلا من طريق الأنبياء والرسل.
فتزكية النفوس البشرية مسلَّم إلى الرسل، وإنما بعثهم الله لهذه التزكية وولاهم إياها وجعلها على أيديهم دعوة وتعليماً، وبياناً وإرشاداً، فهم المبعوثون لعلاج نفوس الأمم كما قال سبحانه: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)} [الجمعة: ٢].
وقد شرع الله سبحانه التوبة والاستغفار في خواتيم الأعمال الصالحة كالحج، وقيام الليل، وبعد صلاة الفريضة، وبعد كمال الوضوء ونحو ذلك؛ لأن العبد لا بدَّ له من الغفلة، والنسيان والتقصير.
ولما كان إبلاغ الدين والجهاد في سبيله من أعظم وظائف الرسل، وقد قام بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأداها كما أمره ربه، شرع له الاستغفار عقيبها بعد أداء ما أمر به فقال له ربه: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)} [النصر: ١ - ٣].
فأمره سبحانه أن يسبح بحمد ربه الذي خلقه وهداه واجتباه، وأعانه ووفقه حتى تمكن من أداء ما أمر به، وأن يستغفر ربه من كل ذنب ليلقى ربه طاهراً مطهراً من كل ذنب، فيقدم عليه مسروراً راضياً مرضياً عنه.
وقد بعث الله رسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين، ليس بمسلط عليهم ولا قهار لهم، ولم يبعث ليجبرهم على الإسلام أو يكرههم عليه، وإنما أمره ربه الذي أرسله أن يذكِّر بكلامه من يخاف وعيده، فهو الذي ينتفع بالتذكير، وأما من لا يؤمن بلقائه ولا يخاف وعيده ولا يرجو ثوابه فلا ينتفع بالتذكير كما قال سبحانه: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)} [ق: ٤٥].
وقد جرت سنة الله التي لا تتبدل أن العزة والغلبة والنصر والتمكين لرسله وأوليائه بالحجة والقهر.
فمن أمر منهم بالحرب نصره على عدوه، ومن لم يؤمر بالحرب أهلك الله عدوه كما أهلك قوم نوح بالماء، وقوم عاد بالريح، وقوم ثمود بالصيحة: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)} [المجادلة: ٢١].
والله تبارك وتعالى له الخلق كله، وله الأمر كله، وكل شيء وقع في وقته الذي هو أليق الأوقات بوقوعه فيه كان أحسن وأنفع وأجدى، كما إذا وقع الغيث في أحوج الأوقات إليه، وكما إذا وقع الفرج في وقته الذي يليق به.
وجميع أقدار الرب تعالى على عباده واقعة في أليق الأوقات بها فـ: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)} [الطلاق: ٣].
وقالت الملائكة: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)} [مريم: ٦٤].
ومن رحمة الله العزيز الرحيم بعباده أن أرسل إليهم الرسل يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
وكلما ضل الناس أو انصرفوا عن عبادة الله إلى غيره بعث نبياً يردهم إلى ربهم وخالقهم.
فبعث الله نوحاً - صلى الله عليه وسلم - أحوج ما كان الناس إلى بعثته.
وبعث سبحانه هوداً - صلى الله عليه وسلم - أحوج ما كان الناس إلى بعثته.
وبعث صالحاً - صلى الله عليه وسلم - أحوج ما كان الناس إلى بعثته.
وبعث سبحانه إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - أحوج ما كان الناس إلى بعثته.
وبعث موسى - صلى الله عليه وسلم - كذلك، وبعث عيسى - صلى الله عليه وسلم - كذلك.
وبعث محمداً - صلى الله عليه وسلم - أحوج ما كان أهل الأرض إلى إرساله.
فهدى به من الضلالة، ودل الأمة على ما ينفعهم في دينهم ودنياهم وأخراهم، وكانت بعثته أعظم نعمة امتن الله بها على أهل الأرض قاطبة.
والله سبحانه خلق كل شيء، وأعطى كل موجود خلقه المختص به، ثم هداه إلى ما خلقه له من الأعمال.
فهدى الحيوان إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره.
وهدى الجماد المسخر لما خلق له، فله هداية تليق به، ولكل نوع من الجماد والنبات والحيوان هداية تليق به.
فسبحان {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)} [طه: ٥٠].
ومن تأمل بعض هدايته المبثوثة في العالم شهد بأنه الله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم، وانتقل من معرفة هذه الهداية إلى إثبات النبوة بأيسر نظر، وأول وهلة، وأحسن طريق وأخصرها.
فإن من لم يهمل هذه الحيوانات والمخلوقات، ولم يتركها سدىً، ولم يتركها معطلة، بل هداها إلى هذه الهداية التي تعجز عقول العقلاء عنها، كيف يليق به أن يترك النوع الإنساني الذي هو خلاصة الوجود، الذي كرمه الله وفضله على كثير من خلقه، مهملاً ومعطلاً وسدىً، لا يهديه إلى أقصى كمالاته، وأفضل غاياته، بل يتركه معطلاً لا يأمره ولا ينهاه، ولا يثيبه ولا يعاقبه، هذا من أكبر المحال؟.
إن هذا لا يليق بجلال الله وحكمته، ويتعالى الله عنه، وقد نزه الله نفسه عن هذا الحسبان فقال: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)} [المؤمنون: ١١٥، ١١٦].
فمن لم يهمل أمر كل دابة في الأرض.
وأمر كل طائر في الجو.
وأمر كل حيوان يسبح في البحر.
بل جعلها أمماً وهداها إلى غاياتها ومصالحها.
كيف لا يهديكم إلى كمالكم ومصالحكم وما يسعدكم في الدنيا والآخرة؟.
بل رحمكم فبعث إليكم رسله.
وأنزل عليكم كتبه.
لتحصل لكم الهداية.
وتتم عليكم النعمة كما قال سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (٣)} [المائدة: ٣].
والله عزَّ وجلَّ كما يحمي أنبياءه ورسله ويصونهم ويحفظهم، ويتولاهم وينصرهم، كذلك يبتليهم بما شاء من أذى الكفار لهم، وسخريتهم بهم، كما قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - تارة ساحر، وتارة مجنون، وتارة شاعر، وتارة كذاب، وآذوه وسبوه، وشتموه وسخروا منه، وكادوه وحاربوه وكذبوه.
وضربوا له أمثالاً، وهو أبعد خلق الله منها، وقد برأه الله منها، وقد علم كل عاقل أنها كذب وافتراء وبهتان: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)} [الحاقة: ٣٨ - ٤٣].
وفي هذا الابتلاء بأذى الكفار للأنبياء والرسل ليستوجبوا كمال كرامته، وليتسلى بهم من بعدهم من أممهم وخلفائهم إذا أوذوا من الناس، فرأوا ما جرى على الرسل والأنبياء صبروا ورضوا وتأسوا بهم، ولتمتلئ صاع الكفار فيستوجبون ما أعد لهم من النكال العاجل والعقوبة الآجلة، فيمحقهم بسبب بغيهم وعدوانهم، فيعجل تطهير الأرض منهم، ويجعل العاقبة لرسله وأتباعهم، وليحصل لهم كمال اليقين على قدرة ربهم ونصره لرسله وأوليائه إذا فعلوا ما أمرهم الله به: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)} [يوسف: ١١٠].
وقد جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بشريعة كاملة لعموم البشرية إلى يوم القيامة.
ولرسالته - صلى الله عليه وسلم - عمومان:
الأول: عموم بالنسبة إلى المرسل إليهم فلا يخرج أحد من الناس بعد بعثته عن عموم رسالته البتة.
الثاني: عموم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم التي بها صلاحهم في معاشهم ومعادهم، وأنه لا حاجة إلى أحد سواه البتة، وإنما حاجتنا إلى من يبلغنا عنه ما جاء به - صلى الله عليه وسلم -.
فمن لم يستقر هذا في قلبه لم يرسخ قدمه في الإيمان بالرسول، فما جاء به هو الكافي الذي لا حاجة بالأمة إلى سواه، وإنما يحتاج إلى غيره من قل نصيبه من معرفته وفهمه.
فبحسب قلة نصيبه من ذلك تكون حاجته.
وقد جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالدين الكامل، وتوفي - صلى الله عليه وسلم - وترك الأمة على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيع عنها إلا هالك، وتوفي - صلى الله عليه وسلم - وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا وقد ذكر للأمة منه علماً، بل علمهم أحكام كل شيء، ولم يحوجهم الله إلى أحد سواه، وشريعته كاملة، ما طرق العالم شريعة أكمل منها في بيان كل شيء.
فيجب على كل إنسان الإيمان بعموم رسالته في ذلك، كما يجب الإيمان بعموم رسالته بالنسبة إلى المكلفين عربهم وعجمهم، وإنسهم وجنهم.
فكما لا يخرج أحد من الناس عن رسالته البتة، فكذلك لا يخرج حق من العلم والعمل عما جاء به.
ومن ظن أن شريعته ناقصة تحتاج إلى من يكملها فهو كمن ظن أن الناس بحاجة إلى رسول آخر بعده، وسبب هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك، فقد جاء - صلى الله عليه وسلم - بخير الدنيا والآخرة بحذافيره، ولم يجعل الله بهم حاجة لأحد سواه.
ولهذا ختم الله به ديوان النبوة، فلم يجعل الله بعده رسولاً؛ لاستغناء الأمة به عمن سواه، فصلوات الله وسلامه عليه.
ومن فضل الله ورحمته وإحسانه إلى هذه الأمة أن جعلهم خير أمة أخرجت للناس، وجعل الرسالة فيهم، واختار أفضل الرسل منهم كما قال سبحانه: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)} [الجمعة: ٢].
فالذي يتلوه عليهم هو الحق، وما أعظم فضل الله حين يخاطب الله العبيد بكلامه، يتلوه عليهم رسوله: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)} [الحج: ٦٥].
ولولا فضل الله ورحمته ما زكى من الخلق أحد، ولا تطهر ولا ارتفع، ولكن العزيز الكريم أرسل رسوله - صلى الله عليه وسلم - يطهر أرواح الناس من لوثة الشرك، ودنس الجاهلية، ويطهرهم من لوثة الشهوات والنزوات، فلا ترتكس أرواحهم في حمأة الرذيلة، ويطهر حياتهم بما جاء به من الدين من الظلم والبغي، ويطهر مجتمعهم من الربا والسحت والغش والسلب، وينشر فيهم العدل والإحسان.
ويعلمهم الكتاب والحكمة الذي به قوام حياتهم وعزتهم، وهو مادة التوجيه والإعلام والإرشاد.
والاستقامة على الحق والتواصي به أمر عظيم يتطلب الصبر، ويجعل الإنسان مشدود الأعصاب، مضطرب الفؤاد؛ لما يراه من كثرة الأعداء وقلة الناصر، وقلة ذات اليد.
فلا بدَّ من الصبر على الطاعات.
والصبر عن المعاصي.
والصبر على البلاء.
والصبر على جهاد الأعداء.
والصبر على بطء النصر.
والصبر على انتفاش الباطل.
والصبر على قلة الناصر.
والصبر على ثقلة العناد.
والصبر على السب والشتم والضرب والقتل.
وقد أمر الله رسوله بالصبر على كل ذلك كما قال سبحانه: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)} [الروم: ٦٠].
وأمر أمته كذلك بالصبر والمصابرة ليحصل لهم الفوز والفلاح كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)} [آل عمران: ٢٠٠].
وحين يطول الأمد قد يضعف الصبر أو ينفذ إذا لم يكن هناك زاد، ومن ثم أمرنا الله بالصلاة التي بها تتجدد الطاقة ويزيد الإيمان، فيمتد حب الصبر ولا ينقطع.
فلا بدَّ للإنسان الفاني الضعيف أن يتصل بربه الكبير، ويستمد منه العون حين يتجاوز الجهد قواه المحدودة، حينما تواجهه قوى الشر الظاهرة والباطنة، وحينما يثقل عليه جهد الاستقامة بين دفع الشهوات، وإغراء المطامع، وحينما تثقل عليه مجاهدة الطغيان والفساد وهي عنيفة مرة، وحينما يطول به الطريق وتبعد به الشقة.
هنا لا بدَّ له من الاتصال بربه، فيتوجه القلب المتعب المكدود إلى خالقه، وهنا يستجيب الله لمن دعاه، ويؤيده ويثبته ويؤنسه، ولا يدعه يقطع الطريق وحده، ولا يتركهم لطاقتهم المحدودة، بل يمدهم بما ينفعهم حين ينفذ زادهم، ويوجههم للحصول على ذلك إلى أمرين كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)} [البقرة: ١٥٣].
والدين الذي بعث الله به الأنبياء والرسل هو منهج الحياة الذي أراده الله للبشر، ونظام الحياة الذي يربط حياة الناس بمنهج الله.
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٣٤٧٧)، واللفظ له، ومسلم برقم (١٧٩٢).
مختارات

