فقه القرآن الكريم (٥)
وهذا القرآن العظيم من أنزله؟.
ومن أحكمه؟.
ومن فصّله؟: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)} [هود: ١].
وماذا تضمنت آياته؟.
لقد تضمنت أمهات العقيدة وأصولها التي جاء القرآن يقررها، ويقيم عليها الأمة وهي: {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)} [هود: ٢ - ٤].
{أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} فهو توحيد العبودية والطاعة لله سبحانه.
{إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢)} فهي الرسالة وما تضمنته من بشارة ونذارة.
{وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} فهي العودة إلى الله من الشرك والمعصية إلى التوحيد والطاعة.
{يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} فهو الجزاء للتائبين المستغفرين.
{وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣)} فهو الوعيد للمتولين.
{إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ} فهي الرجعة إلى الله في الدنيا والآخرة.
{وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)} فهي قدرة الله المطلقة، والسلطان الشامل على الكون وما فيه.
هذا هو الكتاب، وهذه هي الأصول التي يدعو إليها:
إيمان وتوحيد.
وبشارة ونذارة.
وعبادة ودعوة.
واستغفار وتوبة.
وثواب لأهل الطاعة.
وعقاب لأهل المعصية.
وعودة إلى الله القدير ليحكم بين العباد.
وكتاب الله عزَّ وجلَّ حق بذاته، وليس لأحد أن يتلمس للنصوص القرآنية مصداقاً من النظريات التي تسمى علمية حتى ولو كان ظاهر النص يتفق مع النظرية.
فالنظريات العلمية قابلة دائماً للانقلاب رأساً على عقب.
أما القرآن فهو حق صادق بذاته، سواء اهتدى العلم إلى الحقيقة التي يقررها أم لم يهتد.
إن تلمس البعض موافقات من النظريات العلمية للنصوص القرآنية هو هزيمة لجدية الإيمان بهذا القرآن، واليقين بصحة ما فيه، وأنه من لدن حكيم خبير.
وهو هزيمة ناشئة من الفتنة بالعلم، وإعطائه أكثر من مجاله الطبيعي، الذي لا يصدق ولا يوثق به إلا في حدود دائرته.
فلينتبه إلى دبيب الهزيمة في نفسه من يحسب أنه بتطبيق القرآن على العلم يحسب أنه يخدم القرآن، ويخدم العقيدة، ويثبت الإيمان.
إن الإيمان الذي ينتظر كلمة العلم الإنساني المتقلبة ليثبت لهو إيمان يحتاج إلى إعادة النظر فيه.
إن القرآن هو الأصل، وهو الذي يهدي للتي هي أقوم، والنظريات العلمية توافقه أو تخالفه سواء، وهو الحق بذاته: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)} [فصلت: ٤١، ٤٢].
والقرآن الكريم هو كتاب الله للعالمين إلى يوم القيامة، يهدي للتي هي أقوم في جميع مجالات الحياة كما قال سبحانه: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: ٩].
يهدي للتي هي أقوم في عالم الروح والقلوب بالإيمان بالعقيدة الواضحة التي لا تعقيد فيها ولا غموض، والتي تطلق الروح من عالم الوهم والخرافة، وتطلق الطاقات البشرية للعمل والبناء.
ويهدي للتي هي أقوم في التأليف بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين مشاعره وسلوكه، وبين عقيدته وعمله، فإذا هي كلها مشدودة إلى العروة الوثقى التي لا تنفصم، متطلعة إلى أعلى وهي مستقرة على الأرض، وإذا العمل عبادة متى توجه به الإنسان إلى الله.
ويهدي هذا القرآن للتي هي أقوم في مجال العبادة بالموازنة بين الأوامر الشرعية والطاقة البشرية.
فلا تشق الأوامر على النفس حتى تمل وتيأس من الوفاء.
ولا تسهل وتترخص حتى تشيع في النفس الرخاوة والاستهتار، ولا تتجاوز القصد والاعتدال وحدود الاحتمال.
ويهدي للتي هي أقوم في علاقات الناس بعضهم ببعض أفراداً وأزواجاً، وحكومات وشعوباً، ويقيم هذه العلاقات على أصول عادلة ثابتة لا تتأثر بالرأي والهوى، ولا تميل مع المودة والشنآن، ولا تصرفها المصالح والأغراض.
هذه الأصول التي أقامها العليم الخبير لخلقه، وهو أعلم بمن خلق، وأعرف بما يصلح لهم في كل أرض، وفي كل جيل.
فيهديهم من يملك الهدى وحده للتي هي أقوم في نظام الحكم، ونظام المال، ونظام الاجتماع، والنظام الفردي اللائق بعالم الإنسان.
ويهدي للتي هي أقوم بربط كل إنسان بنفسه وعمله، إن اهتدى فلها، وإن ضل فعليها، وما من نفس تحمل وزر أخرى، إنما يسأل كل أحد عن عمله، ويجزى كل بعمله: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)} [الإسراء: ١٥].
ويهدي القرآن للتي هي أقوم ببناء الأسرة على الوضوح والعفة، فيأمر باختيار الزوجة الصالحة، وإعلان هذا الزواج بين الناس.
وينهى عن الزنا؛ لأن في الزنا قتلاً من نواح شتى:
ففيه إراقة لمادة الحياة في غير موضعها، يتبعه غالباً التخلص من آثاره بقتل الجنين قبل أن يتخلق، أو بعد أن يتخلق، أو بعد مولده.
وإذا تُرك الجنين للحياة تُرك في الغالب لحياة شريرة، أو حياة مهينة في المجتمع.
وهو قتل للجماعة التي يفشو فيها، فتضيع الأنساب، وتختلط الدماء، وتزول الثقة في العرض والولد.
وهو قتل للجماعة من جانب آخر، إذ أن سهولة قضاء الشهوة عن طريقه، يجعل الحياة الزوجية نافلة لا ضرورة لها، ويجعل الأسرة تبعة لا داعي لها، والأسرة هي المحضن الصالح للمواليد الناشئة، لا تصح فطرتها ولا تسلم تربيتها إلا فيه.
ولذلك يحذر القرآن من مجرد مقاربة الزنا؛ لأن الزنا تدفع إليه شهوة خفية، فالتحرز من المقاربة أضمن: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)} [الإسراء: ٣٢].
ومن ثم يأخذ الإسلام الطريق على أسبابه الدافعة توقياً للوقوع فيه.
فينهى عن الاختلاط في غير ضرورة، ويحرم الخلوة، وينهى عن التبرج بالزينة.
ويحض على الزواج لمن استطاع، ويوصي بالصوم لمن لا يستطيع.
وينهى عن الحواجز التي تمنع من الزواج كالمغالاة في المهور، وينفي الخوف من العيلة والإملاق بسبب الأولاد.
ويحض على إعانة من يرغب في الزواج، ويوقع أشد العقوبة على جريمة الزنا حين تقع، وعلى رمي المحصنات دون برهان.
وذلك ليحفظ المجتمع من التردي والانحلال، وما من أمة فشت فيها الفاحشة إلا صارت إلى انحلال وهلاك ودمار.
وهو يهدي للتي هي أقوم في حفظ النفوس والأمم.
فالإسلام دين السلام والحياة، وقتل النفس عنده كبيرة تلي الشرك بالله، فالله واهب الحياة، وليس لأحد غير الله أن يسلبها إلا بإذنه، فلا تقتل إلا بالحق.
وهذا الحق الذي يبيح قتل النفس محدود بيِّن لا غموض فيه، وليس متروكاً للرأي، ولا متأثراً بالهوى.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إِلا الله وَأنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلا بِإِحْدَى ثَلاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمفارِقُ لِدِينِهِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ» متفق عليه (١).
فالأول: القصاص العادل الذي يحفظ حياة الأمة، ويدفع عنها الشر، وإراقة الدماء.
والثاني: دفع للفساد القاتل في انتشار الفاحشة.
والثالث: دفع للفساد الروحي الذي يشيع الفوضى في الجماعة، ويهدد أمنها، ونظامها الذي اختاره الله لها.
فمن قتل بغير واحد من الأسباب الثلاثة، فقد جعل لوليه سلطاناً على القاتل، إن شاء قتله، وإن شاء عفا على الدية، وإن شاء عفا عنه بلا دية: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)} [الإسراء: ٣٣].
وهو يهدي للتي هي أقوم بالتثبت من كل خبر، ومن كل ظاهرة، ومن كل حركة قبل الحكم عليها، فالإسلام دين الوضوح والاستقامة، لا يقوم شيء فيه على الظن أو الوهم أو الشبهة: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)} [الإسراء: ٣٦].
وقال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)} [الحجرات: ٦].
إن القلب والعقل متى استقاما على هذا المنهج العظيم لم يبق مجال للوهم والخرافة في عالم العقيدة، ولم يبق مجال للظن والشبهة في عالم الحكم والقضاء والتعامل، ولم يبق مجال للأحكام السطحية والفروض الوهمية في عالم البحوث والتجارب.
فالإنسان أين كان ومن كان مسئول عن سمعه وبصره وفؤاده أمام واهب السمع والبصر والفؤاد.
فلا يقول الإنسان كلمة ولا يروي حادثة ولا ينقل رواية ولا يحكم حكماً ولا يبرم أمراً إلا وقد تثبت منه؛ لأنه مسئول عنه.
ويهدي للتي هي أقوم في معرفة الرسل، والإيمان بهم، والإيمان بما جاءوا به من كتب من عند الله: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)} [الإسراء: ٩، ١٠].
فأما الذين لا يهتدون بهدي القرآن فهم متروكون لهوى الإنسان العجول، الجاهل بما ينفعه وما يضره: {وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)} [الإسراء: ١١].
وهذا الكتاب العزيز ينبغي أن يكون هو كتاب الذكر والوعظ: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)} [الأنبياء: ٥٠].
وأن يكون كتاب التعليم كما قال سبحانه: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)} [آل عمران: ٧٩].
وأن يكون كتاب العمل كما قال سبحانه: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)} [الأنعام: ١٥٥].
وأن يكون كتاب الدعوة إلى الله، الذي يعتمد عليه الدعاة إلى الله قبل الاتجاه إلى مصدر سواه.
والذي ينبغي لهم بعد ذلك أن يتعلموا منه كيف يدعون الناس إلى ربهم؟.
وكيف يوقظون القلوب الغافية؟.
وكيف يحيون الأرواح الخامدة.
وكيف يلينون القلوب القاسية؟.
إن الذي أوحى بهذا القرآن هو الله، خالق هذا الإنسان، العليم بطبيعة تكوينه، فهو يعرض عليه:
تارة النظر في الآيات الكونية.
وتارة النظر في الآيات الشرعية.
وتارة يرغبه في الجنة.
وتارة يحذره من النار.
وتارة يخاطب فطرته.
وتارة يخاطب عقله.
وتارة يذكره بعظمة الله بذكر أسمائه وصفاته.
وتارة يذكره بنعمه وإحسانه إلى عباده.
وتارة يذكره بالموت والحياة: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩)} [الأنعام: ١٩].
وكما أن عليهم أن يتبعوا منهج الله في البدء بالتوحيد، وتقرير ألوهية الله وربوبيته، فإنهم كذلك يجب أن يسلكوا إلى القلوب طريق هذا القرآن في تعريف الناس بربهم الحق، كيفما تنتهي هذه القلوب إلى الدينونة لله وحده، والاعتراف بربوبيته لعباده، والحكم له فيهم.
فهو الذي له الخلق والأمر، وله العبودية والطاعة من جميع خلقه.
والكفار في أنحاء الأرض لا يدركون وظيفة هذا الكتاب، لا يدركون أنه جاء لإنشاء مجتمع عالمي إنساني، وبناء أمة تقود هذا المجتمع العالمي، وأنه الرسالة الخيرة للبشرية من ربها.
وأن الله الذي خلق البشر عليم بما يصلح لهم من المبادئ والشرائع، وإذا كان أكثر المسلمين لا يدركون وظيفة هذا الكتاب، ولا يدركون وظيفتهم في دينهم فكيف تكون حالهم وحال غيرهم؟.
إن مثل آيات هذا الكتاب العظيم كمثل الدواء يعطى منه للمريض جرعات حتى يشفى، ثم ينصح بأطعمة أخرى تصلح للبنية العادية في الظروف العادية: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)} [البقرة: ١٠٦].
والمشركون لا يدركون ذلك، ولذلك يتهمون الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالكذب والافتراء، وهو الصادق الأمين الذي لم يعهدوا عليه كذباً قط: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)} [النحل: ١٠١، ١٠٢].
فإذا بدل سبحانه آية انتهى أجلها وتحقق مرادها، وأتى بآية أخرى أصلح للحالة الجديدة التي صارت إليها الأمة، فهو العليم الخبير، والشأن له في ملكه وخلقه وأمره: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)} [الأعراف: ٥٤].
وقد كان كفار مكة يستمعون إلى القرآن، ولكنهم يجاهدون قلوبهم ألا ترق له، ويمانعون فطرتهم أن تتأثر به، فجعل الله بينهم وبين الرسول حجاباً مخفياً لا يظهر للعيون، ولكن تحسه القلوب، فإذا هم لا ينتفعون به، ولا يهتدون بالقرآن الذي يتلوه: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)} [الإسراء: ٤٥].
ولقد كان كبراء قريش أذكى من أن يخفى عليهم ما في عقائدهم من تهافت، وما في الإسلام من تماسك، وما في القرآن من سمو وارتفاع، ولكنه الكبر والجحود والحسد: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)} [الأنعام: ٣٣].
ولقد كانوا ينفرون من كلمة التوحيد التي تهدد وضعهم الاجتماعي، والفطرة تدفعهم إلى التسمع والتأثر، والكبرياء تمنعهم من التسليم والانقياد: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)} [الإسراء: ٤٦].
وكما أن الروح من الأسرار التي اختص الله بعلمها، كذلك القرآن كلام الله الذي اختص الله بعلمه وتنزيله، ولا يملك الخلق محاكاته، ولا يملك الإنس والجن- وهما يمثلان الخلق الظاهر والخفي- أن يأتوا بمثله أو بسورة من مثله، ولو تظاهروا وتعاونوا في هذه المحاولة: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)} [الإسراء: ٨٨].
فلا يمكن للبشر ولا للجن ولا لغيرهم أن يأتوا بمثله، وهو كالروح من أمر الله، لا يدرك الخلق سره الشامل الكامل، وإن أدركوا بعض أوصافه وخصائصه وآثاره.
ولقد أنزل الله هذا القرآن ليربي أمة، وينشئ مجتمعاً، ويقيم نظاماً، والتربية تحتاج إلى زمن وإلى تأثر وإلى انفعال، وإلى حركة تترجم التأثر والانفعال إلى واقع.
والنفس البشرية لا تتحول تحولاً كاملاً شاملاً بين يوم وليلة بقراءة كتاب كامل شامل لمنهج الحياة.
إنما تتأثر يوماً بعد يوم بطرف من هذا المنهج، وتتدرج في مراقيه رويداً رويداً، وتعتاد على حمل تكاليفه شيئاً فشيئاً.
فلا تجفل منه كما تجفل لو قدم لها ضخماً ثقيلاً عسيراً.
ومن هنا ندرك جهل الكفار في طلبهم إنزال القرآن جملة واحدة كما قال الله عنهم: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)} [الفرقان: ٣٢].
وفي المحسوس المشاهد النفس تنمو في كل يوم بالوجبة المغذية، فتصبح في اليوم التالي أكثر استعداداً للانتفاع بالوجبة التالية، وأشد قابلية لها والتذاذاً بها.
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٦٨٧٨)، ومسلم برقم (١٦٧٦) واللفظ له.
مختارات

