فقه النبوة والرسالة (٢)
أما الاستفادة من قدرة الله فلها شرطان:
الإيمان.
والتقوى.
وهي خاصة بالأنبياء ومن آمن بهم كما قال سبحانه: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)} [الأعراف: ٩٦].
وقال سبحانه: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)} [غافر: ٥١، ٥٢].
فنوح - صلى الله عليه وسلم - دعا قومه إلى الإيمان وعبادة الله وحده لا شريك له، ولم يؤمن به إلا القليل، فسأل ربه أن يهلك من استكبر وكفر فأغرقهم الله بالماء.
وكذا هود - صلى الله عليه وسلم - أهلك الله من لم يستجب له بالريح العقيم.
وموسى - صلى الله عليه وسلم - سأل ربه أن يهلك عدوه فرعون وقومه لما كذبوه فأغرقهم الله في البحر.
وقارون لما أعرض عن الدين واستغنى بماله خسف الله به وبداره الأرض.
وقوم لوط لما كذبوا لوطاً، وأصروا على فعل الفاحشة، قلب الله عليهم ديارهم، وحصبهم بحجارة من السماء.
وعطش أصحاب موسى - صلى الله عليه وسلم - فدعا الله فخرج لهم الماء من الحجر اثنتا عشرة عيناً.
ودعا صالح - صلى الله عليه وسلم - قومه إلى الإسلام فلم يؤمنوا فدعا عليهم فأخذتهم الصيحة مشرقين، فهلكوا جميعاً.
ومحمد - صلى الله عليه وسلم - عطش أصحابه فدعا الله فخرج لهم الماء من بين أصابعه، فشربوا منه.
وهكذا سائر الأنبياء والمؤمنين إنما يستفيدون من قدرة الله بالإيمان والأعمال الصالحة.
وقد أعطى الله تبارك وتعالى الأنبياء شيئين:
الدعوة.
والدعاء.
فالدعوة للبشر، والدعاء لله، فالحوائج تقضى بالدعاء وسؤال الرب الذي يملك كل شيء، وخزائنه مملوءة بكل شيء، بعد فعل الأسباب المشروعة، وأحياناً تقضى بالأموال والأسباب ابتلاءً للمؤمن، واطمئناناً للكافر.
وبالدعاء يأتي اليقين على الأعمال الصالحة.
فعندما يتأخر نزول المطر نصلي.
وعندما تكسف الشمس نصلي.
وعندما نريد النصر نصلي.
وهكذا في سائر الحوائج نتوجه إلى الله دائماً، ونسأله وندعوه كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)} [البقرة: ١٥٣].
والمطلوب في كل عمل أن نقوم بالعمل على الطريقة التي ورد بها، فمن جاء بالعمل بدون طريقته لم يقبل.
والمطلوب في هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أمور:
تعلم سننه.
وتعلم اليقين على سننه.
وتعليم الناس ذلك.
والله عزَّ وجلَّ جعلنا خير أمة أخرجت للناس، وأكرمنا بالدين الكامل، وشرفنا بالدعوة إليه.
وحتى نؤدي الأمانة، ونحقق مراد الله في عباده، يجب أن يكون قدوتنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ويتحقق ذلك بثلاثة أمور:
الأول: أن نتبعه - صلى الله عليه وسلم - في صورته وشكله.
الثاني: أن نتبعه في سيرته وعبادته، ومعاملاته، ومعاشراته، وأخلاقه.
الثالث: أن نتبعه في سريرته، وفي إيمانه بربه، ويقينه عليه، واستسلامه له، والتوكل عليه، والخشية منه، وتفويض الأمر إليه.
ونتبعه في الفكر والهم الذي في قلبه - صلى الله عليه وسلم -، وهو همّ هداية الناس، ودعوتهم إلى الله، ورحمتهم والشفقة عليهم، حتى يخرجوا من الظلمات إلى النور: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)} [الأعراف: ١٥٨].
والله سبحانه لما بعث الأنبياء صار الناس قسمين:
الأول: المؤمنون الذين آمنوا بالله، وأسسوا حياتهم على الغيب.
الثاني: الكفار الذين لم يؤمنوا، وأسسوا حياتهم على المشاهدات، فهؤلاء الحيوان خير منهم؛ لأن الحيوان يذكر الله، والكافر ميت لا يذكر الله، والحيوان يعرف إشارة صاحبه، والكافر لا يعرف أوامر خالقه ولا يؤمن بها.
والحيوان يعرف رزقه وما ينفعه ولا يأكل إلا الطيب، والكافر يأكل ما ينفعه وما يضره، ويغشي المحرمات بلا حياء، ويكفر بالنعم والمنعم بها: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)} [الفرقان: ٤٤].
وجميع الأنبياء والمرسلين دعوا الناس من الشرك إلى التوحيد.
ومن الكفر إلى الإيمان.
ومن المخلوق إلى الخالق.
ومن الأموال والأشياء إلى الإيمان والأعمال الصالحة.
ومن دار الفناء إلى دار البقاء.
فاجتهدوا على القلوب والأبدان لتكون حياة الناس مطابقة لحياة الأنبياء.
واجتهدوا على العيون حتى ترى ما يحب الله ورسوله.
واجتهدوا على الآذان حتى لا تسمع إلا ما يحب الله ورسوله.
واجتهدوا على العقول حتى لا تفكر إلا فيما يحب الله ورسوله.
واجتهدوا على الأيدي حتى لا تفعل إلا ما يحب الله ورسوله.
واجتهدوا على الأقدام حتى لا تمشي إلا فيما يرضي الله ورسوله.
فعملهم العبادة، ووظيفتهم الدعوة، فعلينا الاقتداء بهم: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)} [الأنعام: ٩٠].
والنبي - صلى الله عليه وسلم - آخر الأنبياء، وبعد بعثته لا بدَّ من اتباعه، ومن تبع غيره حتى لو كان نبياً يعد مخالفاً، وعمله غير مقبول كما قال سبحانه: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)} [آل عمران: ٨٥].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لا يَسْمَعُ بِي أحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأَمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أرْسِلْتُ بِهِ، إِلا كَانَ مِنْ أصْحَابِ النَّارِ» أخرجه مسلم (١).
وجميع الأنبياء قاموا بالدعوة إلى الله بين أقوامهم، فمنهم من آمن، ومنهم من لم يؤمن، ومنهم من استجاب، ومنهم من لم يستجب.
وسنة الله أنه بعد كل الجهود تظهر النتائج، فالله يظهر قدرته بعد تكميل الجهد، فالذين آمنوا بالرسل أنجاهم الله وأسعدهم في الدنيا والآخرة.
وأهلك الله كل من لم يؤمن بالرسل من الأمم السابقة تارة بالماء، وتارة بالريح، وتارة بالخسف.
وتارة بالصيحة.
وتارة بالحجارة.
كما قال سبحانه: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)} [العنكبوت: ٤٠].
وأساليب دعوة الأنبياء واحدة:
فأولاً: يعرضون أنفسهم وما جاءوا به على الناس، وإذا احتاجوا لعرض الدين على الناس أن يبذلوا أموالهم وأنفسهم بذلوها.
وثانياً: لا يسألون الناس على دعوتهم لهم شيئاً كما قال سبحانه عن كل رسول أنه قال: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩)} [الشعراء: ١٠٩].
وثالثاً: إذا عارضهم الناس أو طردوهم أو شتموهم فلا يجاوبون جهالتهم بالجهالة، وإنما يصبرون عليهم ويدعون لهم بالهداية كما قال سبحانه:
{فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)} [الروم: ٦٠].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ» متفق عليه (٢).
ورابعاً: أنهم يدعون الناس إلى الله بالشفقة والرحمة والتواضع واللين في جميع الأحوال.
وخامساً: أنهم يقومون بالدعوة إلى الله في جميع الأوقات ليلاً ونهاراً كما قال نوح: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦)} [نوح: ٥، ٦].
ويدعون إلى الله في جميع الأحوال، حال الأمن وحال الخوف، وحال الصحة وحال المرض، وحال الإقامة وحال السفر.
والأنبياء والرسل هم أول من عرف منافع التوحيد والإيمان والطاعات، وأول من عرف مضار الشرك والكفر والمعاصي والبدع.
ولكمال معرفتهم بذلك يَغْشَون الناس لدعوتهم إلى الله في البيوت والأسواق، ويطرقون الأبواب، ويقطعون المسافات، ويصعدون الجبال، ويصبرون على كل ما يصيبهم في سبيل تنفيذ ما أمروا به.
ويرحمون الناس ويكرمونهم، ويبذلون من أجل ذلك أموالهم، والناس يؤذونهم ويسبونهم فيعفون عنهم، ويصبرون على أذاهم.
فالأنبياء يدعون الناس إلى ربهم بالرحمة واللين وحسن الخلق، وأهل الباطل ينشرون باطلهم بطريق الشدة والكبر والتسلط كما قال الشيطان لفرعون: أعلن للناس ليرهبوك ويرجوك: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)} [النازعات: ٢٤].
ثم أمره بقتل أبناء بني إسرائيل واستحياء نسائهم، كما قال سبحانه: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)} [القصص: ٤].
ثم سخر فرعون بموسى قائلاً ما حكى الله عنه: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)} [الزخرف: ٥٢].
فلما أوغل في العناد والاستكبار وآذى موسى وبني إسرائيل أغرقه الله في البحر وأغرق معه آله ووزراءه وجنوده وقومه، ويدخلهم النار يوم القيامة: {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)} [غافر: ٤٥، ٤٦].
وقارون بغى وبخل، وأفسد بنفسه وماله، مع ما أنعم الله عليه بكثرة الأموال والأشياء كما قال سبحانه: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} [القصص: ٧٦].
فهل استجاب للنصيحة: {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)} [القصص: ٧٦، ٧٧].
كلا لم يستجيب وإنما: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)} [القصص: ٧٨].
فلما نصحه قومه وأبى وبغى خسف الله به وبداره الأرض كما قال سبحانه: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)} [القصص: ٨١].
فكل من سار على هدي الأنبياء سعد في الدنيا والآخرة، ومن مشى وراء الشيطان خسر في الدنيا والآخرة ولو كان ملكاً كما حصل لفرعون، ولو كان غنياً كما حصل لقارون.
وجميع الأنبياء والرسل رجال من البشر من أهل القرى، ليس فيهم امرأة ولا ملك ولا جني ولا أعرابي، اصطفاهم الله واجتباهم، وبعثهم من خيار قومهم على غاية الكمال في الخلقة البشرية والأخلاق الحسنة، وهم معصومون في تحمل الرسالة وإبلاغها، ومن كبائر الذنوب، وإن وقعت منهم صغيرة لا يقرون
عليها، بل يسارع النبي إلى التوبة منها، وهم أكثر الخلق تعظيماً لله، وحمداً له، وتكبيراً له، واستغفاراً له، وهم أعرف الخلق بالله، وأكملهم إيماناً به، وأعظمهم توحيداً له، وأحسنهم طاعة له.
وقد يبعث الله نبياً وحده، أو رسولاً وحده، وقد يجمع الله بين بعثة نبيين أو نبي ورسول أو أكثر في زمن واحد.
كما بعث سبحانه إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - وبعث في زمنه لوطاً - صلى الله عليه وسلم -، وكما بعث يعقوب وابنه يوسف عليهما الصلاة والسلام في زمن واحد، وكما بعث موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام في زمن واحد، وكما بعث داود وابنه سليمان عليهما الصلاة والسلام في زمن واحد، وكما بعث زكريا ويحيى وعيسى عليهم الصلاة والسلام في زمن واحد.
وبنو إسرائيل هم أولو العلم الأول، وأنزل الله إليهم التوراة فيها هدى ونور، وتفصيل كل شيء كما قال الله سبحانه عن موسى - صلى الله عليه وسلم -: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥)} [الأعراف: ١٤٥].
ولهذا كانت أمة موسى أوسع علماً ومعرفة من أمة المسيح، ولهذا لا تتم شريعة المسيح إلا بالتوراة وأحكامها.
فإن المسيح وأمته محالون في الأحكام عليها، والإنجيل مكمل لها، متمم لمحاسنها، وغالبه مواعظ وزهد وأخلاق وحض على الإحسان والاحتمال والصفح، ثم جاء القرآن الكريم جامعاً لمحاسن الكتابين كما قال سبحانه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: ٤٨].
والشريعة التي جاء بها محمد - صلى الله عليه وسلم - أعظم الشرائع وأكملها، فظهور نبوته تصديق لنبواتهم، وشهادة لها بالصدق كما قال سبحانه عنه: {بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)} [الصافات: ٣٧].
فالرسل قبله بشروا به، وأخبروا بمجيئه، فمجيئه هو نفس صدق خبرهم، وعادة الله في رسله أن السابق يبشر باللاحق، واللاحق يصدق السابق كما قال سبحانه: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)} [الصف: ٦].
وموسى - صلى الله عليه وسلم - اصطنعه الله لنفسه، وخصه بكلامه، وكان موسى - صلى الله عليه وسلم - من أعظم خلق الله هيئة ووقاراً، وأشدهم بأساً وغضباً لله، وبطشاً بأعداء الله، وكان لا يستطاع النظر إليه.
وموسى - صلى الله عليه وسلم - كان في مظهر الجلال، ولهذا كانت شريعته شريعة جلال وقهر.
فأمته أمروا بقتل نفوسهم، وحرمت عليهم الشحوم وذوات الظفر وغيرها من الطيبات، وحرمت عليهم الغنائم، وعجل لهم من العقوبات ما عجل، وحملوا من الآصار والأغلال ما لم يحمله غيرهم.
وعيسى - صلى الله عليه وسلم - كان في مظهر الجمال، وكانت شريعته شريعة فضل وإحسان، وكان لا يقاتل ولا يحارب، وليس في شريعته قتال البتة، والنصارى يحرم عليهم دينهم القتال، وهم به عصاة لشرعه، وليس في شريعتهم مشقة ولا آصار ولا أغلال، والرهبانية ابتدعوها ولم تكتب عليهم كما قال سبحانه:
{وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)} [الحديد: ٢٧].
وأما نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فكان في مظهر الكمال الجامع لتلك القوة، والعدل والشدة في الله، وهذا اللين والرحمة والرأفة.
وشريعته أكمل الشرائع فهو نبي الكمال، وشريعته شريعة الكمال، وأمته أكمل الأمم، وأحوالهم ومقاماتهم أكمل الأحوال والمقامات.
ولذلك جاءت شريعته بالعدل إيجاباً له، وبالفضل استحباباً، وبالشدة في موضع الشدة، وباللين في موضع اللين.
فيذكر سبحانه العدل ويوجبه، ويذكر الفضل والإحسان ويندب إليه.
وحرم - صلى الله عليه وسلم - على أمته كل خبيث وضار، وأباح لهم كل طيب ونافع.
وكل ما حرمه الله على هذه الأمة رحمة لهم، وما حرمه على من قبلهم عقوبة لهم.
وجعلهم سبحانه خير أمة أخرجت للناس، وكمل لهم من المحاسن ما فرقه في الأمم قبلهم، وكمل لنبيهم من المحاسن ما فرقه في الأنبياء قبله، وكمل في كتابه من المحاسن بما فرقها في الكتب قبله، وكمل في شريعته من المحاسن ما فرقه في الشرائع من قبله.
وجعل هذه الأمة شهداء على الناس، واصطفاهم على الأمم كما قال سبحانه: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)} [الحج: ٧٨].
وقد خلق الله سبحانه آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وجعله خليفة في الأرض.
وحقيقة الخلافة أن يأمر الله الكائنات فتطيعه، فكما أطاع الله، الله يأمر الكائنات فتطيعه، يأمر البحار والجبال، والملائكة والرياح فتطيعه كما أطاع الله، كما سخر الله الماء لنوح فأغرق الله به أعداءه، وكما سخر نفس الماء فجعله سبباً لنجاة نوح ومن آمن معه.
وكما سخر البحر لموسى فانغلق اثني عشر طريقاً يابساً وفي وقت واحد وبماء واحد وبأمر واحد أغرق الله فرعون وقومه، وأنجى موسى ومن آمن معه.
وكما سخر الله لداود الجبال والطير تسبح معه، وألان له الحديد يفعل به ما يشاء.
وكما سخر الله لسليمان الريح عاصفة تجري بأمره، وعلمه منطق الطير، وسخر له الجن.
وأنزل الملائكة يقاتلون مع محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله عنهم، وأخرج الماء من بين أصابعه - صلى الله عليه وسلم - فشرب الناس وتوضؤوا منه، وغير ذلك مما أعطى الأنبياء وأتباعهم.
وحتى يكون الإنسان على بصيرة من أمره، ويعيش حياة مستقرة، هيأ الله له نظاماً شاملاً كاملاً، لم يتدخل فيه أحد من الملائكة ولا الأنبياء ولا غيرهم وسماه الدين، واصطفى لذلك الرسل وبعثهم به، ليكونوا قدوة للناس، وحفظ حياتهم من تأثير الشياطين.
وهؤلاء الرسل يقولون للناس:
الأمور كلها بيد الله، ونحن ليس بأيدينا شيء، فآمنوا بربكم يسعدكم ويقضي حاجاتكم، ويقولون كذلك إن أردتم أن يكون الله معكم، وأن تستفيدوا من قدرته وخزائنه، فاجعلوا حياتكم مطابقة لحياتنا، فيكون الله معكم كما كان معنا كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)} [النحل: ١٢٨].
(١) أخرجه مسلم برقم (١٥٣).
(٢) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٣٤٧٧)، واللفظ له، ومسلم برقم (١٧٩٢).
مختارات

