فقه الشهوات واللذات (٢)
وقد انقسم الناس بالنسبة للشهوات إلى قسمين:
الأول: قسم جعلوها هي المقصودة، فصارت أفكارهم وخواطرهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة لها، فشغلتهم عما خلقوا لأجله، وصحبوها صحبة البهائم السائمة، يتمتعون بلذاتها، ويتناولون شهواتها، ولا يبالون على أي وجه حصلوها، ولا فيما أنفقوها وصرفوها.
فهؤلاء كانت لهم زاداً إلى دار الشقاء والعناء والعذاب.
والقسم الثاني: عرفوا المقصود منها، وأن الله جعلها امتحاناً وابتلاء لعباده، ليعلم من يقدم طاعته ومرضاته، على لذاته وشهواته، فجعلوها وسيلة لهم وطريقاً يتزودون منها لآخرتهم، ويتمتعون بما يتمتعون به على وجه الاستعانة به على مرضاته، قد صحبوها بأبدانهم، وفارقوها بقلوبهم، وجعلوها معبراً إلى الدار الآخرة، ومتجراً يرجون بها سكن القصور الفاخرة.
فهؤلاء صارت لهم زاداً إلى الجنة، وإلى مرضاة ربهم.
وهؤلاء المستحقون لها لهم صفات: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)} [آل عمران: ١٦، ١٧].
وهم الذين اتقوا ربهم بفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه.
فهم مؤمنون صابرون على أداء ما يحبه الله من طاعته، صابرون عن معصيته، صابرون على أقداره المؤلمة.
وهم صادقون في إيمانهم وأقوالهم، وأفعالهم وأحوالهم.
منفقون مما رزقهم الله بأنواع النفقات على المحاويج من الأقارب وغيرهم.
واللذة والبهجة، والفرح والسرور، وقرة العين به، مقصود كل حي، فلا بد من مراد مطلوب محبوب للنفس، فإذا حصل المطلوب المراد، فاقتران اللذة والنعمة، والفرح والسرور وقرة العين به على قدر قوة محبته وإرادته والرغبة فيه.
وإذا كانت اللذة مطلوبة لنفسها، فهي إنما تذم إذا أعقبت ألماً أعظم منها، أو منعت لذة خيراً منها، وتحمد إذا أعانت على اللذة الدائمة المستقرة، وهي لذة الدار الآخرة، ونعيمها الذي هو أفضل نعيم وأجله كما قال سبحانه: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠)} [النحل: ٣٠].
والله عزَّ وجلَّ إنما خلق الخلق لدار القرار، وجعل اللذة كلها بأسرها فيها، فالدنيا متاع فتمتع بها إلى غيرها، والآخرة هي المستقر والغاية.
كما قال سبحانه: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)} [النساء: ٧٧].
فلذات الدنيا ونعيمها متاع ووسيلة إلى لذات الآخرة، ولذلك خلقت كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأةُ الصَّالِحَةُ» أخرجه مسلم (١).
فكل لذة أعانت على لذات الآخرة فهي محبوبة للرب مرضية له، وصاحبها يتلذذ بها من وجهين:
من جهة تنعمه وقرة عينه بها.
ومن جهة إيصالها له إلى مرضاة ربه، وإفضائها إلى لذة أكمل منها.
فهذه اللذه هي التي ينبغي للعاقل أن يسعى في تحصيلها، لا اللذة الي تعقبه غاية الألم، وتفوت عليه أعظم اللذات، ولهذا يثاب المؤمن على كل ما يلتذ به من المباحات إذا قصد به الإعانة والتوصل إلى لذات الآخرة ونعيمها، فيثاب مثلاً على أكل الطيبات، وعلى وطء زوجته، وعلى سماع القرآن، وعلى النظر في ملكوت السموات والأرض.
ويعاقب الإنسان على أكل المحرمات والخبائث، وعلى الزنا، وعلى السرقة، وعلى السماع والنظر إلى المحرمات.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وَفِي بُضْعِ أحَدِكُمْ صَدَقَةٌ.
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أيَأتِي أحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أجْرٌ، قال: أرَأيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا
وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلالِ كَانَ لَهُ أجْراً» أخرجه مسلم (٢).
وهذه اللذة تزيد وتتضاعف بحسب ما عند العبد من الإقبال على الله، وإخلاص العمل له، والرغبة في الدار الآخرة، وهذا أطيب نعيم ينال من الدنيا، فخير الدنيا والآخرة يناله العبد، قلب شاكر، ولسان ذاكر، وزوجة حسناء، إن نظر إليها سرته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله.
فالفرح والسرور يحصل ويكمل بمعرفة المحبوب وإرادته وإيثاره ومحبته.
والألم والحزن والهم والغم ينشأ من عدم العلم بالمحبوب، أو من عدم إرادته وإيثاره مع العلم به، أو من عدم إدراكه والظفر به مع محبته وإرادته، وهذا من أعظم الألم.
ولهذا يكون ألم الإنسان في البرزخ وفي دار الحيوان بفوات محبوبه أعظم من ألمه بفواته في الدنيا، لمعرفته هناك بكمال ما فاته ومقداره، وشدة حاجته إليه، وشوق نفسه إليه هناك، وحصول ضده المؤلم له، فيا لها من مصيبة ما أوجعها وما أشدها؟.
وأين هذا ممن يلتذ في الدنيا بكل ما يقصد به وجه الله سبحانه وتعالى من الأكل والشرب، واللباس والنكاح والجهاد، فضلاً عما يلتذ به من معرفة ربه وحبه له، وتوحيده، والإنابة إليه، والتوكل عليه، وفرح القلب، وسروره بقربه.
وهذه اللذة لا تزال في الدنيا في زيادة، فإذا تجردت الروح وفارقت دار الأحزان والآفات، واتصلت بالرفيق الأعلى، وأفضت إلى دار النعيم، فهناك من أنواع اللذة والبهجة والسرور ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
فبؤساً للنفوس الدنيئة التي لا يهزها الشوق إلى ذلك طرباً وطلباً، تجول حول الحشى إذا جالت النفوس العلوية حول العرش، وتندس في الأحجار إذا طارت
النفوس الزكية إلى أعلى الأوكار.
وكل لذة أعقبت ألماً أو منعت لذة أكمل منها فليست لذة في الحقيقة، وإن غالطت النفوس في الالتذاذ بها.
فأي لذة لأكل طعام شهي مسموم يقطع أمعاءه عن قريب؟.
وهذه هي لذات الكفار والفساق بعلوهم في الأرض، وفسادهم وفرحهم فيها بغير الحق ومرحهم كلذة الذين اتخذوا من دون الله أولياءه، ولذة العقائد الفاسدة، ولذة غلبة أهل الجور والظلم، ولذة أهل الزنى والسرقة وشرب الخمر، ولذة أهل الكبائر والفجور.
ولم يمكنهم الله من ذلك لخير يريده بهم، بل هو استدراج منه ليبتليهم به فيحصل لهم أعظم الألم كما قال سبحانه: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)} [المؤمنون: ٥٥، ٥٦].
ولا غبطة فيما عند الكفار من الأموال والأولاد فإن أول عقوباتها عليهم أن قدموها على مراضي الرب، وعصوه لأجلها: {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)} [التوبة: ٥٥].
فكم ينالهم من المشقة في تحصيلها، والسعي في طلبها، وهم القلب فيها، وتعب البدن من أجلها؟.
فلو قابلت لذاتهم فيها بمشقاتهم لم يكن لها نسبة إليها، ومن وبالها عليهم أن قلوبهم تتعلق بها، وإرادتهم لا تتعداها، فتكون منتهى مطلوبهم، وغاية مرغوبهم، ولا يبقى في قلوبهم للآخرة نصيب، فيوجب ذلك أن ينتقلوا من الدنيا بلا أرباح، وتزهق أنفسهم وهم كافرون.
فأي عقوبة أعظم من هذه العقوبة الموجبة للشقاء الدائم، والحسرة الأبدية؟.
وكل ما يصد عن اللذة المطلوبة الباقية، فهو وبال على صاحبه، لكن لما كانت النفوس الضعيفة كنفوس النساء والصبيان لا تنقاد إلى أسباب اللذة العظمى إلا بإعطائها شيئاً من لذة اللهو واللعب، بحيث لو فطمت عنه كل الفطام طلبت ما هو شر لها منه، رخص لها من ذلك فيما لم يرخص فيه لغيرها.
وذلك من باب الشفقة والرحمة والإحسان كما مكن النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا عمير من اللعب بالعصفور بحضرته، ومكن الجاريتين من الغناء بحضرته، ومكن عائشة من النظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد، ومكن تلك المرأة أن تضرب على رأسه بالدف.
ومثله إعطاء النبي - صلى الله عليه وسلم - المؤلفة قلوبهم من الزكاة والغنيمة، لضعف قلوبهم عن قلوب الراسخين في الإيمان من أصحابه.
ومزاحه - صلى الله عليه وسلم - مع من كان يمزح معه من الأعراب والصبيان والنساء تطييباً لقلوبهم، واستجلاباً لإيمانهم، وتفريحاً لهم.
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يبذل للنفوس من الأموال والمنافع، ما يتألفها به على الحق المأمور به، ويكون المبذول مما يلتذ به الآخذ ويحبه، لأن ذلك وسيلة إلى غيره.
ولا يفعل ذلك مع من لا يحتاج إليه كالمهاجرين والأنصار، بل يبذل لهم أنواعاً أخر من الإحسان إليهم والمنافع في دينهم ودنياهم، بتوجيه قلوبهم إلى مولاهم.
(١) أخرجه مسلم برقم (١٤٦٧).
(٢) أخرجه مسلم برقم (١٠٠٦).
مختارات

