٢- العلم بأوامر الله (١)
قال الله تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)} [الأعراف: ٥٤].
وقال الله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)} [الجاثية: ١٨].
الله تبارك وتعالى خالق كل شيء في العالم العلوي وفي العالم السفلي.
خلق جميع المخلوقات وجعل لها أوامر.
وأوامر الله عزَّ وجلَّ نوعان:
أوامر كونية لكافة المخلوقات.
وأوامر شرعية خاصة بالإنس والجن.
وأوامر الله الكونية ثلاثة أقسام:
الأول: أمر الإيجاد، وهو أمر متوجه من الرب سبحانه إلى جميع المخلوقات بالإيجاد، فقد كان الله جل جلاله، ولا شيء غيره، ثم خلق خلقه كما قال سبحانه: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)} [الزمر: ٦٢].
فهو سبحانه الذي يخلق ما شاء في أي وقت شاء: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)} [يس: ٨٢].
الثاني: أمر البقاء، وهو متوجه من الله إلى جميع المخلوقات بالبقاء، ولو رفع الله عنها أمر البقاء لهلكت وفنيت وزالت، فهي باقية بأمر الله لها بالبقاء كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)} [فاطر: ٤١].
الثالث: أمر النفع والضر، والتحريك والتسكين، والإحياء والإماتة، وهو متوجه من الله إلى جميع المخلوقات، فلا ينفع شيء ولا يضر إلا بإذن الله، ولا يتحرك شيء ولا يسكن إلا بإذن الله، ولا يحيا شيء ولا يموت إلا بإذن الله كما قال سبحانه: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)} [الأعراف: ١٨٨].
وقال سبحانه: {هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)} [غافر: ٦٨].
وقال سبحانه: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [يونس: ٢٢].
وهذه الأوامر الكونية لازمة الوقوع.
أما الأوامر الشرعية فهي أمر الله الشرعي الموجه إلى الثقلين: الإنس والجن، وهو الدين الذي أرسل الله به رسله.
وأوامر الله الشرعية خمسة أقسام:
الإيمان.
العبادات.
المعاملات.
المعاشرات.
الأخلاق.
وهذه الأوامر الشرعية هي مجموع الدين، قد يستجيب لها بعض الناس، وقد يردها البعض الآخر.
وقد ترك الله للعباد أمر الاختيار: فيستجيب لها من يعلم الله أنه أهل للكرامة، ويردها من يعلم الله أنه أهل للإهانة، والله أعلم حيث يجعل رسالته، وحيث يجعل هدايته، وحيث يجعل علمه.
ولا إكراه في الدين: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)} [الكهف: ٢٩].
والهداية بيد الله، ولكن الله أقام الحجة على العباد بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وأعطاهم آلات الإدراك التي يعلمون بها الحق من الباطل، وهي السمع والبصر والعقل: {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)} [النحل: ٤٤].
وبعد البيان هدى الله من شاء إلى الحق بمنه وفضله، لعلمه بمن يصلح للهداية، وترك من شاء ممن لم يرد هدايته وخلى بينه وبين نفسه، لعلمه سبحانه بأنه يصلح للغواية لا للهداية.
فهدى الله بفضله من شاء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وأضل من شاء بعدله، بعد قيام حجته سبحانه.
وأسعد الخلق من عرف الحق، وعمل به، ودعا إليه، وصبر على كل ذلك.
فالإسلام هو الدين الحق الذي ينظم علاقة الإنسان بربه، وعلاقته بخلقه في جميع شئون الحياة.
فهو الدين الكامل الشامل الذي أكرم الله به البشرية، ودعاهم إلى الأخذ به ليسعدوا في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: ٣].
فهو منهج عظيم شرعه الله لعباده، منهج بريء من جهل الإنسان، وهوى الإنسان، وشهوة الإنسان، وضعف الإنسان.
منهج عدل مطلق لجميع الإنسانية، لا محاباة فيه لفرد، ولا لطبقة ولا لشعب، ولا لجنس، ولا لجيل دون جيل؛ لأن الله رب الجميع، والله يريد أن يسعد الجميع، ولكن الناس أنفسهم يظلمون.
وهو منهج عظيم، شرعه الذي خلق الإنسان، الذي يعلم حقيقة فطرته، وحاجات هذه الفطرة، وما ينفعها وما يضرها، وما يوافقها وما يخالفها، وما يسعدها وما يشقيها.
وحسب الناس أن يقبلوه، ويسارعوا إليه؛ ليسعدوا في الدنيا والآخرة.
وهو كذلك منهج من مزاياه أن الذي شرعه وأمر به هو خالق هذا الكون الذي يعيش فيه الإنسان، فهو منهج يتلاءم مع ما يجري في هذا الكون، فلا يروح يعارك مخلوقات الله الأخرى، بل يتعرف عليها ويصادقها، حسب المنهج الذي يهديه ويحميه.
وهذا المنهج يكرم الإنسان ويحترمه، ويجعل لعقله مكاناً للعمل في المنهج، مكاناً للاجتهاد في فهم النصوص الواردة، ثم الاجتهاد في رد ما لم يرد فيه نص إلى النصوص أو المبادئ العامة للدين.
ولأهمية هذا الدين وحاجة العباد إليه أرسل به رسله، ليطاعوا بإذنه، لا ليخالف أمرهم، ولا ليكونوا فقط مجرد وعاظ، يلقون الموعظة العابرة، لتذهب في الهواء بلا سلطان.
.
كلا.
إن هذا الدين لباس لهذه الأمة، ووقاية لها من كل سوء، ومتى نزعته أصبحت عارية، وصارت عرضة للهلاك.
إن الدين منهج حياة واقعية للأمة، بشكلها ونظامها، وأوضاعها وقيمها، وأخلاقها ومعاشراتها، وعباداتها ومعاملاتها.
وذلك يتطلب أن يكون للرسالة والدين سلطان يحقق المنهج، وتخضع له النفوس خضوع طاعة وتنفيذ.
والله عزَّ وجلَّ أرسل الرسل ليطاعوا بإذنه، وفي حدود شرعه.
وبهذا يقوم منهج الله الذي أراده لتصريف هذه الحياة بموجبه.
فالإسلام دعوة وبلاغ، ونظام وأحكام، وخلافة بعد ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تقوم بالدين، وتنفذ شريعة الله في الأمة.
لتحقيق الطاعة الدائمة للرسول.
وتحقيق إرادة الله من إرسال الرسل.
وتحقيق مراد الله في عباده.
وبهذا لا بغيره تتحقق سعادة البشرية، ويحصل لها الفوز والفلاح: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)} [الأحزاب: ٧١].
هذا وإن كان يكفي لإثبات الإسلام القيام بالأعمال وتحاكم الناس إلى شريعة الله، فإنه لا يكفي في الإيمان هذا ما لم يصاحبه الرضى النفسي، والقبول القلبي، وإسلام القلب لله: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)} [النساء: ٦٥].
هذا هو الإسلام.
وهذا هو الإيمان.
فلتنظر نفس أين هي من الإسلام؟.
وأين هي من الإيمان؟.
قبل ادعاء الإسلام، وقبل ادعاء الإيمان.
فهذا الدين منهج ميسر، وشريعة سمحة، وقضاء رحيم، إنه لا يكلف العباد فوق طاقتهم، ولا يكلفهم عنتاً يشق عليهم.
فالله الذي خلق الإنسان يعلم ضعف الإنسان، ويرحم هذا الضعف.
والله عزَّ وجلَّ عليم حكيم يعلم أنه لو كلفهم تكاليف شاقة ما أداها إلا قليل منهم.
والله الرحمن الرحيم لا يريد لهم العنت، ولا يريد لهم أن يقعوا في المعصية.
ولو أنهم استجابوا للتكاليف اليسيرة التي كتبها الله عليهم، واستمعوا للموعظة التي يعظهم الله بها، لنالوا خيراً عظيماً في الدنيا والآخرة.
ولأعانهم الله بالهدى كما يعين كل من يجاهد للهدى بالعزم والقصد والإرادة: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)} [النساء: ٦٦ - ٦٨].
إن هذا الدين ميسر يمكن أن ينهض به كل ذي فطرة سوية، إنه لا يحتاج للعزائم الخارقة الفائقة، التي لا توجد عادة إلا في القلة من البشر.
وهذا الدين ما جاء لهذه القلة القليلة، إنما جاء للناس جميعاً.
والناس معادن وطبقات وألوان من ناحية القدرة على النهوض بالتكاليف.
وهذا الدين ييسر لهم جميعاً أن يؤدوا الطاعات المطلوبة فيه، وأن يكفوا عن المعاصي التي نهى الله عنها.
وقتل النفس والخروج من الديار مثلاً للتكاليف الشاقة التي لو كتبت عليهم ما فعلها إلا قليل منهم.
وهي لم تكتب لأنه ليس المراد من التكاليف أن يعجز عنها عامة الناس، وأن ينكل عنها عامة الناس.
بل المراد أن يؤديها الجميع، وأن يقدر عليها الجميع، وأن يشمل موكب الإيمان كل النفوس السوية العالية والعادية.
وليس اليسر في هذا الدين هو الترخص، ليس هو تجميع الرخص كلها في هذا الدين، وجعلها منهج الحياة.
فهذا الدين عزائم ورخص، والعزائم هي الأصل، والرخص للملابسات والأحوال الطارئة.
وبعض المخلصين حسني النية، الذين يريدون دعوة الناس إلى هذا الدين، يعمدون إلى الرخص فيجمعونها، ويقدمونها للناس على أنها هي الدين، ويقولون لهم: انظروا كم هو ميسر هذا الدين؟.
وبعض الذين يتملقون شهوات السلطان أو شهوات الناس، يبحثون عن منافذ لهذه الشهوات من خلال الأحكام والنصوص، ويجعلون هذه المنافذ هي الدين.
ولكن الدين ليس هذا، وليس ذاك، إنما هو بجملته برخصه وعزائمه ميسر للناس.
يقدر عليه الفرد العادي حين يعزم، ويبلغ فيه تمام كماله الذاتي في حدود بشريته، كما يبلغ العنب كماله الذاتي في الحديقة الواحدة: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)} [القمر: ١٧].
وفي مكة حيث لم تكن للإسلام دولة تنفذ شريعته، فصان الله هذه الشريعة أن تكون حديث ألسن، وموضوعات دراسة، قبل أن يهيئ لها المجتمع الذي يدخل في السلم كافة، ويسلم نفسه لله جملة، ويعبد الله بالطاعة لشريعته في كل شأن.
وقبل أن يهيئ لها الدولة ذات السلطان، التي تحكم بهذه الشريعة بين الناس فعلاً، وتجعل معرفة الحكم مقرونة بتنفيذه فوراً.
فتأتي الأوامر والأحكام، فتستقبلها القلوب بالقبول والإذعان كما حصل ذلك في المدينة بعد الهجرة.
والإسلام له أحكام مرحلية في العلاقات الدائمة بين المجتمع المسلم وسائر المجتمعات حوله من المشركين وأهل الكتاب والمنافقين.
وله كذلك أحكام نهائية وردت في سورة التوبة، فينبغي الرجوع إليها بوصفها الأحكام النهائية المطلقة.
وكذلك للإسلام في كثير من القضايا والأوامر أحكام مرحلية، ثم أحكام نهائية، كما في تحريم الربا والخمر ونحوهما.
والعلوم كالمياه، منها عذب فرات سائغ شرابه، ومنها ملح أجاج.
والعلوم الإلهية التي جاء بها الرسل فيها الغذاء والدواء والشفاء، وهي رحمة من الله، أرسل بها رسله إلى عباده.
فمن قبلها سعد في الدنيا والآخرة.
ومن ردها شقي في الدنيا والآخرة.
والسمع والبصر والقلب هي أمهات ما ينال به العلم ويدرك.
فالقلب: يعقل الأشياء بنفسه إذ كان العلم هو غذاؤه وخاصته.
والأذن: تحمل الكلام المشتمل على العلم إلى القلب.
والعين: تنقل ما رأت وتصبه في القلب.
وصاحب الأمر هو القلب، وسائر الأعضاء حجبة له، توصل إليه من الأخبار والمرئيات ما لم يكن ليأخذه بنفسه.
والقلب خُلق للإيمان والتوحيد وذكر الله، والذكر للقلب بمنزلة الغذاء للجسم.
فكما لا يجد الجسم لذة الطعام والشراب مع السقم، فكذلك القلب لا يجد حلاوة الإيمان والذكر مع حب الدنيا: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)} [الرعد: ٢٨].
وإذا كان القلب مشغولاً بالله، عاقلاً للحق، متفكراً في العلم، فقد وضع في موضعه، كما أن العين إذا صرفت إلى النظر إلى الأشياء فقد وضعت في موضعها.
أما إذا لم يصرف القلب إلى العلم، ولم يودع فيه الحق فهو ضائع، والقلب نفسه لا يقبل إلا الحق، فإذا لم يوضع فيه، فإنه لا يقبل غير ما خلق له، وهو مع ذلك ليس بمتروك.
فإنه لا يزال في أودية الأفكار الرديئة وأقطار الأماني السافلة.
وإنما يحول بين القلب وبين الحق في غالب الأحوال شغله بغيره من فتن الدنيا، ومطالب الجسد، وشهوات النفس.
وقد يعرض له الهوى قبل معرفة الحق، فيبعده عن النظر فيه، فلا يتبين له الحق، وكثيراً ما يكون ذلك عن كبر يمنعه عن أن يطلب الحق، وقد يعرض له الهوى بعد أن عرف الحق فيجحده ويعرض عنه.
والقلب للعلم كالإناء للماء، والوعاء للعسل، والوادي للسيل، والقلوب أوعية فخيرها أوعاها وأرقها وأصفاها.
فالقلب إن كان ليناً رقيقاً كان قبوله للعلم سهلاً يسيراً، ورسخ فيه العلم وثبت وأثر.
وإن كان القلب قاسياً غليظاً كان قبوله للعلم صعباً عسيراً.
ولا بدَّ مع ذلك أن يكون القلب زاكياً صافياً سليماً حتى يزكو فيه العلم، ويثمر ثمراً طيباً، وإلا فلو قبل العلم وكان فيه كدر وخبث أفسد ذلك العلم كالدغل في الزرع إن لم يمنع الحب أن ينبت منعه أن يزكو ويطيب.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا وَإنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وَهِيَ الْقَلْبُ» متفق عليه (١).
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أصَابَ أرْضاً، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأنْبَتَتِ الْكَلا وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أجَادِبُ، أمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أخْرَى، إنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْساً، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أرْسِلْتُ بِهِ» متفق عليه (٢).
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٥٢)، ومسلم برقم (١٥٩٩).
(٢) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٧٩)، واللفظ له، ومسلم برقم (٢٢٨٢).
مختارات

