فقه القرآن الكريم (٤)
وآيات القرآن نوعان:
خبر.
وطلب.
والخبر نوعان: خبر عن الخالق.
وخبر عن المخلوق.
فالخبر عن الخالق: ذكر أسمائه وصفاته وأفعاله، ودينه وشرعه، وخلقه وأمره، وثوابه وعقابه.
والخبر عن المخلوق يكون بذكر مخلوقات وأحوال العالم العلوي كخلق السموات والملائكة والكواكب، وذكر مخلوقات وأحوال العالم السفلي كخلقالأرض والجبال والبحار، وخلق الإنسان والحيوان والنبات والجماد، وذكر مخلوقات وأحوال اليوم الآخر كخلق الجنة والنار، وما فيهما من المخلوقات والمنازل.
والطلب نوعان: طلب فعل.
وطلب ترك.
وهو الدين الذي بعث الله به محمداً - صلى الله عليه وسلم - للناس كافة.
فطلب الفعل يكون بالأمر بفعل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة كالصلاة والزكاة، والذكر والدعاء.
وطلب الترك يكون بالنهي عن ما يبغضه الله ويكرهه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة كالكبائر والمحرمات، كالربا والزنى، وأكل أموال الناس بالباطل، والكذب والنفاق، وسائر المنكرات والمعاصي.
والنفوس البشرية قسمان:
نفوس بليدة جاهلة بعيدة عن عالم الغيب، غارقة في طلب اللذات الجسمانية.
ونفوس شريفة مشرقة بالأنوار الإلهية.
فبعثة الأنبياء والرسل في حق القسم الأول: إنذار وتخويف، فإنهم لما غرقوا في نوم الغفلة ورقدة الجهالة احتاجوا إلى موقظ يوقظهم، وإلى منبه ينبههم.
وأما في حق القسم الثاني: فتذكير وتنبيه؛ لأنه ربما غشيها غواش من عالم الجسم.
فالقرآن إنذار في حق طائفة، وذكرى في حق طائفة أخرى فهو: {وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)} [المائدة: ٤٦].
و {وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)} [الأعراف: ٢].
وقد أنزل الله القرآن المتضمن للعقيدة والشريعة المطلوب اتباعها والتقوى فيها، رجاء أن ينال الناس حين يتبعونها رحمة الله في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)} [الأنعام: ١٥٥].
إن الناس اليوم في الجاهلية الحديثة الماكرة يطلبون حاجات نفوسهم ومجتمعاتهم وطريقة حياتهم خارج هذا القرآن، كما كان الناس في الجاهلية القديمة يطلبون للإيمان خوارق ومعجزات غير هذا القرآن كما قال سبحانه عنهم: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)} [العنكبوت: ٥١].
فأما هؤلاء فقد كانت تحول جاهليتهم الساذجة وأهواؤهم ومصالحهم الذاتية دون رؤية الآيات الكونية الهائلة، والآيات الشرعية الكاملة في هذا الكتاب العظيم.
وأما أهل الجاهلية الحديثة فيحول بينهم وبين هذا القرآن العظيم غرور العلم البشري الذي فتحه الله عليهم في عالم المادة، وغرور التنظيمات والتشكيلات التي ظهرت مع تجدد الحياة، وتوالي التجارب، وتجدد الحاجات.
كما يحول بينهم وبين هذا القرآن كيد الأعداء من اليهود والنصارى، والصليبيين والمنافقين، الذي لم يكف لحظة واحدة عن حرب هذا الدين وكتابه القويم.
ومحاولة إلهاء أهله عنه، وإبعادهم عن توجيهه المباشر، وذلك بعدما علم هؤلاء الأعداء من تجاربهم الطويلة معه أن لا طاقة لهم بأهل هذا الدين ما داموا عاكفين على هذا الكتاب، عكوف الجيل الأول، لا عكوف التغني بآياته وحياتهم كلها بعيدة عن توجيهاته وسننه وأحكامه.
وهو كيد مطرد لئيم خبيث، ثمرته النهائية هذه الأوضاع التي يعيش فيها الناس اليوم، والتي تسر الشياطين، وتغضب الله رب العالمين.
ويتبع ذلك محاولات أخرى في كل مكان للتعفية على آثار هذا الدين بأساليب ماكرة، ولتدارس قرآن غير قرآنه، يرجع إليه في تنظيم الحياة كلها، ويرد إليه كل اختلاف، كما كان المسلمون يرجعون إلى كتاب الله في جميع أحوالهم.
وذلك بتحكيم القوانين والنظم التي يفترونها، ونبذ أحكام الله، ورفعها من منهج الحياة، فنبذوا كتاب الله، واتبعوا ما أمرتهم به الشياطين، وصفق لذلك المنافقون والمغرورون.
فواعجباً لهؤلاء وأولئك، ألا ما أعظم تلاعب الشيطان بالبشر.
هؤلاء أعرضوا عن الدين وأضلوا.
وأولئك ضلوا وخسروا.
والجميع في شقاء ووبال وسفال: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)} [سبأ: ٢٠].
فليهنأ من ثبت على دينه، وسار على هدى ربه وسنة رسوله، ففيهما البصائر والهدى والشفاء، والسعادة في الدنيا والآخرة: {قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)} [الأعراف: ٢٠٣].
ولهذا أمرنا الله بتدبر القرآن، والتفكر في آياته، والعمل بما فيه، والمداومة على تلاوته، وحسن الاستماع له كما قال سبحانه: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)} [الأعراف: ٢٠٤].
إن الاستماع لهذا القرآن والإنصات له هو الأليق بجلال هذا القول، وبجلال قائله سبحانه.
وإذا قال الملك الجبار الرحمن الرحيم كلاماً يوجه فيه عباده إلى ما ينفعهم ويحذرهم مما يضرهم، ويعرفهم بعظمته وجلاله، ويذكرهم بآلائه ونعمه، أفلا يستمعون وينصتون لعلهم يرحمون؟.
ألا ما أعظم خسارة البشرية حين يعرضون عن هذا القرآن الكريم.
إن الآية الواحدة منه لتصنع أحياناً في النفس حين تستمع له وتنصت أعاجيب من الانفعال والتأثر والاستجابة، والطمأنينة والراحة، ما لا يدركه إلا من ذاق ذلك وعرفه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)} [الأنفال: ٢].
لقد حاول أعداء هذا الدين أن يصرفوا الناس عن هذا القرآن نهائياً منذ نزوله إلى يومنا هذا كما قال سبحانه: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)} [فصلت: ٢٦].
فلما عجزوا حولوه إلى تراتيل يترنم بها القراء، ويطرب لها المستمعون، ولم يعد القرآن في حياة الناس هو مصدر التوجيه والاتباع.
فقد صاغ لهم أعداء الدين أبدالاً منه، يتلقون منها التوجيه في شئون الحياة كلها، ويسمون أنفسهم مسلمين، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)} [البقرة: ٨٥].
ولكن القرآن ما يزال يعمل من وراء كيد هؤلاء الأعداء، وسيظل يعمل؛ لأن الله تكفل بحفظه، وسينصر أهله ما حكموه في حياتهم، ويهلك أعداءهم: {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)} [القلم: ٤٤، ٤٥].
والقرآن الكريم كتاب كامل شامل، أنزله الله ليكون منهج حياة للبشرية إلى يوم القيامة.
ومن يدرك القرآن على حقيقته لا يخطر بباله أن يطلب سواه، أو يطلب تبديل بعض أجزائه.
لكن الذين يجهلون حقيقة القرآن ولا يرجون لقاء الله يطلبون طلباً عجيباً: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)} [يونس: ١٥].
فالقرآن الذي أنزله خالق الكون كله وما فيه، وخالق الإنسان هو الحق الذي لا حق سواه؛ لأن الله أعلم بما يصلح الإنسان، فما يكون للرسول ولا يحق له ولا لغيره أن يبدله من تلقاء نفسه.
وإنْ هو إلا مبلغ للوحي من ربه ومتبع له، وكل تبديل فيه أو تحريف معصية وراءها عذاب يوم عظيم.
وهذا القرآن العظيم بما فيه من الآيات والمعجزات.
والأخبار والأوامر.
وتنظيم حياة البشر.
وبيان طبيعة البشر.
وطبيعة الحياة.
وطبيعة الكون وتصريفه وتدبيره.
وأحوال اليوم الآخر وقصص الأنبياء مع أممهم.
كل ذلك لا يمكن أن يكون مفترى من دون الله.
لأن قدرة واحدة هي التي تملك الإتيان به هي قدرة الله عزَّ وجلَّ، القدرة المطلقة التي تحيط بالأوائل والأواخر، والظواهر والبواطن، وتضع المنهج الكامل المبرأ من النقص والقصور، ومن آثار العجز والجهل: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧)} [يونس: ٣٧].
إن هذا القرآن يجعل من مألوفات البشر وحوادثهم المكرورة قضايا كونية كبرى، يبين فيها عظمة الخالق وقدرته، وينشئ بها عقيدة قوية صافية، وتصوراً كاملاً للوجود.
كما يجعل فيها منهجاً للتفكير والنظر، وحياة للأرواح والقلوب، ويقظة في المشاعر والحواس، فيتحقق التوحيد، ويزيد الإيمان، وتطمئن القلوب، وتنقاد الجوارح للطاعة والعبادة: {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)} [الواقعة: ٥٧ - ٧٤].
إن الله عزَّ وجلَّ ينشئ العقيدة بعرض آيات قدرته في خلق الناس، وفي زرعهم الذي تزاوله أيديهم، وفي الماء الذي يشربون، وفي النار التي يوقدون، والموت الذي يشاهدون، ليقف الناس وجهاً لوجه أمام القدرة المطلقة المتصرفة.
فيرون كل وقت عظمة الرب، وكمال قدرته، وجمال صنعه.
إنه لا يكل الناس إلى الخوارق والمعجزات الخاصة المعدودة، إنما يكلهم إلى مألوفات حياتهم التي يشاهدونها كل يوم، ولكنهم يغفلون عنها لطول إلفهم لها، فيغفلون عن مواضع الإعجاز فيها.
فالمشاهدات المألوفة التي يراها الناس كل يوم، النسل والزرع، والماء والنار، والحياة والموت، فأي إنسان لم تدخل هذه المشاهدات في تجاربه؟.
أي ساكن كهف؟.
وأي راع للغنم؟.
وأي عالم ذرة؟.
وأي عالم طبيعة؟.
وأي عالم وأي جاهل؟.
أي واحد من هؤلاء وغيرهم على اختلاف مستوياتهم وأفكارهم، لم يشهد نشأة حياة حيوانية، ونشأة حياة نباتية، ومسقط ماء، وموقد نار، ولحظة وفاة.
من هذه المشاهدات والكائنات الهائلة التي يراها الإنسان، ينشئ القرآن العقيدة، وهي في بساطتها تخاطب فطرة كل إنسان، وتواجهه يومياً، فماذا يريد البشر فوق هذا؟: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)} [الجاثية: ٦].
مختارات

